آیـْـاتُ الـغَـدِیـر ۱۳۹۳/۱۱/۱۸ - ۹۲ بازدید



آیـْـاتُ الـغَـدِیـر

بحث فی خطب حجة الوداع وتفسیر آیات الغدیر

قام باعداده مرکز المصطفى للدراسات الاسلامیة

برعایة المرجع الدینی الاعلى السید السیستانی مد ظله


الطبعة الاولى



فهرست عناوین
مقدمة
الفصل الأول : بحوث تمهیدیة لتفسیر آیة العصمة من الناس
خلاصة آیات الغدیر الثلاث ۹
البحث الأول : خلافة النبی صلى الله علیه وآله وسلم کانت مطروحة فی حیاته ۱۳
البحث الثانی : النبی صلى الله علیه وآله وسلم یبشر بالأئمة الإثنی عشر من بعده ۲۵
الأولى : هل أن أصل : کلهم من قریش ، کلهم من عترتی ؟ ۳۱
الثانیة : لا یصح الوعد الإلهی بقیادة مجهولة ! ۳۶



آیـْـاتُ الـغَـدِیـر

بحث فی خطب حجة الوداع وتفسیر آیات الغدیر

قام باعداده مرکز المصطفى للدراسات الاسلامیة

برعایة المرجع الدینی الاعلى السید السیستانی مد ظله


الطبعة الاولى



فهرست عناوین
مقدمة
الفصل الأول : بحوث تمهیدیة لتفسیر آیة العصمة من الناس
خلاصة آیات الغدیر الثلاث ۹
البحث الأول : خلافة النبی صلى الله علیه وآله وسلم کانت مطروحة فی حیاته ۱۳
البحث الثانی : النبی صلى الله علیه وآله وسلم یبشر بالأئمة الإثنی عشر من بعده ۲۵
الأولى : هل أن أصل : کلهم من قریش ، کلهم من عترتی ؟ ۳۱
الثانیة : لا یصح الوعد الإلهی بقیادة مجهولة ! ۳۶
الثالثة : من قریش ، لکن من عترة النبی صلى الله علیه وآله وسلم ۳۷
الرابعة : أحادیث النبی صلى الله علیه وآله وسلم تفسر حدیث الإثنی عشر ۳۸
الخامسة : اثنا عشر إماماً واثنا عشر شهراً ۳۹
السادسة : راوی الحدیث جابر السوائی ۴۲
السابعة : مقارنة بین أسانید الأحادیث الثلاثة ۴۳
الثامنة : تضارب متون الأحادیث الثلاثة ۴۴
التاسعة : الأئمة الإثنا عشر لا یحتاجون الى اختیار ولا بیعة ۴۶
العاشرة : قرشیة الحدیث ألقاها عمر فی البحر ۴۷
الحادیة عشرة : تخبط الشراح فی تفسیر الأئمة الإثنی عشر ۵۰
الثانیة عشرة : نماذخ من أحادیثنا فی الأئمة الإثنی عشر علیهم السلام ۷۶
البحث الثالث : الأسس الإسلامیة فی خطب الوداع ۸۳
نماذخ من نصوص خطب الوداع ۸۵
الاساس الأول : المساواة الإنسانیة ۱۰۱
الاساس الثانی : وحدة الأمة الإسلامیة ۱۰۲
الأساس الثالث : وحدة شریعة المسلمین وثقافتهم ۱۰۸
الاساس الرابع : مبادئ مسیرة الدولة والحکم بعد النبی صلى الله علیه وآله وسلم ۱۰۹
الاساس الخامس : عقوبة المخالفین للوصیة النبویة بأهل بیته ۱۲۰
البحث الرابع : حاجة الأنبیاء فی تبلیغ رسالاتهم الى حمایة الناس ۱۲۹
معنى التبلیغ فی القرآن ۱۲۹
مهمة نبینا صلى الله علیه وآله وسلم فی التبلیغ ۱۳۱
البحث الخامس : قریش هی السبب فی حاجة نبینا صلى الله علیه وآله وسلم الى عصمة إضافیة ۱۳۷
قریش منجم الفراعنة ۱۳۷
قبائل قریش ۱۴۰
قریش بعد فتح مکة ۱۵۱
قریش تتمحور حول زعامة سهیل بن عمرو ۱۵۵
سهیل بن عمرو یحاول الإستقلال ! ۱۵۸
أثر هذه الحادثة على قریش ۱۶۶
الخلیفة عمر یشهد بفساد قریش! ۱۶۷
الفصل الثانی : آیة الأمر بالتبلیغ
أقوال العلماء السنیین ۱۷۰
القول الأول ۱۷۱
القول الثانی ۱۷۶
القول الثالث ۱۸۱
القول الرابع ۱۸۴
القول الخامس ۱۸۵
القول السادس ۱۹۰
القول الموافق لرأی لأهل البیت علیهم السلام ۱۹۰
الوهابیون وحدیث الغدیر ۱۹۴
رأی أهل البیت علیهم السلام ۲۰۲
ملاحظات عامة حول الأقوال المخالفة ۲۰۶
الملاحظة الأولى ۲۰۶
الملاحظة الثانیة ۲۰۷
الملاحظة الثالثة ۲۰۷
تقییم الأقوال المخالفة على ضوء الآیة ۲۰۷
مسألتان تتعلقان بآیة العصمة من الناس ۲۱۱
المسألة الأولى : محاربة علی علیه السلام بآیة تبلیغ ولایته ۲۱۱
المسألة الثانیة : الرد بالآیة على من زعم أن النبی صلى الله علیه وآله وسلم قد سُحِر ۲۱۵
الفصل الثالث : قصة الغدیر
قریش فی حجة الوادع ۲۲۱
نتائج حجة الوداع ۲۲۳
الوحی یضغط على النبی صلى الله علیه وآله وسلم من السماء وقریش من الأرض ۲۲۳
الوحی یوقف القافلة النبویة ۲۲۴
المنطق النبوی حقق أهدافه وفضح قریشاً ۲۳۴
الفصل الرابع : آیة إکمال الدین
آخر ما نزل من القرآن ۲۳۹
سورة المائدة آخر ما نزل من القرآن ۲۴۰
رأی أهل البیت علیهم السلام ۲۴۱
مصادر السنیین الموافقة لرأی أهل البیت علیهم السلام ۲۴۲
الآراء المخالفة والمتناقضة ۲۴۴
بقیة الأقوال ۲۵۰
آیة إکمال الدین وآیة اللحوم المحرمة ۲۵۶
القول الأول ۲۵۹
القول الثانی ۲۶۱
القول الثالث ۲۶۴
الموقف العلمی من سبب نزول الآیة ۲۶۸
الفصل الخامس : آیة سأل سائل بعذاب واقع
أحداث کانت وراءها قریش ۲۸۵
استنفار قریش بعد الغدیر ۲۹۲
أحجار من السماء للناطقین باسم قریش ۲۹۴
المسألة الأولى : فی أن مصادر السنیین روت هذا الحدیث ۲۹۵
المسألة الثانیة : هل أن سورة المعارج مکیة أو مدنیة ؟ ۲۹۷
المسألة الثالثة : هل العذاب فی سورة المعارج دنیوی أم أخروی ؟ ۳۰۱
المسألة الرابعة : موقف السنیین من الحدیث ۳۰۴
المسألة الخامسة : موقف النواصب من الحدیث ۳۰۹
المسألة السادسة : طرق وأسانید حدیث حجر الغدیر ۳۱۹
المسألة السابعة : عشیرة سأل سائل بعذاب واقع ۳۳۹
الحسد القدیم وحلف لعقة الدم ۳۴۰
بنو عبد الدار أصحاب لواء قریش ۳۴۳
بنو عبد الدار علموا قریشاً فناً فی الدفاع ۳۴۴
النضر بن الحارث رئیس بنی عبد الدار ۳۴۵
وکان النضر عضو مجلس الفراعنة المتأمرین على النبی صلى الله علیه وآله وسلم ۳۴۷
وکان النضر رسول قریش الى الیهود ۳۴۹
کانت الصحیفة الملعونة الأولى ضد بنی هاشم ۳۵۰
وکان النضر من المطعمین جیش قریش فی بدر ۳۵۲
نهایة الأول من فراعنة سأل سائل ۳۵۲
النضیر بن الحارث أخ النضر ووارثه ۳۵۴
رواة قریش یجعلون النضیر مسلماً مهاجراً شهیداً ! ۳۵۵
هل اعترض النضیر على النبی صلى الله علیه وآله وسلم مثل أخیه وابن أخیه ؟ ۳۵۵
الأفجران من قریش أو ... الأفجرون ؟ ۳۵۷






--------------------------------------------------------------------------------

۳



مقـدمـة




بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمین، وأفضل الصلاة وأتم السلام على

سیدنا ونبینا محمد وآله الطیبین الطاهرین

توجد ثلاث مسائل فی عمل الأنبیاء والرسل علیهم السلام لم یعطها الباحثون حقها فی تدوین سیرتهم، ودراسة أعمالهم:

المسألة الأولى: أن أصل مهمتهم علیهم السلام هو تبلیغ الناس رسالة ربهم فقط. . فالمحور الذی تدور علیه أعمالهم هو التبلیغ والأداء، من أجل إقامة الحجة لربهم عز وجل على عباده. .

فالرسول مبلغُ رسالة ومؤدیها. . وهو یتقی ربه سبحانه ویخاف من غضبه وعذابه إن هو قصر فی الأداء، أو خالف حرفاً مما کلف بأن یؤدیه!

ولذا تراه یُشْهِدُ الناس على أنه أدى الیهم، لیشهدوا له عند ربه.

والرسول مبلغٌ، ولیس له إجبار الناس على قبول الهدى، ولا على الإلتزام به. . ولا یمکنه ذلک.





--------------------------------------------------------------------------------

۴

فلا إکراه فی الدین الإلهی . . وحریة الناس یجب أن تبقى محفوظة، لیؤمنوا إن شاؤوا أو یکفروا. . ویلتزموا بالدین أو ینحرفوا عنه. . لأن ذلک معنى فتح مدرسة الحیاة فی هذه الدار، وامتحان الناس بالهدى والضلال، وإعطائهم القدرة على فعل الخیر أو الشر. . ثم محاسبتهم فی مرحلة لاحقةٍ فی دارٍ أخرى.

وإجبارهم یتنافى مع أصول الإمتحان، وما یلزمه من حریة اختیار.




والمسألة الثانیة: أن هدف الأنبیاء والرسل علیهم السلام یترکز على القضایا ( الکبرى ) فی حیاة الناس ومسار المجتمعات. . فالرسول علیه السلام مهندسٌ ربانی، ولکنه مهندسُ مدنٍ ومجتمع، ومسیرة تاریخ.

وأعماله یجب أن ینظر الیها بهذا المنظار، وأن تقاس بهذا المقیاس، وأن یسأل الباحث نفسه: ماذا کان سیحدث فی ثقافة الناس ومسار التاریخ، لو لم یبعث هذا الرسول، وماذا حدث بسبب بعثته وأدائه لرسالته؟

أو یسأل نفسه: کیف کانت حالة العالم الوثنیة الیوم، لو لم یبعث إبراهیم علیه السلام ویرسی أساس التوحید، ویزرع کلیاته فی مسیرة المجتمع الإنسانی؟ !

أو کیف کانت حالة الجزیرة العربیة، والبلاد العربیة، والعالم فی عصرنا، لو لم یبعث نبینا صلى الله علیه وآله ، ولم یحدث هذا المد الأخیر من التوحید والحضارة؟ !

لقد کان عمله صلى الله علیه وآله تکوین أمة، ودفعها لتأخذ موقعها فی مصاف أمم العالم، بل فی ریادتها. . بأحسن ما یمکن من مقومات الأمة، مضموناً وشکلاً..

کان عمله إنشاء سفینة، وإطلاقها فی بحر شعوب العالم وفی مجرى التاریخ. . وکان حریصاً أن یکون ربانها بعده أهل بیته، الذین اصطفاهم الله وطهرهم، وأورثهم الکتاب. . ولکن إن لم تقبل الأمة بقیادتهم، فلیکن الربان من یکون، حتى یبلغ الله أمره فی هذه الأمة، ثم یبعث فیها المهدی الموعود علیه السلام .





--------------------------------------------------------------------------------

۵

والمسألة الثالثة: أن الجانب الذاتی فی الرسول علیه السلام موجودٌ ومؤثرٌ دون شک، فهو مفکرٌ، نابغٌ، مخطط ٌ، فاعلٌ مختار. . ولکن الذاتیة فی عمله ضئیلة جداً!

وما یقابل الذاتیة هنا لیس الآلیة، فإن إطاعة الرسول علیه السلام لما یوحى الیه إنما هو عن قناعةٍ، وإیمانٍ، وتَعَبُّد.

الرسول یجتهد فی أمورٍ، شخصیة أو عامة. . ولکن مساحة الأمور التی یسمح لنفسه أن یجتهد فیها ویعمل فیها برأیه، جزءٌ قلیلٌ من مساحة عمله الواسع الکبیر!

فمثله کمثل مهندسٍ أرسله رئیسه لتنفیذ مشروع کبیر، وهو مقتنعٌ أن علیه أن یتصل دائماً برئیسه، لیأخذ منه التعلیمات الحکیمة الصحیحة، حتى لا یقع فی أخطاء ضارة. . فهو یعمل ویفکر وینفذ، ولکنه على اتصالٍ دائم بمرکزه، یأخذ منه مراحل الخارطة، ویستشیره فی رفع إشکالات التنفیذ!

وهذا المثل لمهمة هذا المهندس، مصغرٌ آلاف المرات عن مهمة الرسول علیه السلام .

أما مرکز هدایة الرسول علیه السلام ، فلا یقاس أحدٌ بالله سبحانه، ولا فعل أحدٍ بأفعاله.




وعلى هذا، یجب علینا فی دراسة سیرة نبینا صلى الله علیه وآله أن ندخل فی حسابنا هذه الأمور الثلاثة: أنه مبلغٌ ما أمر به. وأن عمله إنشاء أمة وإطلاقها فی مسیرة التاریخ. وأن عمله دائماً بتوجیه ربه، ولیس من عند نفسه. .

والمتأمل فی سیرته صلى الله علیه وآله یلمس هذه الحقیقة لمساً، وأن الله تعالى کان یدیر أمره من أول یومٍ الى آخر یوم، وکان هو یطیع وینفذ. . مسْلِماً أمره الى ربه، متوکلاً علیه، راضیاً بقضائه وقدره. .

ولذا جاءت النتائج فوق مایتصور العقل البشری، وفوق ما یمکن لکل مهندسی المجتمعات، ومنشئی الأمم، ومؤسسی الحضارات. .

لقد استطاع الرسول صلى الله علیه وآله أن یحدث مداً عقائدیاً حضاریاً عالمیاً فی أقل مدة،




--------------------------------------------------------------------------------

۶

وأقل کلفةٍ من الخسائر البشریة والمادیة. . فرغم شراسة الأعداء والحروب لم تبلغ قتلى الطرفین ألف قتیل! !

وما ذلک إلا بسبب أن إدارة الرسول صلى الله علیه وآله کانت من ربه عز وجل. .

لقد کان القرآن یتنزل علیه باستمرار من أول بعثته الى قرب وفاته، وکان جبرئیل علیه السلام یأتیه دائماً، بآیات قرآنٍ أو وحیٍ غیر القرآن، وأوامر وتوجیهات وأجوبة. . الخ.

وما أکثر الأمثلة فی سیرته صلى الله علیه وآله على ذلک، فهی ملیئةٌ بالتدخل الآلهی والرعایة فی کبیر أموره وصغیرها. . وهی تدل على أنه صلى الله علیه وآله ما کان یتصرف من عند نفسه إلا فی تطبیق الخطوط العامة التی أوحیت الیه، أو تنفیذ الأوامر التفصیلیة التی بلغه إیاها جبرئیل علیه السلام . . وکثیراً ما کان یتوقف عن العمل، ینتظر الوحی!

وقد ورد أنه صلى الله علیه وآله قال: أوتیت الکتاب ومثله معه، أی ما کان جبریل یأتیه به من السنن ـ الإیضاح|۲۱۵، وأن جبریل کان ینزل علیه بالسنة کما ینزل بالقرآن ـ الدارمی: ۱|۱۴۵.

وکانت هذه التوجیهات کانت تشمل أموره الشخصیة أیضاً صلى الله علیه وآله ، من زواجه وطلاقه، ولباسه وطعامه، ونومه ویقظته، ووضوئه وسواکه، فضلاً عن عطائه ومنعه، وحبه وبغضه. . کما کانت شاملة لحالات حله وترحاله، ورضاه وغضبه. .

ـ روى فی الکافی: ۴|۳۹ ،عن الإمام الصادق علیه السلام قصة شخص کافر جاء یحاج النبی صلى الله علیه وآله ویکذبه ویؤذیه ویتهدده، قال: ( فغضب النبی صلى الله علیه وآله حتى التوى عرق الغضب بین عینیه، وتربد وجهه، وأطرق الى الأرض، فأتاه جبرئیل علیه السلام فقال: ربک یقرؤک السلام ویقول لک: هذا رجلٌ سخیٌّ یطعم الطعام. فسکن عن النبی صلى الله علیه وآله الغضب ورفع رأسه، وقال له:

لو لا أن جبرئیل أخبرنی عن الله عز وجل أنک سخیٌّ تطعم الطعام، لشردت بک، وجعلتک حدیثاً لمن خلفک!

فقال له الرجل: وإن ربک لیحب السخاء؟





--------------------------------------------------------------------------------

۷

فقال: نعم.

فقال: إنی أشهد أن لا الَه إلا الله وأنک رسول الله، والذی بعثک بالحق لا رددتُ من مالی أحداً. انتهى.

ـ وروى فی الکافی: ۱|۲۸۹، أن شخصاً سأل الإمام الباقر علیه السلام فقال:

حدثْنی عن ولایة علی، أمن الله أو من رسوله؟

فغضب! ثم قال: ویحک! کان رسول الله صلى الله علیه وآله أخوف ( لله ) من أن یقول ما لم یأمره به الله! بل افترضها الله، کما افترض الصلاة والزکاة والصوم والحج. انتهى.

ولا نطیل الکلام بأمثلة ذلک، فهی موضوع مهمٌّ لرسالة دکتوراه، بل لعدة رسائل.




والخلافة بعد النبی صلى الله علیه وآله موضوعٌ بسیطٌ ولیس معقداً..

فقد قال أهل البیت وشیعتهم إن النبی صلى الله علیه وآله نصب علیاً علیه السلام ولیاً للمسلمین من بعده، وأن ذلک کان بأمر ربه عز وجل، فلا مجال فیه لاختیار قریشٍ أو غیر قریش.

وقالت قریش إنه لم ینصب أحداً، ولم یوص الى أحد، وأن ( سلطانه ) ترثه کل قبائل قریش الثلاث وعشرین، لأنه ابن قریش.

لذلک اختارت قریش بعده قرشیاً من قبیلة تَیْم هو أبو بکر، ثم اختار أبو بکر قرشیاً من قبیلة عَدِی هو عمر، ثم اختار عمر بواسطة الشورى قرشیاً ثالثاً من بنی أمیة هو عثمان..

ولم یختاروا خلیفة من الأنصار، لأنه لیسوا قرشیین فلا حق لهم فی سلطان محمد صلى الله علیه وآله ، ولم یختاروا من بنی هاشم، لأن حقهم فی سلطانه لیس أکثر من غیرهم من قبائل قریش، ولم تخترهم أکثریة قبائل قریش!

إنه موضوع بسیط، یدور حول وجود النص وعدم وجوده. . ولکنه موضوعٌ شائکٌ لا تحب فتحه قریش، لأنه یضع نظام خلافتها تحت الإستفهام. . وإذا فتَحْتَهُ




--------------------------------------------------------------------------------

۸

حذرک القرشیون وقالوا لک: إنه صعبٌ معقد، وأفتوا لک بأن الکلام فیه حرام!

وآیات الغدیر، جزءٌ من مجموع الآیات التی نزلت فی علی وأهل البیت علیهم السلام ، وقد ألَّفَ قدماء المفسرین والمحدثین حتى السنیین منهم، کتباً خاصة فی الآیات التی أنزلها الله تعالى فی أهل بیت نبیه صلى الله علیه وآله ، وفی الأحادیث التی قالها فیهم النبی صلى الله علیه وآله الذی لاینطق عن الهوى! نذکر منها کتاب الحافظ أبی نعیم الأصفهانی باسم ( ما نزل فی علی من القرآن )، وکتاب النسائی صاحب الصحیح باسم ( خصائص أمیر المؤمنین علی )، وهما کتابان معروفان مطبوعان..

وأثناء بحثنا لآیات الغدیر الثلاث: ( بلغ ما أنزل الیک من ربک ) و ( الیوم أکملت لکم دینکم ) و ( سأل سائل بعذاب واقع ) وجدناها مرتبطةً بخطب النبی صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع ارتباطاً وثیقاً، فکان لا بد أن یشمل موضوعنا بحوثاً فی هذه الخطب الست! وما فیها من تبلیغه صلى الله علیه وآله الأمة وجوب اتباع الثقلین من بعده: القرآن والعترة، وبشارته الأمة فی خطبة عرفات بأن الله تعالى حل مشکلة الحکم فیها، واختار لها من بعده اثنی عشر إماماً ربانیاً..

کذلک کان من اللازم أن نبحث العلاقة التی کانت قائمة بین النبی صلى الله علیه وآله وزعماء قریش فی قضیة حکم أهل بیته من بعده صلى الله علیه وآله.

وقد اخترنا للکتاب اسم ( آیات الغدیر ) رغم اشتماله على هذه الموضوعات، لأنه الإسم الأنسب لها، وإن زادت عن تفسیر آیات الغدیر بالمعنى الإصطلاحی.

نرجو أن تکون بحوثاً مفیدة، وأن ینفعنا الله تعالى بها فی آخرتنا، ویشملنا بسببها فی شفاعة النبی وآله الطاهرین صلى الله علیه وآله .


مرکز المصطفى للدراسات الإسلامیة


علی الکورانی العاملی


فی الثالث عشر من رجب المکرم ۱۴۱۹









--------------------------------------------------------------------------------

۹



الفصل الأول



بحوث تمهیدیة لتفسیر آیة العصمة من الناس




خلاصة آیات الغدیر الثلاث


أمر الله تعالى رسوله صلى الله علیه وآله قبل حجة الوداع، أن یدل أمته على حجهم، کما دلهم على صلاتهم، وزکاتهم، وصومهم، وأن یدلهم على إمامهم من بعده ویعلن عهده الى وصیه من عترته، وینصبه علماً لأمته. . لأنه تعالى لم یقبض نبیاً من أنبیائه علیهم السلام إلا بعد أن یکمل له دینه، ویورث الکتاب الآلهی لوصیه، وینصبه علماً لأمته.

ودعا النبی صلى الله علیه وآله المسلمین الى الحج معه، لیعلمهم مناسک حجهم، ویقیم لهم علیاً علیه السلام علماً من بعده. . ولکنه کان یخشى أن تعارض ذلک قریش، لحسدها القدیم لبنی هاشم، وأن یطعنوا فی نبوته، ویتهموه بأنه یرید تأسیس ملک لأسرته کملک کسرى وقیصر. . فیؤدی ذلک الى حدوث حرکة ردة فی الأمة.

وحج النبی صلى الله علیه وآله حجة الوداع، وبلغ الأمة فریضة الحج، وخطب فی مکة وعرفات ومنى خمس خطب. . بین فیها للأمة معالم دینها، وبشرها بالأئمة الإثنی عشر من أهل بیته علیهم السلام ، وشدد على أنه لا أمان للمسلمین من الضلال إلا بالتمسک بالثقلین: القرآن والعترة.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۰

کما حذرهم من الأئمة المضلین، وأصحابه الذین سینقلبون من بعده على أعقابهم، فیمنعهم الله تعالى من ورود حوضه یوم القیامة.

وبسبب حساسیة قریش، لم یکرس النبی صلى الله علیه وآله ولایة العترة الطاهرة بشکل رسمی ولم یأخذ البیعة من المسلمین لعلی علیه السلام .

وفی طریق عودته صلى الله علیه وآله من حجة الوداع نزل علیه جبرئیل علیه السلام بقوله تعالى بالآیة الأولى ( یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک. ..الخ. ) فأوقف النبی صلى الله علیه وآله المسلمین فی الجحفة عند غدیر خم، وبلغهم ما أمره به ربه، وأصعد علیاً علیه السلام معه على المنبر، ورفع بیده معلناً ولایته من بعده، وأمر أن تنصب له خیمة، وأن یهنئه المسلمون بالولایة، فهنؤوه وبایعوه. . فنزلت عند ذلک آیة إکمال الدین وإتمام النعمة بولایة العترة الطاهرة، وهی قوله تعالى: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دیناً...الخ. وذلک فی یوم الغدیر الثامن عشر من ذی الحجة.

وقبل وصول النبی صلى الله علیه وآله الى المدینة وبعده، بدأت تحرکات قریش والمنافقین، ولکن الله تعالى أحبطها، وعصم رسوله من ارتداد الأمة على نبوته فی حیاته، وذلک بوسائل متعددة، کان منها أن أنزل العقاب على عدد من المعترضین على النبی صلى الله علیه وآله، وکان أحدهم جابر بن النضر بن الحارث من بنی عبد الدار، الذی کان أبوه زعیم بنی عبد الدار، وحامل لواء قریش یوم بدر.

قال أبو عبید الهروی فی کتابه غریب القرآن:

لما بلَّغ رسول الله صلى الله علیه وسلم غدیر خم ما بلَّغ، وشاع ذلک فی البلاد، أتى جابر بن النضر بن الحارث بن کلدة العبدری، فقال:

یا محمد! أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إلَه إلا الله وأنک رسول الله، وبالصلاة، والصوم، والحج، والزکاة، فقبلنا منک. ثم لم ترض بذلک، حتى رفعت بضبع ابن عمک ففضلته علینا وقلت: من کنت مولاه فعلی مولاه! فهذا شیء منک أم من الله؟!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۱

فقال رسول الله صلى الله علیه وآله : والله الذی لا إلَه إلا هو، إنَّ هذا من الله.

فولى جابر یرید راحلته وهو یقول: اللهم إن کان ما یقول محمد حقاً فأمطر علینا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم! فما وصل إلیها حتى رماه الله بحجر، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: سأل سائلٌ بعذابٍ واقع. . الخ.

ومع أن عدداً من مصادر السنیین توافقنا على تفسیر الآیات الثلاث بقصة الغدیر وإعلان النبی صلى الله علیه وآله ولایة علی والعترة الطاهرة علیهم السلام . . ولکن أکثر مفسریهم ومحدثیهم فسروها بوجوه أخرى، متعددةٍ ومتضاربة، کما سترى.

لذلک حررنا بعض البحوث التمهیدیة اللازمة لتفسیر هذه الآیات الکریمة.








--------------------------------------------------------------------------------

۱۲





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳




البحـث الأول

خلافة النبی صلى الله علیه وآله کانت مطروحة فی حیاته



مضافاً الى منطق الأمور، توجد أدلةٌ ملموسةٌ تدل على أن الخلافة وولایة الأمر بعد النبی صلى الله علیه وآله کانت مطروحةً من أول بعثته والى آخر حیاته الشریفة، وأن الکلام کان یجری فی من یخلفه بشکل طبیعی. . لا کما تقول مصادر السنیین من أن النبی صلى الله علیه وآله لم یوص الى أحد، وأن المسلمین لم یطرحوا هذا الموضوع معه أبداً، ولا سألوه عنه حتى مجرد سؤال! !

وهذه الأدلة غیر ما ثبت من نصوص النبی صلى الله علیه وآله على إمامة العترة من بعده علیهم السلام .

الدلیل الأول: ماورد فی سیرة النبی صلى الله علیه وآله من أنه کان یعرض نفسه على القبائل فی أول بعثته، ویطلب منها أن تحمیه لکی یبلغ رسالة ربه. . وأن بعض القبائل قبلت عرضه بشرط أن یکون الأمر لها من بعده، فأجابها النبی صلى الله علیه وآله بأنه مجرد رسول والأمر لیس له، بل هو لله تعالى یجعله لمن یرید!

وأبرز ما وجدنا من ذلک: حدیث بنی عامر بن صعصعة، وحدیث کندة، وکلاهما فی أول البعثة، وحدیث عامر بن الطفیل، وهو فی أواخر حیاة النبی صلى الله علیه وآله !

ـ ففی سیرة ابن هشام: ۲|۲۸۹:

أتى بنی عامر بن صعصعة فدعاهم الى الله عز وجل، وعرض علیهم نفسه، فقال




--------------------------------------------------------------------------------

۱۴

له رجل منهم یقال له بیحرة بن فراس: والله لو أنی أخذت هذا الفتى من قریش لأکلت به العرب، ثم قال له: أرأیت إن نحن بایعناک على أمرک، ثم أظهرک الله على من خالفک، أیکون لنا الأمر من بعدک؟

قال: الأمر الى الله، یضعه حیث یشاء.

قال فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونک، فإذا أظهرک الله کان الأمر لغیرنا! لا حاجة لنا بأمرک! فأبوا علیه.

فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر الى شیخ لهم، قد کانت أدرکته السن حتى لا یقدر أن یوافى معهم المواسم، فکانوا إذا رجعوا إلیه حدثوه بما یکون فی ذلک الموسم، فلما قدموا علیه ذلک العام سألهم عما کان فی موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىً من قریش ثم أحد بنی عبد المطلب، یزعم أنه نبی یدعونا الى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به الى بلادنا، قال: فوضع الشیخ یدیه على رأسه، ثم قال: یا بنی عامر هل لها من تلافٍ؟! هل لذناباها من مُطَّلب؟! والذی نفس فلانٍ بیده ما تقوَّلها إسماعیلیٌّ قط، وإنها لحق، فأین رأیکم کان عنکم! انتهى.

ورواه الطبری فی تاریخه: ۲|۸۴، وابن کثیر فی سیرته: ۲|۱۵۸، وحکاه فی الغدیر: ۷| ۱۳۴، عن سیرة ابن هشام: ۲|۳۲، والروض الأنف: ۱|۲۶۴، وبهجة المحافل لعماد الدین العامری ۱|۱۲۸، والسیرة الحلبیة: ۲|۳، وسیرة زینی دحلان: ۱|۳۰۲، بهامش الحلبیة، وحیاة محمد لهیکل|۱۵۲.

وأما حدیث قبیلة کندة، فرواه ابن کثیر فی سیرته: ۲|۱۵۹ قال:

قال عبد الله بن الأجلح: وحدثنی أبی عن أشیاخ قومه، أن کندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملک من بعدک؟

فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: إن الملک لله، یجعله حیث یشاء.

فقالوا: لا حاجة لنا فیما جئتنا به! . انتهى.

وأما حدیث عامر بن الطفیل شیخ مشایخ قبائل غطفان، فرواه ابن کثیر أیضاً فی سیرته: ۴| ۱۱۴، قال:





--------------------------------------------------------------------------------

۱۵

عن ابن عباس أن أربد بن قیس بن جزء بن خالد بن جعفر بن کلاب، وعامر بن الطفیل بن مالک، قدما المدینة على رسول الله صلى الله علیه وسلم، فانتهیا إلیه وهو جالس، فجلسا بین یدیه: فقال عامر بن الطفیل:

ـ یا محمد، ما تجعل لی إن أسلمت؟

ـ فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: لک ما للمسلمین وعلیک ما علیهم.

ـ قال عامر: أتجعل لی الأمر إن أسلمت، من بعدک؟

ـ فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: لیس ذلک لک، ولا لقومک، ولکن لک أعنة الخیل.

ـ قال: أنا الآن فی أعنة خیل نجد، إجعل لی الوَبَر، ولک المَدَر.

ـ قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: لا.

ـ فلما قفل من عنده، قال عامر: أما والله لأملأنها علیک خیلاً ورجالاً!

ـ فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: یمنعک الله.

ـ وفی ص ۱۱۲، قال: وکان عامر بن الطفیل قد أتى رسول الله صلى الله علیه وسلم، فقال: أخیرک بین ثلاث خصال: یکون لک أهل السهل ویکون لی أهل الوبر، وأکون خلیفتک من بعدک، أو أغزوک بغطفان بألف أشقر وألف شقراء!

قال فطَعَن ( أصیب بالطاعون ) فی بیت امرأة فقال: أغُدَّةٌ کغدة البعیر، وموتٌ فی بیت امرأة من بنی فلان! ( وفی روایة فی بیت سلولیة ) ائتونی بفرسی، فرکب، فمات على ظهر فرسه! . انتهى.

الدلیل الثانی : أن بیعة النبی صلى الله علیه وآله للأنصار تضمنت ثلاثة شروط:

الأول: أن یحموه مما یحمون منه أنفسهم.

الثانی: أن یحموا أهل بیته وذریته مما یحمون منه أهل بیوتهم وذراریهم.

الثالث: أن لا ینازعوا الأمر أهله.

وهذا یعنی أن یطیعوا من یختاره الله تعالى للقیادة بعد نبیه صلى الله علیه وآله ، وأن مبدأ الإختیار الآلهی للأئمة بعد النبی صلى الله علیه وآله کان مفروغاً عنه من أول الرسالة.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۶

وقد وفت الأنصار بالشرط الأول خیر وفاء، ولکنها حنثت بالشرطین الأخیرین حنثاً سیئاً مع الأسف!

ـ ففی صحیح البخاری: ۸|۱۲۲

عن عبادة بن الصامت قال: بایعنا رسول الله صلى الله علیه وسلم على السمع والطاعة فی المنشط والمکره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حیثما کنا، لا نخاف فی الله لومة لائم.

ـ ورواه مسلم: ۶|۱۶ والنسائی: ۷|۱۳۷، بعدة روایات، وعقد باباً بعنوان

( باب البیعة على أن لا ننازع الأمر أهله )

ـ ورواه ابن ماجة: ۲|۹۵۷، وأحمد: ۵|۳۱۶، وفی ص ۴۱۵ وقال ( قال سفیان: زاد بعض الناس: ما لم تروا کفراً بواحاً ). ورواه البیهقی فی سننه: ۸|۱۴۵.

ورووا روایات فیها الزیادة التی ذکرها سفیان، وزیادة أخرى. . کما فی صحیح البخاری: ۸|۸۸ قال: دعانا النبی صلى الله علیه وسلم فبایعنا، فقال فیما أخذ علینا أن بایعنا على السمع والطاعة فی منشطنا ومکرهنا، وعسرنا ویسرنا، وأثرة علینا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا کفراً بواحاً، عندکم من الله فیه برهان. انتهى.

ورواه البیهقی فی سننه: ۸|۱۴۵

ـ وروى أحمد فی مسنده: ۵|۳۲۱: عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: علیک السمع والطاعة، فی عسرک ویسرک، ومنشطک ومکرهک، وأثرة علیک، ولا تنازع الأمر أهله، وإن رأیت أنه لک. انتهى.

وهاتان الزیادتان محل شکٍ، لأن البیعة کانت قبل الهجرة، ولم یکن فیها استثناء من الطاعة، ولم تکن مسألة إثرة القرشیین على الأنصار مطروحة أبداً إلا بعد بیعة أبی بکر، واعتراض رئیس الأنصار صاحب السقیفة سعد بن عبادة، وما جرى له. . وهذا یوجب الاطمئنان بأن زیادتی الإستثناء والأثرة نشأتا من جو علاقة الأنصار مع الخلافة القرشیة بعد وفاة النبی صلى الله علیه وآله .





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷

ویلاحظ أن الصحاح القرشیة أکثرت من روایة شرط النبی صلى الله علیه وآله على الأنصار أن لا ینازعوا الأمر أهله، لأجل أن تحتج علیهم بأنهم لا سهم لهم فی الخلافة القرشیة. . ولکنها لم تروِ شرط النبی صلى الله علیه وآله على الأنصار أن یمنعوا أهل بیته وذریته مما یمنعون منه أهلیهم، لأن ذلک فی غیر مصلحة الخلافة القرشیة، التی هاجمت بیت فاطمة وعلی علیهما السلام ، وأشعلت فیه النار لتحرقه بمن فیه، إن لم یخرجوا ویبایعوا!

ـ قال فی مجمع الزوائد: ۶|۴۹

عن عبادة بن الصامت أن أسعد بن زرارة قال: یا أیها الناس، هل تدرون على ما تبایعون محمداً صلى الله علیه وسلم؟ إنکم تبایعونه أن تحاربوا العرب والعجم، والجن والإنس! فقالوا: نحن حرب لمن حارب، وسلم لمن سالم.

قالوا: یارسول الله إشترط.

قال: تبایعونی على أن: تشهدوا أن لا إلَه إلا الله، وأنی رسول الله، وتقیموا الصلاة وتؤتوا الزکاة، والسمع والطاعة، وأن لا تنازعوا الأمر أهله، وأن تمنعونی مما تمنعون منه أنفسکم وأهلیکم.

وعن حسین بن علی قال: جاءت الأنصار تبایع رسول الله صلى الله علیه وسلم على العقبة فقال: یا علی قم فبایعهم، فقال علی: ما أبایعهم یا رسول الله؟

قال: على أن یطاع الله ولا یعصى، وعلى أن تمنعوا رسول الله صلى الله علیه وسلم وأهل بیته وذریته، مما تمنعون منه أنفسکم وذراریکم. انتهى.

وستأتی روایته من مصادر أخرى فی ( مهمة نبینا صلى الله علیه وآله فی التبلیغ ).

الدلیل الثالث: حدیث الدار المعروف، الذی ورد فی تفسیر قوله تعالى ( وأنذر عشیرتک الأقربین ).

ولا بد هنا من التنبیه على أمرٍ مهم، وهو أن مدونی السیرة النبویة الشریفة طمسوا مرحلة دعوة بنی هاشم من السیرة، مع أنها منصوصة فیالقرآن، واخترعوا بدلها مرحلة ما قبل بیت الأرقم، وما بعد بیت الأرقم. .. ورووا فیها الصحیح وغیر




--------------------------------------------------------------------------------

۱۸

الصحیح، والمعقول وغیر المعقول!

وتدل الآیة الکریمة على أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله علیه وآله فی المرحلة الأولى أن یدعو بنی هاشم فقط. . فماذا فعل النبی صلى الله علیه وآله فی هذه المرحلة؟

وهل استمرت مدتها شهوراً، أو سنوات، حتى نزل الأمر بتوسیع نطاق الدعوة؟

وما معنى الأمر الإلَهی: أن تکون نبوة الرسول صلى الله علیه وآله أولاً لبنی هاشم خاصة، وبعدها لقریش والعرب والناس عامة؟

وما معنى أن قریشاً اتخذت قراراً بمحاصرة بنی هاشم، فالتفوا جمیعاً حول النبی صلى الله علیه وآله ، مؤمنهم وکافرهم، وتحملوا الحصار الشامل الذی استمر من السنة السادسة أو السابعة، الى السنة الحادیة عشرة للبعثة. . ولم یقل أحد منهم آخ!

وما معنى أنه عندما کانت تقع شدائد على المسلمین، لا ینهض بحملها إلا بنو هاشم؟ ! فقد انهزم المسلمون جمیعاً فی أحد، ولم یثبت غیر بنی هاشم!

ثم انهزموا فی حنین وهم عشرة آلاف.. فلم یثبت غیر بنی هاشم! !

إن هذه الحقائق والظواهر تفسر الحدیث الذی روته مصادرنا ( بعثت الى أهل بیتی خاصة، والى الناس عامة ).

کما تدل آیة ( أنذر عشیرتک الأقربین ) على أن إنذار بنی هاشم کان مبرمجاً من الله تعالى. . ویدل حدیث الدار على أن تعیین وصی النبی صلى الله علیه وآله وخلیفته من بینهم، کان عملاً مبکراً، من ضمن ذلک البرنامج. .

ـ فقد قال السیوطی فی الدر المنثور: ۵|۹۷

وأخرج ابن إسحق، وابن جریر، وابن أبی حاتم، وابن مردویه، وأبو نعیم، والبیهقی فی الدلائل، من طرقٍ، عن علی رضی الله عنه قال: لما نزلت هذه الآیة على رسول الله صلى الله علیه وسلم: وأنذر عشیرتک الأقربین، دعانی رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: یاعلی إن الله أمرنی أن أنذر عشیرتی الأقربین فضقت بذلک ذرعاً، وعرفت أنی مهما أبادؤهم بهذا الأمر أرى منهم ما أکره، فصمتُّ علیها حتى جاء




--------------------------------------------------------------------------------

۱۹

جبریل فقال: یامحمد إنک إن لم تفعل ماتؤمر به یعذبک ربک، فاصنع لی صاعاً من طعام، واجعل علیه رجل شاة، واجعل لنا عساً من لبن، ثم اجمع لی بنی عبد المطلب، حتى أکلمهم وأبلغ ما أمرت به.

ففعلت ما أمرنی به ثم دعوتهم له، وهم یومئذ أربعون رجلاً یزیدون رجلاً أو ینقصونه، فیهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا الیه دعانی بالطعام الذی صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول النبی صلى الله علیه وسلم بضعة من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها فی نواحی الصحفة، ثم قال: کلوا بسم الله، فأکل القوم حتى نهلوا عنه، ما ترى إلا آثار أصابعهم!

والله إنْ کان الرجل الواحد لیأکل ما قدمت لجمیعهم.

ثم قال: إسق القوم یاعلی، فجئتهم بذلک العس فشربوا منه حتى رووا جمیعاً!

وأیم الله إن کان الرجل منهم لیشرب مثله!

فلما أراد النبی صلى الله علیه وسلم أن یکلمهم بدره أبو لهب الى الکلام، فقال: لقد سحرکم صاحبکم! فتفرق القوم ولم یکلمهم النبی صلى الله علیه وسلم.

فلما کان الغد قال: یا علی إن هذا الرجل قد سبقنی الى ما سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أکلمهم، فعدْ لنا بمثل الذی صنعت بالأمس من الطعام والشراب، ثم اجمعهم لی، ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعانی بالطعام فقربته، ففعل کما فعل بالأمس، فأکلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم تکلم النبی صلى الله علیه وسلم فقال:

یا بنی عبد المطلب إنی والله ما أعلم أحداً فی العرب جاء قومه بأفضل مما جئنکم به، إنی قد جئتکم بخیر الدنیا والآخرة، وقد أمرنی الله أن أدعوکم إلیه، فأیکم یُوَازِرُنِی على أمری هذا؟

فقلت وأنا أحدثهم سناً: إنه أنا، فقام القوم یضحکون.

ثم رواها السیوطی بسند آخر عن ابن مردویه عن البراء بن عازب، قال: لما نزلت




--------------------------------------------------------------------------------

۲۰

هذه الآیة: وأنذر عشیرتک الأقربین، جمع رسول الله صلى الله علیه وسلم بنی عبدالمطلب، وهم یومئذ أربعون رجلاً. .. الخ. انتهى.

ولکن السیوطی بتر الحدیث هنا، ولم یذکر بقیة کلام النبی صلى الله علیه وآله . . وهو أسلوبٌ دأب رواة خلافة قریشٍ على ارتکابه فی حدیث الدار، لأن بقیة الحدیث تقول إن الله أمر رسوله من ذلک الیوم أن یختار وزیره وخلیفته من عشیرته الأقربین!

ـ قال الأمینی فی الغدیر: ۱|۲۰۷

وها نحن نذکر لفظ الطبری بنصه حتى یتبین الرشد من الغی قال فی تاریخه: ۲| ۲۱۷ من الطبعة الأولى: إنی قد جئتکم بخیر الدنیا والآخرة، وقد أمرنی الله تعالى أن أدعوکم إلیه، فأیکم یوازرنی على هذا الأمر، على أن یکون أخی ووصیی وخلیفتی فیکم؟

قال: فأحجم القوم عنها جمیعاً، وقلت وإنی لأحدثهم سناً وأرمصهم عیناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً: أنا یا نبی الله أکون وزیرک علیه.

فأخذ برقبتی ثم قال: إن هذا أخی ووصیی وخلیفتی فیکم، فاسمعوا له وأطیعوا. قال: فقام القوم یضحکون، ویقولون لأبی طالب: قد أمرک أن تسمع لابنک وتطیع.

ـ وقال الأمینی: ۲|۲۷۹

وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفر الإسکافی المتکلم المعتزلی البغدادی، المتوفى ۲۴۰، فی کتابه نقض العثمانیة، وقال: إنه روی فی الخبر الصحیح.

ورواه الفقیه برهان الدین فی ( أنباء نجباء الأبناء )|۴۶ ـ ۴۸

وابن الأثیر فی الکامل ۲|۲۴

وأبو الفداء عماد الدین الدمشقی فی تاریخه ۱|۱۱۶

وشهاب الدین الخفاجی فی شرح الشفا للقاضی عیاض ۳|۳۷ ( وبتر آخره)

وقال: ذکر فی دلایل البیهقی وغیره بسند صحیح.

والخازن علاء الدین البغدادی فی تفسیره|۳۹۰





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱

والحافظ السیوطی فی جمع الجوامع، کما فی ترتیبه ۶|۳۹۲

وفی|۳۹۷، عن الحفاظ الستة: ابن إسحاق، وابن جریر، وابن أبی حاتم، وابن مردویه، وأبی نعیم، والبیهقی.

وابن أبی الحدید فی شرح نهج البلاغة ۳|۲۵۴. انتهى.

ثم شکا صاحب الغدیر من الذین حرفوا الحدیث لإرضاء قریش، ومنهم الطبری الذی رواه فی تفسیره بنفس سنده المتقدم فی تاریخه، ولکنه أبهم کلام النبی صلى الله علیه وآله فی حق علی علیه السلام فقال: ثم قال: إن هذا أخی، وکذا وکذا! ! .

وتبعه على ذلک ابن کثیر فی البدایة والنهایة: ۳ |۴۰، وفی تفسیره: ۳|۳۵۱. انتهى.

ـ وقال فی هامش بحار الأنوار: ۳۲|۲۷۲: وناهیک من ذلک مؤاخاته مع رسول الله صلى الله علیه وآله بأمر من الله عز وجل فی بدء الإسلام حین نزل قوله تعالى: وأنذر عشیرتک الأقربین ... راجع تاریخ الطبرى: ۲|۳۲۱، کامل ابن الأثیر: ۲|۲۴، تاریخ أبی الفداء: ۱|۱۱۶، والنهج الحدیدی: ۳|۲۵۴، ومسند الإمام ابن حنبل: ۱|۱۵۹، وجمع الجوامع ترتیبه: ۶| ۴۰۸، وکنز العمال: ۶|۴۰۱.

وهذه المؤاخاة مع أنها کانت بأمر الله عز وجل، إنما تحققت بصورة البیعة والمعاهدة ( الحلف ) ولم یکن للنبی صلى الله علیه وآله أن یأخذ أخاً ووزیراً وصاحباً وخلیفةً غیره، ولا لعلی أن یقصر فی مؤازرته ونصرته والنصح له ولدینه، کمؤازرة هارون لموسى على ما حکاه الله عز وجل فی القرآن الکریم.

ولذلک ترى رسول الله صلى الله علیه وآله حین یؤاخی بعد ذلک المجلس بین المهاجرین بمکة، فیؤاخی بین کل رجل وشقیقه وشکله: یؤاخی بین عمر وأبی بکر، وبین عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبین الزبیر وعبد الله بن مسعود، وبین عبیدة بن الحارث وبلال، وبین مصعب بن عمیر وسعد بن أبی وقاص، وبین أبی عبیدة بن الجراح وسالم مولى أبی حذیفة، وبین حمزة بن عبد المطلب وزید بن حارثة الکلبی ( راجع سیرة ابن هشام: ۱|۵۰۴ المحبر| ۷۱ ـ ۷۰ البلاذرى: ۱|۲۷۰ ) یقول لعلی علیه السلام :




--------------------------------------------------------------------------------

۲۲

والذى بعثنی بالحق نبیاً ما أخرتک إلا لنفسی، فأنت منی بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبی بعدی، وأنت أخی ووارثی، وأنت معی فی قصری فی الجنة.

ثم قال له: وإذا ذاکرک أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، ولا یدعیها بعدی إلا کاذب مفتر ( الریاض النضرة: ۲|۱۶۸ منتخب کنز العمال: ۵|۴۵ و ۴۶ ).

ولذلک نفسه تراه صلى الله علیه وآله حینما عرض نفسه على القبائل فلم یرفعوا الیه رؤوسهم، ثم عرض نفسه على بنی عامر بن صعصعة قال رجل منهم یقال له بیحرة بن فراس بن عبد الله بن سلمة الخیر بن قشیر بن کعب بن ربیعة بن عامر بن صعصعة: والله لو أنی أخذت هذا الفتى من قریش لأکلت به العرب، ثم قال لرسول الله: أرأیت إن بایعناک على أمرک ثم أظهرک الله على من خالفک، أیکون لنا الأمر من بعدک؟

قال: الأمر الى الله یضعه حیث یشاء.

قال فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونک، فإذا أظهرک الله کان الأمر لغیرنا، لا حاجة لنا بأمرک، فأبوا علیه ( راجع سیرة ابن هشام: ۱|۴۲۴ الروض الأنف: ۱|۲۶۴ بهجة المحافل: ۱|۱۲۸، سیرة زینی دحلان: ۱|۳۰۲ السیرة الحلبیة: ۲|۳ ). فلولا أنه صلى الله علیه وآله کان تعاهد مع علی علیه السلام بالخلافة والوصایة بأمر من الله عز وجل قبل ذلک، لما ردهم بهذا الکلام المؤیس، وهو بحاجة ماسة من نصرة أمثالهم. انتهى.

ـ وفی دعائم الإسلام للقاضی النعمان المغربی: ۱|۱۵

وروینا أیضاً عن علی بن أبی طالب صلى الله علیه أنه قال: لما أنزل الله عز وجل: وأنذر عشیرتک الأقربین، جمع رسول الله صلى الله علیه وآله بنی عبد المطلب على فخذ شاة وقدح من لبن، وإن فیهم یومئد عشرة لیس منهم رجل إلا أن یأکل الجذعة ویشرب الفرق، وهم بضع وأربعون رجلاً، فأکلوا حتى صدروا وشربوا حتى ارتووا، وفیهم یومئذ أبو لهب، فقال لهم رسول الله صلى الله علیه وآله :

یا بنی عبد المطلب أطیعونی تکونوا ملوک الأرض وحکامها، إن الله لم یبعث نبیاً إلا جعل له وصیاً ووزیراً ووارثاً وأخاً وولیاً، فأیکم یکون وصیی ووارثی وولیی وأخی ووزیری؟





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳

فسکتوا، فجعل یعرض ذلک علیهم رجلاً رجلاً، لیس منهم أحد یقبله، حتى لم یبق منهم أحد غیری، وأنا یومئذ من أحدثهم سناً، فعرض علیَّ فقلت: أنا یا رسول الله. فقال: نعم، أنت یا علی.

فلما انصرفوا قال لهم أبو لهب: لو لم تستدلوا على سحر صاحبکم إلا بما رأیتم، أتاکم بفخذ شاة وقدح من لبن فشبعتم ورویتم! وجعلوا یهزؤون ویقولون لأبی طالب: قد قدم ابنک الیوم علیک. انتهى.

ولا بد أن تکون حادثة دعوة النبی صلى الله علیه وآله لبنی هاشم قد شاعت فی قریش، ثم فی العرب، فقالوا إن النبی الجدید جمع عشیرته وأنذرهم ودعاهم الى دینه، وإنه طلب منهم شخصاً یکون له وزیراً وخلیفةً من بعده، فأجابه ابن عمه الشاب الغلام. . فاتخذه وزیراً وخلیفة!




فهذه النصوص تدل على أن ولایة الأمر بعد النبی صلى الله علیه وآله کانت مطروحةً ومنظورةً للناس، من أول بعثته الى آخر حیاته صلى الله علیه وآله . . وأن کل الناس کانوا یعرفون أن مشروع النبوة ودعوة الناس الیها، هو مشروع تکوین دولة یرأسها النبی صلى الله علیه وآله ، وتحتاج الى خلیفة له بعده. ولذلک کان ممثلو القبائل یحاولون أن یأخذوا منه وعداً بأن یکون لهم الأمر من بعده، ومنهم ممثلون لقبائل یمانیة وعدنانیة، وزعیم قبائل نجد المتنقلة. . فکیف یصدق عاقلٌ ما زعمه زعماء قریش، من أنهم لم یطرحوا مسألة الخلافة مع النبی صلى الله علیه وآله ، حتى بصیغة سؤال عن الحکم الشرعی وواجب المسلمین من بعده!!

وکیف یقبل عاقل أنهم یروون عنه صلى الله علیه وآله أحادیث عن مستقبل الأمة فی کل الأمور، إلا فی أمر الخلافة والإمام الشرعی من بعده؟!



البحـث الثانـی

النبی صلى الله علیه وآله یبشر بالأئمة الإثنی عشر من بعده



فی اعتقادنا أن ولایة الأمر بعد النبی صلى الله علیه وآله کانت أمراً مفروغاً عنه عنده صلى الله علیه وآله ، وأن الله تعالى أمره أن یبلغ الأمة ولایة عترته من بعده، کما هی سنته تعالى فی أنبیائه، أن یورث عترتهم الکتاب والحکم والنبوة ..

ونبینا صلى الله علیه وآله أفضلهم، ولا نبوة بعده، بل إمامةٌ ووراثةُ الکتاب ..

وعترته وذریته صلى الله علیه وآله أفضل من ذریات جمیع الأنبیاء علیهم السلام وقد طهرهم الله تعالى واصطفاهم، وأورثهم الحکم والکتاب ( ذریة بعضها من بعض والله سمیع علیم ... ثم أورثنا الکتاب الذین اصطفینا من عبادنا ... ) .

وقد کان النبی صلى الله علیه وآله طوال نبوته یبلغ ولایة عترته بالحکمة والتدریج، والتلویح والتصریح، لعلمه بحسد قریش لبنی هاشم، وخططها لإبعادهم عن الحکم بعده، بل قد لمس صلى الله علیه وآله مراتٍ عدیدة عنف قریش ضدهم، فأجابهم بغضب نبوی!

وکانت حجة الوداع فرصةً مناسبةً للنبی صلى الله علیه وآله لکی یبلغ الأمة ولایة الأمر لعترته رسمیاً على أوسع نطاق، حیث لم یبق بعد تبلیغ الفرائض والأحکام، واتساع الدولة الإسلامیة، والمخاطر المحیطة بها، وإعلان النبی صلى الله علیه وآله قرب رحیله الى ربه. . إلا أن یرتب أمر الحکم من بعده.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶

بل تدل النصوص ومنطق الأمور، على أن ذلک کان هو الهم الأکبر للنبی صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع، وأن قریشاً کانت تعرف جیداً ماذا یرید النبی صلى الله علیه وآله ، وتعمل لمنع إعلان ذلک! وأنها زادت من فعالیتها فی حجة الوداع لمنع تکریس ولایة علی والعترة علیهم السلام بشکل رسمی، وأخذ البیعة لهم من الأمة!

ولا یتسع هذا البحث للإستدلال على المفردات التی ذکرناها .. وکل مفردة منها علیها عدة أدلة .. بل نکتفی هنا باستطلاع خطب النبی صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع .. فقد ذکرت المصادر أنه صلى الله علیه وآله خطب خمس خطب غیر خطبة الغدیر، وکان من حق هذه الخطب النبویة أن تنقلها المصادر کاملةً غیر منقوصة، لأن المستمعین کانوا عشرات الألوف. . ولکنک تراها مجزأةً مقتضبة، خاصة فی الصحاح المعتمدة رسمیاً عند الخلافة القرشیة. قال فی السیرة الحلبیة: ۳|۳۳۳:

خطب صلى الله علیه وسلم فی الحج خمس خطب: الأولى یوم السابع من ذی الحجة بمکة، والثانیة یوم عرفة، والثالثة یوم النحر بمنى، والرابعة یوم القر بمنى، والخامسة یوم النفر الأول بمنى أیضاً. انتهى.

وقد راجعنا نصوص هذه الخطب من أکثر من مئة مصدر، فوجدنا فیها الغرائب والعجائب، من التعارض والتضارب، والمؤشرات والأدلة على تدخلات قریش ورواتها فی نصوصها! !

وکل ذنب خطب الوداع أن النبی صلى الله علیه وآله أمر المسلمین فیها بإطاعة أهل بیته من بعده، وحذرهم من الإختلاف بعد ما جاءهم العلم بغیاً بینهم، وأقام علیهم الحجة، کاملةً غیر منقوصة!

ولکن رغم کل التعتیم القرشی، فقد وصلنا منها فی المصادر القرشیة نفسها، ما فیه بلاغٌ لمن أراد معرفة أوامر نبیه، وتأکیده على الإلتزام بقیادة عترته الطاهرین من بعده .. صلى الله علیه وعلیهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۷

ونذکر منها فیما یلی: حدیث الأئمة الإثنی عشر، حیث اتفق الجمیع على أن النبی صلى الله علیه وآله طرح قضیتهم فی خطبه على المسلمین فی حجة الوداع!

ثم نستعرض أهم ما تضمنته الخطب الشریفة من محاور، ومنها حدیث الثقلین: الکتاب والعترة، وحدیث: حوض النبی صلى الله علیه وآله ، والصحابة الذین یمنعون من الورود علیه، ویؤمر بهم الى النار!

ـ روى البخاری فی صحیحه: ۸|۱۲۷:

جابر بن سمرة قال: سمعت النبی صلى الله علیه وسلم یقول: یکون اثنا عشر أمیراً، فقال کلمة لم أسمعها، فقال أبی: إنه قال: کلهم من قریش!

ـ وفی صحیح مسلم: ۶|۳:

جابر بن سمرة یقول: سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: لا یزال الإسلام عزیزاً الى اثنی عشر خلیفة، ثم قال کلمة لم أفهمها، فقلت لأبی: ما قال؟ فقال: کلهم من قریش!

ثم روى مسلم روایة ثانیة نحوها قال فیها ( ثم تکلم بشیء لم أفهمه ) .

ثم روى ثالثة، جاء فیها ( لا یزال هذا الدین عزیزاً منیعاً الى اثنی عشر خلیفة، فقال کلمة صَمَّنِیها الناس! فقلت لأبی: ما قال؟ قال: کلهم من قریش ) . انتهى.

ولم یصرح البخاری أن هذا الحدیث جزءٌ من خطبة حجة الوداع فی عرفات، وقد قلده غیره فی ذلک، ولکن عدداً من المصادر نصت علیه!

ففی مسند أحمد: ۵|۹۳ و ۹۶ و ۹۹ ( عن جابر بن سمرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله علیه وسلم بعرفات، فقال ... ) وفی ص ۸۷ ( یقول فی حجة الوداع ) . وفی ص ۹۹ منه ( وقال المقدمی فی حدیثه: سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله یخطب بمنى ) . انتهى.

وستعرف أن النبی صلى الله علیه وآله کرر هذا الموضوع المهم فی عرفات، وفی منى عند الجمرة، وفی مسجد الخیف .. ثم أعلنه شرعیاً وصریحاً فی غدیر خم!







--------------------------------------------------------------------------------

۲۸

فما هی قصة الأئمة الإثنی عشر؟ ولماذا طرحها النبی صلى الله علیه وآله على أکبر تجمعٍ للمسلمین، وهو یودع أمته؟!

یجیبک البخاری: إن هؤلاء لیسوا أئمة بعد النبی صلى الله علیه وآله تجب طاعتهم، بل هم أمراء صالحون سوف یکونون فی أمته فی زمن ما، وأنه صلى الله علیه وآله قد أخبر أمته بما أخبره الله تعالى من أمرهم، وأنهم جمیعاً من قریش، لا من بنی هاشم وحدهم، بل من البضع وعشرین قبیلة التی تتکون منها قریش! ولیس فیهم من الأنصار، ولا من قبائل العرب الأخرى، ولا من غیر العرب .. وهذا کل ما فی الأمر! !

وتسأل البخاری: لماذا أخبر النبی صلى الله علیه وآله أمته فی حجة الوداع فی عرفات بهؤلاء الإثنی عشر؟ وما هو الأمر العملی الذی یترتب على ذلک؟!

یجیبک البخاری: بأن الموضوع مجرد إخبار فقط، فقد أحب النبی صلى الله علیه وآله أن یخبر أمته بذلک، لکی تأنس به .. فکأنه مجرد خبرٍ صحفی لیس فیه أی عنصرٍ عملی! !

والنتیجة: أن البخاری لم یروِ فی صحیحه فی الأئمة الإثنی عشر إلا هذه الروایة الیتیمة المبهمة، التی لا یمکنک أن تفهمها أنت ولا قومک! بینما روى عن حیض أم المؤمنین عائشة فی حجة الوداع روایات عدیدة، واضحة مفهومة، تبین کیف احترمها النبی صلى الله علیه وآله ، وأرسل معها من یساعدها على إحرامها وعمرتها!




أما مسلم فکان أکرم من البخاری قلیلاً، لأنه اختار روایةً یفهم منها أن هؤلاء الإثنی عشر هم خلفاء یحکمون بعد النبی صلى الله علیه وآله !

ویفرح المسلم بحدیث مسلم هذا، لأنه یعنی أن الله تعالى قد حل مشکلة الحکم فی الأمة بعد نبیه صلى الله علیه وآله ، فهؤلاء أئمة معینون من الله تعالى على لسان نبیه، ویستمدون شرعیتهم من هذا التعیین، ولا یحتاج الأمر الى سقیفة واختلافات، ثم الى صراعٍ دموی على الحکم من صدر الإسلام الى یومنا هذا .. وملایین الضحایا.. وانقساماتٍ فی الأمة أدت الى تراکم ضعفها .. الى أن .. انهارت خلافتها وخلفاؤها!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹

ولکن روایة مسلم تقول: کلا لم تحل المشکلة، لأن النبی صلى الله علیه وآله أخبر عنهم إخباراً مجملاً! ولم یخبر المسلمین عن هویتهم وأسمائهم؟ ولم یسأله أحدٌ من عشرات الألوف الذین أخبرهم بهذا الموضوع الخطیر: من هم یا رسول الله؟!

ویالیت أحدهم سأله فحددهم، حتى تسلم قریش لهم الأمر بلا منازع؟!

یقول مسلم کما قال البخاری: کلا، کلا .. إنهم فقط أناسٌ ربانیون، یعز الله بهم الإسلام .. وهم من قریش .. من قریش! !




وهکذا لا یمکنک أن تصل من البخاری ومسلم الى نتیجة مقنعة فی أمر هؤلاء الأئمة الإثنی عشر .. فقد أقفل الشیخان علیک الأبواب، وقالا لک مقولة قریش: إن نبیک تحدث فی حجة الوداع عن رائحة الأئمة الإثنی عشر فقط، فشمها واسکت!

ولکنک لا تعدم الکشف عن عناصر مفیدة من مصادر قرشیة أخرى، أقل مراعاة من البخاری ومسلم للسیاسة وأهلها، أو أن ظروف أصحابها أحسن من ظروفهما!

فقد روى أحمد فی مسنده: ۵|۹۲، عن نفس الراوی جابر السوائی قال: إنه سمع رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: یکون ( بعدی ) ...

وروى فی نفس الصفحة عن نفس الراوی جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: یکون بعدی اثنا عشر خلیفة، کلهم من قریش. قال ثم رجع الى منزله، فأتته قریش فقالوا: ثم یکون ماذا؟ قال: ثم یکون الهرج. انتهى.

ففی الروایتین کلمة ( بعدی ) والمفهوم منها أنهم یکونون بعده مباشرة، والثانیة تکشف عن اهتمام قریش بالموضوع، وسؤالهم عن هؤلاء الأئمة الربانیین، وأن القصة فی المدینة، لا فی حجة الوداع، فاحفظ ذلک لما یأتی!

وقد وردت کلمة بعدی، ومن بعدی، فی عدد من روایات الحدیث، منها ما رواه أحمد أیضاً فی: ۵|۹۴، عن نفس الروای ( یکون بعدی اثنا عشر أمیراً، ثم لا أدری ما قال بعد ذلک، فسألت القوم .. )





--------------------------------------------------------------------------------

۳۰

وفی: ۵|۹۹ و ۱۰۸ عن السوائی أیضاً ( یکون من بعدی اثنا عشر أمیراً، فتکلم فخفی علی، فسألت الذی یلینی أو الى جنبی، فقال: کلهم من قریش ) .

وفی سنن الترمذی: ۳ |۳۴۰

( یکون من بعدی اثنا عشر أمیراً، قال: ثم تکلم بشىَ لم أفهمه، فسألت الذی یلینی، فقال قال: کلهم من قریش ) .

وفی تاریخ البخاری: ۱|۴۴۶ رقم ۱۴۲۶: عن جابر بن سمرة أیضاً أنه سمع النبی قال: یکون بعدی اثنا عشر خلیفة .. انتهى.

وفی الصواعق المحرقة لابن حجر |۲۰ قال:

خرَّج أبو القاسم البغوی بسند حسن، عن عبد الله بن عمر رضی الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: یکون خلفی اثنا عشر خلیفة. انتهى.




إذن، فقد طرح النبی صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع أمر الحکم من بعده، وأخبر عن ربه عز وجل بأن حکم الأمة الشرعی یکون لاثنی عشر!

ولکن ذلک لا یحل المشکلة، بقدر ما یفتح باب الأسئلة على قریش ورواتها:

السؤال الأول: لماذا نرى أن روایات هذه القضیة الضخمة تکاد تکون محصورة عندهم براوٍ واحد، هو جابر السوائی، الذی کان صغیراً فی حجة الوداع، ولعله کان صبیاً ابن عشر سنوات! ألم یسمعها غیره؟ ألم یروها غیره من کل الصحابة الذین کانوا حاضرین؟! أم أن غیره رواها ولکن روایة جابر فازت لأنها أحسن روایة ملائمة للخلافة القرشیة، فاعتمدتها، وسمحت بتدوینها!

السؤال الثانی: کان المسلمون یسألون النبی صلى الله علیه وآله عن صغیر الأمور وکبیرها، حتى فی أثناء خطبته، وهذه الروایات تقول إنه أخبرهم بأمر عقائدی، عملی، مصیری، مستقبلی، وتدعی أنه أبهمه إبهاماً، ثم لا تذکر أن أحداً من المسلمین سأله عن





--------------------------------------------------------------------------------

۳۱

هؤلاء الأئمة الربانیین، وما هو واجب الأمة تجاههم؟!

وإذا کانت ( قریش ) قد ذهبت الى النبی صلى الله علیه وآله فی بیته فی المدینة، کما یقول نفس الراوی، وطرقت علیه بابه لتسأله عما یکون بعد هؤلاء الإثنی عشر، فهل یعقل أنها لم تسأله عنهم، وعما یکون فی زمانهم!

وهل تعلم أن قریشاً فی المدینة تعنی عمر وأبا بکر فقط؟!

وهل یعقل أن أحداً من المسلمین فی حجة الوداع، لم یسأل النبی صلى الله علیه وآله عنهم، ولا عما یکون قبلهم، وبعدهم، وعن واجب الأمة تجاههم؟!

السؤال الثالث: لماذا خفیت على الراوی الکلمة الحساسة، التی تحدد هویة الأئمة الإثنی عشر، حتى سأل عنها الراوی القریبین منه؟

ثم رووها عن النبی صلى الله علیه وآله فی المدینة أیضاً، فخفیت نفس الکلمة!

ثم لماذا تؤکد مصادر الخلافة القرشیة على نقل الکلمة المفقودة عن سمرة وعن عمر بن الخطاب فقط؟! . .. الى آخر الأسئلة التی ترد على نص هذا الحدیث، وتلحُّ على الباحث بالسؤال.

ألیس من حق الباحث أن یشک فی الأمر .. وأن یبحث بنفسه عن هذه کلمة السر المفقودة فی أسواق الحدیث والتاریخ؟!



سنحاول فی الملاحظات والمسائل التالیة، تسلیط الضوء على هذا السر المفقود! !


الأولى: هل أن أصل کلهم من قریش: کلهم من عترتی!


ماهو السبب فی غیاب الکلمة على الراوی؟ ومن الذی سأله عنها فشهد له بها؟

ـ جاء فی مسند أحمد: ۵|۱۰۰ و ۱۰۷ أن الراوی لم یفهم الکلمة، وخفیت علیه قال

( ثم قال کلمة لم أفهمها قلت لأبی ما قال؟ قال: قال کلهم من قریش )

ـ وفی مستدرک الحاکم: ۳|۶۱۷ ( وقال کلمة خفیت علی، وکان أبی أدنى الیه مجلساً منی فقلت ما قال؟ فقال کلهم من قریش ) .





--------------------------------------------------------------------------------

۳۲

ـ وفی مسند أحمد: ۵|۹۰ و۹۸ أن النبی صلى الله علیه وآله أخفاها وخفض بها صوته، وهمس بها همساً! ( قال کلمة خفیة لم أفهمها، قال قلت لأبی ما قال؟ قال قال کلهم من قریش ) .

ـ وفی مستدرک الحاکم: ۳|۶۱۸ ( ثم قال کلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمی وکان أمامی: ما قال یاعم؟ قال قال یابنی: کلهم من قریش ) .

ـ وفی معجم الطبرانی الکبیر: ۲|۲۱۳ ـ ۲۱۴ ح ۱۷۹۴

عن جابر بن سمرة عن النبی قال: یکون لهذه الأمة اثنا عشر قیماً، لا یضرهم من خذلهم، ثم همس رسول الله صلى الله علیه وآله بکلمة لم أسمعها، فقلت لأبی ما الکلمة التی همس بها النبی صلى الله علیه وسلم؟ قال أبی: کلهم من قریش ) .

بینما تقول روایات أخرى إن الذی ضیع الکلمة هم الناس، فالناس ـ المحرمون لربهم فی عرفات، المودعون لنبیهم صلى الله علیه وآله ، المنتظرون لکل کلمة تصدر منه ـ صاروا کأنهم فی سوق حراج، وصار فیهم مشاغبون یلغطون عند الکلمة الحساسة لیضیعوها على المؤمنین، فیضجون، ویکبرون، ویتکلمون، ویلغطون، ویقومون، ویقعدون! !

ـ ففی سنن أبی داود: ۲|۳۰۹ ( قال فکبر الناس، وضجوا، ثم قال کلمة خفیة، قلت لأبی یا أبة ما قال؟ قال کلهم من قریش ) . ومثله فی مسند أحمد: ۵|۹۸.

ـ وفی مسند أحمد: ۵|۹۸ ( ثم قال کلمة أصمنیها الناس، فقلت لأبی ما قال؟ قال: کلهم من قریش ) وفی روایة مسلم المتقدمة ( صمنیها الناس ) .

وفی ص ۹۳ ( وضج الناس ) .

وفی ص ۹۹ ( فسمعته یقول: لن یزال هذا الأمر عزیزاً ظاهراً، حتى یملک اثنا عشر کلهم ... ثم لغط القوم وتکلموا، فلم أفهم قوله بعد کلهم، فقلت لأبی یا أبتاه ما بعد کلهم؟ قال: کلهم من قریش ) .

وفی نفس الصفحة ( لا یزال هذا الدین عزیزاً منیعاً، ینصرون على من ناواهم علیه الى اثنی عشر خلیفة. قال فجعل الناس یقومون ویقعدون ... ) !





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳

أما الذین سألهم جابر بن سمرة عن الکلمة، فتقول أکثر الروایات إنه سأل أباه سمرة، فتکون الشهادة بتوسیع دائرة الأئمة من هاشم الى قریش، متوقفةً على وثاقة سمرة أیضاً! کما رأیت فی روایتی البخاری ومسلم، وغیرهما.

ولکن فی روایة أحمد: ۵|۹۲ ( بعدی اثنا عشر أمیراً، ثم لا أدری ما قال بعد ذلک، فسألت القوم کلهم فقالوا: قال کلهم من قریش ) . ونحوه فی ص ۹۰، وفی ص ۱۰۸ ( یکون بعدی اثنا عشر أمیراً، قال ثم تکلم فخفی على ما قال، قال فسألت بعض القوم، أو الذی یلی، ما قال؟ قال: کلهم من قریش ) .

ـ وفی: ۵|۹۹ ( فخفی علی فسألت الذی یلینی ) ونحوه فی: ۵|۱۰۸

ـ وفی معجم الطبرانی الکبیر: ۲|۲۷۷ ح ۲۰۴۴، أن ابن سمرة قال إن القوم زعموا زعماً أن النبی صلى الله علیه وآله قال إنهم من قریش! قال ( سمعت النبی صلى الله علیه وسلم یقول: یکون اثنا عشر أمیراً، ثم تکلم بشىَ لم أسمعه، فزعم القوم أنه قال: کلهم من قریش ) .

والواقع أنه یصعب على الإنسان أن یقبل خفاء أهم کلمة عن الأئمة الذین بشر بهم النبی صلى الله علیه وآله ، وفی مثل ذلک الجو الهادىء المنصت فی عرفات! ثم لایسأل أحدٌ النبی صلى الله علیه وآله عن الکلمة الخفیة التی هی لب الموضوع!

هذا وقد روى ابن سمرة نفسه أن النبی صلى الله علیه وآله کان یخطب وهو راکبٌ على ناقته، وهذا یعنی أنه کان حریصاً على أن یوصل صوته الى الجمیع!

ففی مسند أحمد: ۵|۸۷ ( ثم خفی من قول رسول الله صلى الله علیه وسلم، قال وکان أبی أقرب الى راحلة رسول الله صلى الله علیه وسلم منی!

بل رووا أنه النبی صلى الله علیه وآله أمر شخصاً جهوری الصوت، فکان یلقی خطبته جملةً جملة، ویأمره أن ( یصرخ ) بها لیسمعها الناس!

ـ ففی مجمع الزوائد: ۳|۲۷۰

عن عبد الله بن الزبیر قال: کان ربیعة بن أمیة بن خلف الجمحی وهو الذی کان یصرخ یوم عرفة تحت ناقة رسول الله صلى الله علیه وسلم، وقال له رسول الله صلى





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴

الله علیه وسلم: أصرخ ـ وکان صیِّتاً ـ أیها الناس أتدرون أی شهر هذا؟ فصرخ، فقالوا: نعم الشهر الحرام، قال فإن الله عز وجل قد حرم علیکم دماءکم وأموالکم الى أن تلقوا ربکم کحرمة شهرکم هذا.

ثم قال: أصرخ: هل تدرون أی بلد هذا ... الخ.

وعن ابن عباس ... فلما وقف رسول الله صلى الله علیه وسلم بعرفة أمر ربیعة بن أمیة بن خلف فقام تحت ثدی ناقته، وکان رجلاً صیتاً فقال: أصرخ أیها الناس أتدرون أی شهر هذا ... الخ. رواه الطبرانی فی الکبیر ورجاله ثقات. انتهى.

والذی یزید فی الشک أنهم رووا الحدیث عن نفس هذا الراوی بعدة صیغٍ غیر متشابهة، ولکن الکلمة المفقودة فی الجمیع تبقى نفسها لا تتغیر ..

بل رووا عنه أنه صدر من النبی صلى الله علیه وآله فی المدینة، ولیس فی حجة الوداع فی عرفات .. ولکن الکلمة المفقودة تبقى نفسها، وهی هویة الأئمة الإثنی عشر! !

ـ ففی مسند أحمد: ۵|۹۷ و ۱۰۷

عن جابر بن سمرة قال: جئت أنا وأبی الى النبی صلى الله علیه وسلم وهو یقول: لا یزال هذا الأمر صالحاً حتى یکون اثنا عشر أمیراً، ثم قال کلمة لم أفهمها، فقلت لابی: ما قال؟ قال: کلهم من قریش. انتهى.

ثم رووه عنه، والنبی صلى الله علیه وآله یخطب فی المسجد النبوی فی المدینة، وهو مسجد صغیر محدود، ولکن الکلمة نفسها بقیت خفیة على جابر بن سمرة حتى سأل عنها الخلیفة القرشی عمر بن الخطاب فأخبره بها!

ـ ففی معجم الطبرانی الکبیر: ۲|۲۸۶ ح ۲۰۷۳ عن جابر بن سمرة ( قال سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله وهو یخطب على المنبر ویقول: إثنا عشر قیماً من قریش، لا یضرهم عداوة من عاداهم، قال فالتفتُّ خلفی، فإذا أنا بعمر بن الخطاب رضی الله عنه وأبی، فی ناس، فأثبتوا لی الحدیث کما سمعت ) . انتهى.

ـ وقال عنه فی مجمع الزوائد: ۵|۱۹۱: رواه البزار عن جابر بن سمرة وحده، وزاد





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵

فیه: ثم رجع یعنی النبی صلى الله علیه وسلم الى بیته، فأتیته فقلت: ثم یکون ماذا؟ قال: ثم یکون الهرج . ورجاله ثقات. انتهى.

فصار الحدیث: اثنی عشر قیماً والناس یعادونهم. وصار الذی أثبت له هویة هؤلاء القیمین على الأمة جماعة فیهم عمر وأبوه! فقد تغیرت صیغة الحدیث ومکانه والشخص الذی سأله عنه الکلمة المفقودة، لکنها ما زالت نفسها مفقودة! !

والأعجب من الجمیع أنهم رووا الحدیث عن راوٍ آخر، هو أبو جحیفة، فخفیت علیه نفس الکلمة أیضاً! ! ولکنه سأل عنها عمه، ولیس أباه!

ـ ففی مستدرک الحاکم: ۳|۶۱۸

عن عون بن أبی جحیفة عن أبیه قال: کنت مع عمی عند النبی صلى الله علیه وآله فقال: لا یزال أمر أمتی صالحاً حتى یمضی اثنا عشر خلیفة، ثم قال کلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمی وکان أمامی: ماقال یاعم؟ قال قال یابنی: کلهم من قریش. انتهى. وقال عنه فی مجمع الزوائد: ۵|۱۹۰: رواه الطبرانی فی الأوسط والکبیر، والبزار، ورجال الطبرانی رجال الصحیح. انتهى.

نجد أنفسنا هنا أمام ظاهرة لا مثیل لها فی کل أحادیث النبی صلى الله علیه وآله!!

مما یدل على أن أمر هذا الحدیث مهمٌّ جداً، وأن نصه وظروفه لیست طبیعیة .. وأن فی الأمر سراً، یکمن فی کلمة قریش! !

ویرى الباحث من حقه أن یحتمل أن الراوی الأصلی للحدیث هو عمر، وهو الذی صححه لهذا الصبی جابر بن سمرة وأثبته له، وأمره أن یرویه هکذا!

فقد روى هذا الحدیث الخزاز القمی الرازی فی کتابه کفایة الأثر|۹۰، عن عمر وحده، بدون ابن سمرة وأبیه، وبدون أبی جحیفة وعمه، قال:

حدثنا أبو المفضل محمد بن عبد الله قال: حدثنا الحسن بن علی زکریا العدوی، عن شیث بن غرقده العدوی قال: حدثنا أبو بکر محمد بن العلا قال: حدثنا إسماعیل بن صبیح الیشکری، عن شریک بن عبد الله، عن المفضل بن حصین، عن





--------------------------------------------------------------------------------

۳۶

عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله یقول: الأئمة بعدی اثنا عشر، ثم أخفى صوته فسمعته یقول: کلهم من قریش.

قال أبو المفضل: هذا غریب لا أعرفه إلا عن الحسن بن علی بن زکریا البصری بهذا الإسناد، وکتبت عنه ببجارا یوم الأربعاء، وکان یوم العاشور، وکان من أصحاب الحدیث إلا أنه کان ثقة فی الحدیث. انتهى.




الثانیة: لا یصح الوعد الإلَهی بقیادة مجهولة!



إن الوعد النبوی بالإثنی عشر من بعده، وعدٌ إلهیٌّ من لدن حکیمٍ خبیر بأئمة بعد رسوله صلى الله علیه وآله ، کما هی سنته تعالى فی الأمم السابقة، ورحمةٌ بهذه الأمة لحل

أصعب مشکلة تواجهها الأمم بعد أنبیائها على الإطلاق!

فهل تقبل عقولنا أن الله تعالى قد أمر رسوله صلى الله علیه وآله بأن یدل أمته على قادة مجهولین؟!

نحن نرى أن الله تعالى قد وعد الأمم السابقة على لسان عیسى علیه السلام برسولٍ یأتی من بعده بأکثر من خمس مئة سنة، ومع ذلک سماه باسمه فقال ( یأتی من بعدی اسمه أحمد ) صلى الله علیه وآله ، فکیف یعقل أن یعد خاتمة الأمم على لسان نبیها بقادتها الربانیین ( القیمین على الأمة ) ثم لا یسمی أولهم على الأقل، ولا یسمی أسرتهم، بل یکتفی بالقول إنهم من بضع وعشرین قبیلة متنازعة على الأمور الصغیرة التی هی أقل من السلطة ورئاسة الدولة بآلاف المرات؟!

إن التصدیق بذلک یعنی نسبة عدم الحکمة الى الله عز وجل، والى ساحة رسوله الحکیم المنزه صلى الله علیه وآله ! وهو أمرٌ لا یجرأ علیه مسلم، بل حتى مستشرقٌ منصف! !

نعم قد یکون من المصلحة فی بعض الإخبارات النبویة أن یبدأ النبی صلى الله علیه وآله بإلقائها عامة تثیر السؤال، حتى إذا سأله الناس عنها بیءَنها لهم، لیکون بیانها بعد سؤالهم أوقع لها فی نفوسهم .. ولکن أین أسئلة المسلمین عن هؤلاء الأئمة، وأجوبة نبیهم صلى الله علیه وآله !

إنک لا تجدها إلا فی مصادر أحادیث الشیعة!





--------------------------------------------------------------------------------

۳۷




الثالثة: من قریش، لکن من عترة النبی صلى الله علیه وآله



لو غضینا النظر عن کل االإشکالات على الحدیث، وقبلنا أنه صدر عن النبی صلى الله علیه وآله بصیغته التی صححوها فی مصادرهم .. فهو إذن یقول: إن قادة الأمة الخاتمة اثنا عشر ربانیاً قیماً على الأمة، وإنهم من قریش.

ویأتی هنا السؤال: من أی قریش اختارهم الله تعالى؟

إن بطون قریش أو قبائلها أکثر من عشرین قبیلة .. وقد ثبت فی صحاحهم أن الله تعالى اختار قریشاً من العرب، واختار هاشماً من قریش .. فهل یعقل بعد أن اختار الله تعالى معدن هاشم على غیره، أن یختار الأئمة الإثنی عشر الوارثین لنبیه صلى الله علیه وآله القیمین على أمته، من معدن أقل فضلاً ودرجةً من بنی هاشم؟! !

ـ ففی صحیح مسلم: ۷|۵۸

عن واثلة بن الأسقع: سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: إن الله اصطفى کنانة من ولد إسماعیل، واصطفى قریشاً من کنانة، واصطفى من قریش بنی هاشم، واصطفانی من بنی هاشم. انتهى.

ورواه الترمذی: ۵|۲۴۵ ( هذا حدیث حسن صحیح غریب ) وقال عنه فی ص ۲۴۳ ( هذا حدیث حسن صحیح ) ثم روى عدة أحادیث بمضمونه، منها:

عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت یارسول الله إن قریشاً جلسوا فتذاکروا أحسابهم بینهم، فجعلوا مثلک مثل نخلة فی کبوة من الأرض ( والکبوة المزبلة! )

فقال النبی صلى الله علیه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلنی من خیر فرقهم، وخیر الفریقین، ثم خیر القبائل فجعلنی من خیر القبیلة، ثم خیر البیوت فجعلنی من خیر بیوتهم، فأنا خیرهم نفساً، وخیرهم بیتاً. هذا حدیث حسن. وروى بعده نحوه بسند آخر، وقال: هذا حدیث حسن صحیح غریب. انتهى.

ـ وفی صحیح البخاری: ۴|۱۳۸

باب قول الله تعالى: واذ کر فی الکتاب مریم إذ انتبذت من أهلها مکاناً شرقیاً. وإذ





--------------------------------------------------------------------------------

۳۸

قالت الملائکة یا مریم إن الله یبشرک بکلمة. إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهیم وآل عمران على العالمین، الى قوله یرزق من یشاء بغیر حساب. قال ابن عباس: وآل عمران: المؤمنون من آل ابراهیم، وآل عمران، وآل یاسین، وآل محمد، صلى الله علیه وسلم.

ـ وفی نهج البلاغة: ۱|۸۲: والله ما تنقم منا قریش إلا أن الله اختارنا علیهم، فأدخلناهم فی حِیزِنا، فکانوا کما قال الأول:



أدَمْتَ لعمری شُرْبَکَ المحضَ صابحاً * وأکلکَ بالزُّبد المقشَّرةَ البـُــجْرا

ونـحــن وهبناک العلاء ولم تکن * علیاً، وحُطْنَا حولک الجرد والسمرا



ـ وفی صحیح البخاری: ۵|۶

عن قیس بن عبادة عن علی بن أبی طالب رضی الله عنه أنه قال: أنا أول من یجثو بین یدی الرحمن للخصومة یوم القیامة! ! انتهى.

ویطول لکلام لو أردنا أن نستعرض ما ورد من القرآن والسنة فی اختیار الله تعالى لبنی هاشم، واصطفائهم، وتفضیلهم، وحقهم على الأمة. وکل ذلک بسبب أن عترة النبی صلى الله علیه وآله منهم، لأنهم جوهرة معدن هاشم، بل جدهم وهم جوهرة کل بنی آدم.




الرابعة: أحادیث النبی صلى الله علیه وآله تفسر حدیث الإثنی عشر



من المتفق علیه بین المسلمین أن کلامه صلى الله علیه وآله بمنزلة القرآن یفسر بعضه بعضاً. بل ذلک أصلٌ عقلائی عند کل الأمم فی تفسیر نصوص أنبیائها، فإن أیءَ أمةٍ تجد نصاً عن نبیها بالبشارة باثنی عشر إماماً من بعده، ولا تعرفهم من هم، تنظر فی نصوصه وأقواله وأفعاله، لکی تعرف بواسطتها هؤلاء القادة المبشر بهم على لسانه!

وإذا نظرنا الى ما صدر عن نبینا الذی لا ینطق عن الهوى صلى الله علیه وآله فی حق عترته: علی وفاطمة والحسن والحسین وذریتهم علیهم السلام ، مما اتفق علیه المسلمون، وحکموا بصحته .. لا یبقى عندنا شک فی أنه یقصد هؤلاء الذین مدحهم هو صلى الله علیه وآله فی مناسبات





--------------------------------------------------------------------------------

۳۹

عدیدة، وبین للأمة أن الله تعالى مدحهم فی آیاته، وطهرهم من الرجس تطهیراً، وأوجب على المسلمین مودتهم، وأن یصلوا علیهم معه فی صلواتهم، وحرم علیهم الصدقة، وجعل لهم الخمس فی میزانیة الدولة، وجعلهم وصیته فی أمته، وسماهم مع کتاب الله الثقلین .. ..

ولا یتسع المقام لبسط الکلام فیه، بل تکفی الإشارة الى ما هو

إن المتفق علیه بین المسلمین مما صدر فی حقهم من النبی صلى الله علیه وآله من المدیح والتعظیم، والتحذیرهم من مخالفتهم وظلمهم .. فیه عبرةٌ لمن کان له قلب، وکفایةٌ لمن ألقى السمع، وشهادةٌ لمن أراد الحجة من الله تعالى، والشهادة من رسوله صلى الله علیه وآله .




الخامسة: اثنا عشر إماماً واثنا عشر شهراً



ذکرت روایات الخطب الشریفة فی حجة الوداع، أن النبی صلى الله علیه وآله ذکر الأئمة الإثنی عشر، وذکر استدارة الزمن کأول ما خلق الله الأرض، وقرأ آیة: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً .. ففی صحیح البخاری: ۵|۱۲۶:

عن أبی بکرة عن النبی صلى الله علیه وسلم قال: الزمان قد استدار کهیئته یوم خلق الله السموات والأرض. السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالیات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. انتهى. ورواه أیضاً فی: ۵|۲۰۴، و: ۶|۲۳۵، وکذا أبو داود فی: ۱|۴۳۵، وأحمد فی: ۵|۳۷

ـ ورواه فی مجمع الزوائد: ۳|۲۶۵، بصیغة أقرب الى أسلوب النبی صلى الله علیه وآله من روایة البخاری، جاء فیها ( ألا وإن الزمان قد استدار کهیئته یوم خلق السموات والأرض، ثم قرأ: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فی کتاب الله یوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم، ذلک الدین القیم فلا تظلموا فیهن أنفسکم ) ألا لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض ... ) انتهى.

وقد ذکر المفسرون والشراح السنیون أن قصده صلى الله علیه وآله إلغاء النسیء الذی ابتدعته العرب للأشهر الحرم، وأن وضع التوقیت والزمن قد رجع الى هیئته الأولى، فلا نسیء





--------------------------------------------------------------------------------

۴۰

بعد الیوم .. ولکنه تفسیر غیر مقنع، فإن نسیء العرب لم یکن مؤثراً فی الزمن والفلک، حتى یرجع الزمن الى حالته الأولى بإلغاء النسیء!

کما أنی لم أجد دلیلاً على ارتباط استدارة الزمان بالنسىَ فی کلامه صلى الله علیه وآله

ولا یبعد أن تکون استدارة الزمان موضوعاً مستقلاً عن النسیء.

وبما أن النبی صلى الله علیه وآله فی مقام تودیع أمته، وبیان مرحلة مابعده من الهدى والضلال، والعقائد والأحکام، وطریق الجنة والنار .. فقد یقصد بإخباره باستدارة الزمن: أن مرحلةً جدیدة بدأت من ذلک الیوم فما بعده، من قوانین الهدایة والإضلال الإلهی، ومعالم ذلک هم الأئمة الإثنا عشر علیهم السلام ، الذین ینسجم وجودهم مع نظام الإثنی عشر شهراً فی تکوین السماوات والأرض.

ویؤید ذلک: قداسة عدد الإثنی عشر فی القرآن، وأن النبی صلى الله علیه وآله طلب من الأنصار فی أول بیعتهم له أن یختاروا منهم اثنی عشر نقیباً ..

وأنه بشر الأمة بالأئمة الإثنی عشر من بعده ..

ویؤیده: أنه صلى الله علیه وآله أخبر الأمة بوجود أئمة مضلین من بعده، وشدد على التحذیر منهم، وبین أن أخطرهم الإثنا عشر منافقاً من أصحابه!

فمقابل کل إمام هدىً إمامُ ضلالٍ، کما أن مقابل کل نبیٍّ عدوٌّ من المجرمین، یعمل لإضلال الناس! قال الله تعالى:

ویوم یعض الظالم على یدیه یقول یا لیتنی اتخذت مع الرسول سبیلا.

یا ویلتا لیتنی لم أتخذ فلاناً خلیلا.

لقد أضلنی عن الذکر بعد إذ جاءنی وکان الشیطان للإنسان خذولا.

وقال الرسول یا رب إن قومی اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

وکذلک جعلنا لکل نبی عدواً من المجرمین وکفى بربک هادیاً ونصیرا. الفرقان ۲۷ ـ ۳۱

ـ وفی صحیح مسلم: ۸|۱۲۲ ـ ۱۲۳:

قال النبی صلى الله علیه وسلم: فی أصحابی اثنا عشر منافقاً، فیهم ثمانیة لا





--------------------------------------------------------------------------------

۴۱

یدخلون الجنة حتى یلج الجمل فی سم الخیاط، ثمانیةٌ منهم تکفیکهم الدبیلة، وأربعةٌ لم أحفظ ما قال شعبة فیهم!

إن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: إن فی أمتی ـ قال شعبة: وأحسبه قال حدثنی حذیفة، وقال غندر: أراه قال فی أمتی ـ اثنا عشر منافقاً، لا یدخلون الجنة ولا یجدون ریحها حتى یلج الجمل فی سم الخیاط، ثمانیةٌ منهم تکفیکهم الدبیلة، سراجٌ من النار یظهر فی أکتافهم، حتى ینجم من صدورهم.

حدثنا أبو الطفیل قال: کان بین رجلٍ من أهل العقبة وبین حذیفة بعض ما یکون بین الناس، فقال: أنشدک بالله کم کان أصحاب العقبة؟!

قال فقال له القوم: أخبره إذ سألک.

قال: کنا نُخْبَرُ أنهم أربعة عشر، فإن کنت منهم فقد کان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثنی عشر منهم حربٌ لله ولرسوله فی الحیاة الدنیا ویوم یقوم الأشهاد. انتهى. ورواه أحمد فی: ۴|۳۲۰، وغیرها، ورواه کثیرون.

والنتیجة: أنه لا یبعد أن یکون قصد النبی صلى الله علیه وآله أن یخبر المسلمین بأن الله تعالى أقام الحیاة البشریة من یوم خلق السماوات والأرض، وخلق الجنس البشری، على قانون الهدایة والضلال بإتمام الحجة، وإمهال الناس لیعملوا بالهدى أو بالضلال .. فکان لا بد من وجود عنصری الهدى وعناصر الضلال معاً، کعنصری السلب والإیجاب فی الطاقة، فألهم النفس البشریة فجورها وتقواها، وأنزل آدم الى الأرض ومعه إبلیس، وبعث الأنبیاء علیهم السلام ومع کل نبی عدو مضلٌّ أو أکثر، وجعل بعدهم أئمة ربانیین یهدون، وأئمة ضلال منافقین یضلون .. وعدد کل منهم فی هذه الأمة اثنا عشر .. وأنه قد بدأت بهم دورةٌ جدیدةٌ من الهدى والضلال، کما بدأت بآدم وإبلیس .. ولذلک استدار الزمن کهیئته فی أوله بانتهاء الفترة، ووضوح الحجة.

ویؤید ذلک ما ورد من طریق أهل البیت علیهم السلام فی تفسیر آیة ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ) .





--------------------------------------------------------------------------------

۴۲




السادسة: راوی الحدیث جابر السوائی



روت مصادر السنیین حدیث الأئمة الإثنی عشر عن عدة رواة، وهم عبد الله بن مسعود، وأبو جحیفة، وجابر بن سمرة السوائی، وهذا الأخیر أهمهم، لأن الصحاح اعتمدت روایته، کما تقدم.

وهو جابر بن سمرة بن جنادة. وقد ذکر ابن حجر فی تهذیب التهذیب: ۲|۳۵ ( یقالین ) فی نسبه، فقال ( یقال: ابن عمرو بن جندب بن حجیر ابن رئاب بن حبیب بن سواءة بن عامر بن صعصعة السوائی. ویقال: من قبیلة عامر بن صعصعة ) .

ویؤید هذا الشک أن الذهبی قال فی ترجمته: ۳|۱۸۷ ( وهو وأبوه من حلفاء زهرة ) ولو کان من بنی عامر بن صعصعة، لم یحتج أن یکون حلیفاً!

وسمرة هذا من الطلقاء، فقد قال فی تهذیب التهذیب: ۴|۲۰۶ ( وقرأت: بخط الذهبی إنما مات فی ولایة عبد الملک ابنه جابر، وأما سمرة فقدیم. وذکر ابن سعد أنه أسلم عند الفتح، ولم أقف على من أرخ وفاته غیر من تقدم ) . انتهى.

لکن البخاری قال فی التاریخ الکبیر: ۴|۱۷۷: إن لسمرة هذا صحبة. انتهى.

أما جابر ابنه فهو فرخُ طلیقٍ، فقد کان صغیراً عند فتح مکة، لأنه توفی سنة ۷۶، ولأنه یروی أن النبی صلى الله علیه وآله مسح على خد الصبیان المصلین وکان منهم ( سیر أعلام النبلاء: ۳|۱۸۷ ) .

ولعل أباه سمرة توفی فی حیاة النبی صلى الله علیه وآله أو بعده بقلیل، فعاش جابر فی کنف خاله سعد بن أبی وقاص فی المدینة، وقد روی أنه اشترک فی فتح المدائن، ولعله کان شاباً حینذاک، ثم سکن الکوفة وابتنى بها داراً ( أسد الغابة: ۱|۲۵۴ ) .

وعلى هذا فیکون جابر فی حجة الوداع صبیاً صغیراً أو مراهقاً، ویکون الراوی الوحید المعتمد فی الصحاح لحدیث أئمة هذه الأمة بعد نبیها .. هذا الصبی الطلیق من حلفاء قریش!





--------------------------------------------------------------------------------

۴۳

فاعجب لشیوخ الأمة، وکبار الصحابة، حیث لم یکن عندهم ذکاء هذا الصبی الطلیق، واهتمامه بمستقبل الأمة، وأئمتها الربانیین!

أو فاعجب للخلافة القرشیة کیف سیطرت على مصادر الحدیث النبوی عند السنیین، فلم تسمح بتدوین حدیثٍ فی الأئمة الإثنی عشر، الذین بشر بهم نبی الأمة صلى الله علیه وآله إلا حدیث هذا الصبی! !




السابعة: درجات الصحة التی أعطوها للأحادیث الثلاثة



فی مصادر السنیین ثلاث صیغ لحدیث الأئمة الإثنی عشر، وثلاثة رواة:

وقد اتفقوا على تصحیح حدیث جابر بن سمرة، وعلى تحسین حدیث أبی جحیفة المشابه له، وبعضهم صححه. واختلفوا فی تصحیح حدیث ابن مسعود الذی یختلف عنهما، بحجة أن فی سنده مجالد بن سعید، الذی لم یوثقه إلا النسائی وبعض علماء الجرح والتعدیل، وضعفه آخرون.

ولا بد أن نضیف الى رواة الحدیث راویین آخرین هما: سمرة السوائی والد جابر وعمر بن الخطاب، لأن الروایات تقول إنه سألهما عن الکلمة الخفیة فأخبراه بها.

بل لا بد أن نعد عمر بن الخطاب راویاً مستقلاً، کما تقدم فی روایة کفایة الأثر ..

والیک جانباً من کلماتهم فی حدیث ابن مسعود:

ـ قال فی مجمع الزوائد: ۵|۱۹۰: باب الخلفاء الإثنی عشر: عن مسروق قال: کنا جلوساً عند عبدالله وهو یقرئنا القرآن فقال رجل: یا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله صلى الله علیه وسلم کم یملک هذه الأمة من خلیفة؟ فقال عبد الله: ما سألنی عنها أحد مذ قدمت العراق قبلک، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: اثنا عشر کعدة نقباء بنی اسرائیل. رواه أحمد وأبو یعلى والبزار، وفیه مجالد بن سعید وثقه النسائی وضعفه الجمهور، وبقیة رجاله ثقات. انتهى.

ـ وقال الحاکم: ۴|۵۰۱، بعد روایة هذا الحدیث: لا یسعنی التسامح فی هذا الکتاب عن الروایة عن مجالد وأقرانه، رحمهم الله. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۴۴

ـ ولکن ابن حجر حسنه فقال فی الصواعق المحرقة|۲۰ ح ۳ فقال: وعن ابن مسعود بسند حسن.

وکذا السیوطی فی تاریخ الخلفاء|۱۰ حیث قال ( وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود ) .

وکذا البوصیری کما نقل عنه فی کنز العمال: ۶|۸۹ ( رواه مسدد وابن راهویه وابن ابی شیبة وأبو یعلى وأحمد بسند حسن ) .

وقد روت مصادرهم حدیث ابن مسعود مثل أحمد: ۱|۳۹۸ و ۴۰۶،

وکنز العمال ۶|۸۹، عن طبقات ابن سعد وابن عساکر، وفی ۱۲|۳۲، عن أحمد، والطبرانی، وابن حماد .. وغیرهم.

وإذا کانت علة روایة ابن مسعود عندهم وجود مجالد، فقد روته مصادرنا بسند لیس فیه مجالد، کما فی کتاب الإختصاص للصدوق|۲۳۳، وکفایة الأثر للخزاز|۷۳، والغیبة للنعمانی|۱۰۶، وسیأتی بعض ذلک.

ولکن ذلک لا یشفع للحدیث عند إخواننا السنیین ولا یجعله یستحق أکثر من لقب ( حسن ) ! بل یبدو أن هذه الدرجة من الصحة ثقیلة علیهم، لأن مشکلة هذا الحدیث الأصلیة عندهم أنه لم یذکر عبارة ( کلهم من قریش ) وأنه یفهم منه أن هؤلاء الأئمة الربانیین یجب أن یکونوا حکام الأمة بعد نبیها، ویضع علامة استفهام کبیرة على ماتم فی السقیفة فی غیاب بنی هاشم، وانشغالهم بجنازة النبی صلى الله علیه وآله!!




الثامنة: تضارب متون الأحادیث الثلاثة



روت مصادر السنیین حدیث جابر بن سمرة بصیغتین، وجاء حدیث أبی جحیفة بإحداهما، وانفرد حدیث ابن مسعود بصیغته .. فتکون الصیغ ثلاثاً:

الأولى: مفادها أن هؤلاء الموعودین یکونون بعد النبی صلى الله علیه وآله ، وأنهم من قریش. وهذا مضمون أکثر روایات ابن سمرة. وقد عرفت أن أنهم صححوا هذه الصیغة، وقد صححها الألبانی فی سلسلة الأحادیث الصحیحة برقم ۱۰۷۵.





--------------------------------------------------------------------------------

۴۵

الثانیة: أنهم یحکمون بعد النبی صلى الله علیه وآله وأنهم من قریش، وأن الإسلام لا یزال عزیزاً مدة حکمهم، ثم یضعف ویذل، أو ینهار. وهی صیغة عدد من روایات جابر بن سمرة، وکل روایات أبی جحیفة أیضاً. وقد صححها کثیر من علمائهم، ومنهم الألبانی فی سلسلته أیضاً برقم ۳۷۶، عن ابن سمرة، وحسن روایة أبی جحیفة، وجعل روایة ابن مسعود شاهداً على صحتهما، ورد زیادة أبی داود وغیره التی تصف هؤلاء الأئمة بأن الأمة تجتمع علیهم، ووصف هذه الزیادة بأنها منکرة.

الثالثة: أنهم یکونون بعد النبی صلى الله علیه وآله کأوصیاء موسى وعیسى علیهم السلام بدون ذکر قریش. وهی صیغة أکثر روایات حدیث ابن مسعود.

وأهم ملاحظة على هذه الأحادیث وصیغها: تفاوتها واضطرابها، وهو أمر غیر مقبول فی حدیث من هذا النوع .. فإنا لو وجدنا نصاً شبیهاً به یروونه عن شیخ قبیلة صغیرة، قاله لقبیلته وهو یودعها قبل موته، ویخبرها بفراسته عن شیوخها الذین سیحکمونها من بعده .. لقلنا بوقوع تحریفٍ فی کلامه!

فکیف نقبل بذلک لسید الأنبیاء صلى الله علیه وآله وسید البلغاء، وهو یودع خاتمة الأمم، ویخبرها عن ربه بأئمتها من بعده، وعلى أوسع ملأٍ من جماهیرها! !

وتتوجه التهمة بالدرجة الأولى الى احتمال تحریف هویة هؤلاء الأئمة، والمتهم به هو السلطة التی حکمت بعد النبی صلى الله علیه وآله لأنها هی المستفیدة من ذلک، وهی التی أبعدت أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله عن الحکم، بل بادرت الى بیعة السقیفة بدون أن تخبرهم، مغتنمةً انشغالهم بجنازة النبی صلى الله علیه وآله!!

ویتأکد الشک عندما نجد أن التفاوت والتعارض، قد ترکز على صفة هؤلاء الأئمة الموعودین، ومقامهم الإلهی، وهویتهم، ونسبهم، ووقتهم، ومدتهم!

وهو تعارض لیس قلیلاً قابلاً للحل، لأنه موجودٌ حتى فی الصیغ والألفاظ المنقولة عن الراوی الواحد!





--------------------------------------------------------------------------------

۴۶

وهو أمرٌ یوجب تضعیف الثقة بصیغ الحدیث فی مصادر السنة، ویقوی الثقة بصیغه المتوافقة، المجمع على مضمونها، الواردة فی مصادرنا، والتی تقول إنه صلى الله علیه وآله قال إنهم علیٌّ والحسن والحسین، وتسعةٌ من ذریة الحسین علیهم السلام




التاسعة: الأئمة الإثنا عشر لا یحتاجون الى اختیار ولا بیعة



وهو أمرٌ واضح، فما دام الله تعالى قد اختارهم، فواجب الأمة أن تطیعهم ( وما کان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تکون لهم الخیرة من أمرهم ) فهم یستمدون شرعیتهم من رب الأمة، ورب الناس ومالکهم، وهو الحکیم الخبیر بما یصلح عباده .. واختیاره للناس أفضل من اختیارهم لأنفسهم، وألزم.

فالأئمة الإثنا عشر من هذه الناحیة مفروض الطاعة من الله تعالى شبیهاً بالأنبیاء علیهم السلام ، والنبی لا یکون بالإنتخاب، ولا یحتاج الى أن یبایعه الناس .. بل لو لم یبایعه أحد من الناس، وآذوه وقتلوه .. فإن ذلک لا ینقص من وجوب طاعته شیئاً!

ولو بایعه کل الناس لکان معناه اعترافهم بحق الطاعة الذی جعله الله له، وإعلان التزامهم به، لا أکثر.

فبیعة الناس للأنبیاء وأوصیائهم علیهم السلام إنما هی بیعة اعترافٍ والتزامٍ بحقهم فی الإطاعة، وهی تؤکد هذا الحق، ولا تنشئه.

وهذا هو السبب فی أن النبی صلى الله علیه وآله کان یأخذ البیعة على المسلمین فی المنعطفات الهامة فی حیاة الأمة، لیؤکد بذلک علیهم الإلتزام بإطاعته فی السراء والضراء، والحرب والسلم، وفیما أحبوه أو کرهوه!

وهذا هو السبب نفسه فی أن النبی صلى الله علیه وآله بعد أن بلَّغ الأمة ولایة علی علیه السلام فی غدیر خم، أمر بأن تنصب له خیمة وأن یهنئه المسلمون بولایته التی أمر الله تعالى بها .. أن یهنئوه تهنئةً، ثم یبایعوه ..





--------------------------------------------------------------------------------

۴۷

فالإختیار الإلَهی قد تمَّ، وهو یحتاج الى قبولٍ وتهنئةٍ، ولا یحتاج الى مشورتهم ولا الى بیعتهم، لکن لو طلبها النبی صلى الله علیه وآله منهم وجبت علیهم .. ولو طلبها علیٌّ علیه السلام منهم، وجبت علیهم أیضاً.

ولهذا لا تنفع مناقشة المناقشین بأن ما طلبه النبی صلى الله علیه وآله من المسلمین فی الغدیر کان مجرد التهنئة لعلی علیه السلام بالولایة، ولم یکن البیعة .. لأن صدور الأمر الإلهی بولایته یُفْرِغ البیعة البشریة من القوة الإنشائیة، ویحصر قیمتها فی الإعتراف والإلتزام بالأمر الإلهی، کلما طلبها منهم النبی صلى الله علیه وآله أو الولی علیه السلام .

والقاعدة الکلیة فی هذا الموضوع: أن الأمة إنما تملک الولایة على نفسها واختیار حکامها ـ فی حدود ماثبت فی الشریعة المقدسة ـ فی حالة عدم اختیار الله تعالى لأحد .. أما إذا اختار عز وجل إماماً فقد قضی الأمر، ولم یبق معنىً لاختیار الأمة لحاکم آخر، إلا أنها تتفلسف فی مقابل ربها عز وجل، وتخالف اختیار مالکها الحکیم سبحانه ..




العاشرة: قرشیة الحدیث ألقاها عمر فی البحر



ومما ینبغی تسجیله هنا: أن الذی رفع رایة ( أن الخلیفة من قریش والخلافة لا تکون إلا فی قریش ) هو الخلیفة عمر بن الخطاب، فقد احتج على الأنصار فی السقیفة بأن قریشاً قوم النبی صلى الله علیه وآله وقبیلته فهم أحق بسلطانه! وکان هدفه من ذلک تسکیت الأنصار، الذین یعیش القرشیون فی بلدهم وضیافتهم، حتى لا یقولوا نحن نصرناه ونحن أولى بخلافته! !

وقد نجح عمر بهذا المنطق القبلی فی السقیفة، بسبب تفرق کلمة الأنصار، رغم مخالفة رئیسهم سعد بن عبادة مخالفةً عنیفة.

ولکن عمر نفسه عند وفاته تخلى عن مبدأ قرشیة الخلیفة، وألقى به فی البحر، وأکد أنه لو کان سالم الفارسی مولى أبی حذیفة الأموی حیاً، لعهد الیه بالخلافة! !





--------------------------------------------------------------------------------

۴۸

ـ ففی تاریخ المدینة: ۳|۱۴۰:

عن عبد الله بن بریدة: لما طعن عمر رضی الله عنه قیل له: لو استخلفت؟ قال: لو شهدنی أحد رجلین استخلفته ـ أنی قد اجتهدت ولم آثم ـ أو وضعتها موضعها: أبو عبیدة بن الجراح، وسالم مولى أبی حذیفة! !

ـ وفی مجمع الزوائد: ۴|۲۲۰

عن أبی رافع أن عمر بن الخطاب کان مستنداً الى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعید بن زید فقال: إعلموا أنی لم أقل فی الکلالة شیئاً، ولم أستخلف من بعدی أحداً، وأنه من أدرک وفاتی من سبی العرب فهو حر من مال الله عز وجل.

فقال سعید بن زید: أما إنک لو أشرت برجل من المسلمین لائتمنک الناس، وقد فعل ذلک أبو بکر، وائتمنه الناس.

فقال عمر: قد رأیت من أصحابی حرصاً سیئاً، وإنی جاعلٌ هذا الأمر الى هؤلاء النفر الستة الذین مات رسول الله صلى الله علیه وسلم وهو عنهم راض.

ثم قال: لو أدرکنی أحد رجلین، ثم جعلت هذا الأمر الیه لوثقت: سالم مولى أبی حذیفة، وأبو عبیدة بن الجراح. انتهى.

وبذلک فتح عمر الباب لأبی حنیفة وغیره، لکی یلغوا هذا الشرط من الخلافة الإسلامیة، وقد استفاد من فتواه السلاجقة والممالیک، ثم تبنى العثمانیون مذهب أبی حنیفة، ونشروا فقهه بسبب فتواه هذه، وتسموا خلفاء النبی صلى الله علیه وآله .




موقف الوهابیین من شرط القرشیة فی الحاکم



نشترط نحن الشیعة الإمامیة فی الأئمة أن یکونوا من قریش من عترة النبی صلى الله علیه وآله بسبب ثبوت النص علیهم بأسمائهم وعددهم، فالإمامة عندنا لا تثبت إلا بالنص فقط، والنص إنما هو على هؤلاء الإثنی عشر علیهم السلام .

وبما أن خاتمهم الإمام المهدی علیه السلام غائب، فالحکم فی الأمة فی عصرنا یکون





--------------------------------------------------------------------------------

۴۹

بالوکالة عنه، والوکیل لا بد أن تتوفر فیه شروط الفقاهة والعدالة وغیرها .. ولا نشترط فیه أن یکون قرشیاً .. وبذلک نلتقی عملیاً لا نظریاً مع الذین یسقطون شرط القرشیة فی الحاکم العادل.

أما إخواننا الشیعة الزیدیون، فالإمامة عندهم غیر محصورة بالائمة الإثنی عشر علیهم السلام بل هی مفتوحةٌ لکل عالم من ذریة علی وفاطمة علیهما السلام ، فهم یشترطون فی الإمام الشرعی أن یکون قرشیاً علویاً.

وأما المسلمون السنیون، فمنهم من یوافقنا على إسقاط شرط القرشیة فی عصرنا، عملاً بقول الخلیفة عمر، وفتوى أبی حنیفة ..

ومنهم غیر عربٍ ولکنهم متعصبون لقریش أکثر من عمر، وملکیون أکثر من الملک .. ومن هؤلاء أئمة الوهابیة، مثل الألبانی، حیث صحح حدیث اشتراط القرشیة فی الإمام فی سلسلة أحادیثه الصحیحة برقم ۱۵۵۲، وقال فی آخره ۴|۷۰:

ولذلک فعلى المسلمین إذا کانو صادقین فی سعیهم لإعادة الدولة الإسلامیة، أن یتوبوا الى ربهم ویرجعوا الى دینهم، ویتبعوا أحکام شریعتهم، ومن ذلک أن الخلافة فی قریش، بالشروط المعروفة فی کتب الحدیث والفقه.

أما فی: ۳|۷، فقد صحح حدیث الخلافة فی قریش برقم ۱۰۰۶، وقال فی آخره: قلت: وفی هذه الأحادیث الصحیحة ردٌّ صریحٌ على بعض الفرق الضالة قدیماً، وبعض المؤلفین والأحزاب الإسلامیة حدیثاً، الذین لا یشترطون فی الخلیفة أن یکون عربیاً قرشیاً.

وأعجب من ذلک أن یؤلف أحد المشایخ المدعین للسلفیة رسالة فی ( الدولة

الإسلامیة ) ذکر فی أولها الشروط التی یجب أن تتوفر فی الخلیفة، إلا هذا الشرط، متجاهلاً کل هذه الأحادیث وغیرها مما فی معناها، ولمَّا ذکرته بذلک تبسم صارفاً النظر عن البحث فی الموضوع. ولا أدری أکان ذلک لأنه لا یرى هذا الشرط کالذین أشرنا إلیهم آنفاً، أم أنه کان غیر مستعد للبحث من الناحیة العلمیة.





--------------------------------------------------------------------------------

۵۰

وسواءً کان هذا أو ذاک، فالواجب على کل مؤلف أن یتجرد للحق فی کل ما یکتب، وأن لا یتأثر فیه باتجاه حزبی أو تیار سیاسی، ولا یلتزم فی ذلک موافقة الجمهور أو مخالفتهم. انتهى.

والطریف أن الألبانی صحح حدیثاً آخر برقم ۱۸۵۱ یقول:

( الخلافة فی قریش والحکم فی الأنصار والدعوة فی الحبشة ) وعلى فتواه یجب أن یکون الحاکم فی عصرنا من قریش من أیِّ قبائلها کان، وأن یکون الوزراء من الأنصار .. وأن یکون وزیر الإرشاد والأوقاف والمفتی وکل من عمله الإعلام والدعوة من الأفارقة، والأحوط أن یکون من أثیوبیا!!

ذلک أن الوجوب الذی استفاده من الحدیث وأفتى به بوجوب القرشیة فی الحاکم، تتساوى فیه الخلافة، والوزارة، والدعوة!!

لقد فات هذا الشیخ أن فقه الحدیث أهم من سنده، وأنه متقدمٌ علیه رتبةً، وأن مثل هذا الحدیث بعیدٌ عن منطق النبی صلى الله علیه وآله ، ولو صح فهو یحکی عن ظرفٍ معین، ولیس تشریعاً الى یوم القیامة!




الحادیة عشرة: تخبط الشراح فی تفسیر الأئمة الإثنی عشر



إذا أردنا أن نکون أمناء مع النص النبوی، یلزم أن نقول: إن کلمة ( من بعدی ) فی الحدیث الشریف تدل على أن إمامة هؤلاء الإثنی عشر تبدأ بعد وفاته صلى الله علیه وآله مباشرة، ولا تدل على أنهم سیحکمون من بعده، لأنها إخبارٌ عن وجودهم فقط، سواءً کانوا حکاماً أو محکومین. بل تدل صیغ الحدیث المتقدمة عن ابن سمرة وابن مسعود، على أن الأمة تخذل هؤلاء الأئمة الإثنی عشر وتعادیهم، وذلک یشمل إبعادهم عن الحکم، ولکنه ذلک لا یضرهم شیئاً.

وقد تقدم فی روایة تفسیر الطبری ( یکون لهذه الأمة اثنا عشر قیماً، لا یضرهم من خذلهم ... إثنا عشر قیماً من قریش لا یضرهم عداوة من عاداهم )



وبذلک لا تجد مانعاً من انطباق الحدیث على الأئمة الإثنی عشر من عترة النبی صلى الله علیه وآله حتى لو لم یحکموا، أو لم یحکم منهم إلا علی والحسن علیهما السلام ، وسیحکم منهم المهدی الموعود من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله علیه وآله .

کما أن الأحادیث التی تذکر مایکون بعدهم تدل على أن مدتهم طویلة، فبعضها ذکر أنه یکون بعدهم الهرج والفوضى والنفاق، وأشار الى انهیار الأمة .. وبعضها ذکر أن زمنهم یمتد مادامت الأرض، وأن مدتهم إذا تمت ساخت الأرض بأهلها .. وهذا یؤید نظریة امتداد عصر هؤلاء الأئمة علیهم السلام الى آخر الدنیا، کما نصت أحادیثنا.

ـ قال أبو الصلاح الحلبی المتوفى سنة ۴۳۷ فی کتابه تقریب المعارف|۱۷۳:

ورووا عن عبد الله بن أبی أمیة مولى مجاشع، عن یزید الرقاشی، عن أنس بن مالک قال: قال رسول الله صلى الله علیه وآله: لا یزال هذا الدین قائماً الى اثنی عشر من قریش، فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها. انتهى. ونحوه فی إعلام الورى|۳۶۴، وهو موافق لما فی مصادرنا عن أهمیة وجود الحجة لله تعالى فی أرضه فی کل عصر ..

ـ ففی الکافی: ۱|۱۷۹ و ۵۳۴

عن أبی حمزة قال: قلت لأبی عبد الله علیه السلام : أتبقى الأرض بغیر إمام؟ قال: لو بقیت الأرض بغیر إمام لساخت.

عن أبی جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله علیه وآله : إنی واثنا عشر من ولدی وأنت یا علی زرُّ الأرض، یعنی أوتادها وجبالها، بنا أوتد الله الأرض أن تسیخ بأهلها، فإذا ذهب الإثنا عشر من ولدی ساخت الأرض بأهلها، ولم ینظروا. انتهى.

وعلى هذا التفسیر الذی یساعد علیه نص الحدیث، یکون هدف النبی صلى الله علیه وآله من طرح الأئمة الإثنی عشر فی أهم تجمع للمسلمین فی حجة الوداع، هو: توجیه الأمة الیهم لو أنها أخذت بحظها وأطاعته فیهم !

بل یمکن القول: إنه یتعین تفسیر الحدیث بالائمة الإثنی عشر من أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله ، لأن کل تفسیر له بغیرهم لا یصح لکثرة الإشکالات التی ترد علیه.







--------------------------------------------------------------------------------

۵۲

ـ قال الکنجی الشافعی فی ینابیع المودة|۴۴۶

قال بعض المحققین: إن الأحادیث الدالة على کون الخلفاء بعده صلى الله علیه وآله اثنا عشر قد اشتهرت من طرق کثیرة .. . فبشرح الزمان وتعریف الکون والمکان، علم أن مراد رسول الله صلى الله علیه وآله من حدیثه هذا الأئمة الإثنا عشر من أهل بیته وعترته، إذ لا یمکن أن یحمل هذا الحدیث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلتهم عن اثنی عشر، ولا یمکن أن یحمله على الملوک الأمویة لزیادتهم على اثنی عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزیز، ولکونهم من غیر بنی هاشم، لأن النبی صلى الله علیه وآله قال کلهم من بنی هاشم فی روایة عبد الملک، عن جابر، وإخفاء صوته صلى الله علیه وآله فی هذا القول یرجح هذه الروایة، لأنهم لا یحسنون خلافة بنی هاشم.

ولا یمکن أن یحمله على الملوک العباسیة، لزیادتهم على العدد المذکور، ولقلة رعایتهم الآیة: قل لا أسألکم علیه أجراً إلا المودة فی القربى، وحدیث الکساء.

فلا بد من أن یحمل هذا الحدیث على الأئمة الإثنی عشر من أهل بیته وعترته صلى الله علیه وآله ، لأنهم کانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأکرمهم عند الله ....

ویؤید هذا المعنى، أی أن مراد النبی صلى الله علیه وآله الأئمة الإثنی عشر من أهل بیته، ویشهد له ویرجحه: حدیث الثقلین، والأحادیث المتکثرة المذکورة فی هذا الکتاب، وغیرها ....

وفی نهج البلاغة من خطبته على کرم الله وجهه: أین الذین زعموا أنهم الراسخون فی العلم دوننا، کذباً وبغیاً علینا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم .. بنا یستعطى الهدى، وبنا یستجلى العمى.

وإنه سیأتی علیکم من بعدی زمان لیس فیه شیء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أکثر من الکذب على الله ورسوله صلى الله علیه وآله ، ولیس عند أهل ذلک الزمان سلعة أبور من الکتاب إذا تلی حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه، ولا فی البلاد شیء أنکر من المعروف، ولا أعرف من المنکر.





--------------------------------------------------------------------------------

۵۳

واعلموا أنکم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذی ترکه، ولن تأخذوا بمیثاق الکتاب حتى تعرفوا الذی نقضه، ولن تمسکوا به حتى تعرفوا الذی نبذه، فالتمسوا ذلک من عند أهله، فإنهم عیش العلم وموت الجهل، هم الذین یخبرکم حکمهم عن عملهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا یخالفون الدین، ولا یختلفون فیه، وهو بینهم شاهد صادق، وصامت ناطق. انتهى.




ولکن عامة الشراح السنیین لا یقبلون هذا التفسیر، ویحذرون أتباعهم من أن یقنعهم الشیعة بأن النبی صلى الله علیه وآله قد نص على الأئمة الإثنی عشر من عترته !!

ویقولون لأتباعهم: إن حدیث الأئمة الإثنی عشر صحیحٌ مئة بالمئة، لکن لا تقبلوا تفسیر الشیعة، ونحن إن شاء الله نفسره لکم تفسیراً صحیحاً ..

ولکنهم الى یومنا هذا لم یستطیعوا أن یقدموا لهم تفسیراً مقنعاً للحدیث، ولن یستطیعوا.. لأنهم یریدون تطبیق هؤلاء الإثنی عشر على الخلفاء الذین حکموا بعد النبی صلى الله علیه وآله من الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن الزبیر، وسلسلة خلفاء بنی سفیان وبنی مروان، ثم بنی العباس .. وربما غیرهم من أمویی الأندلس، والسلاجقة، والممالیک، والأتراک !!

وعندما یجدونهم أضعاف العدد المطلوب، یلجؤون الى الفرضیات، فیختارون أحسن الخلفاء الأمویین، والعباسیین ویخلعون علیهم صفة الأئمة الربانیین، فیثبتون هذا ویحذفون ذاک! اختیاراً وحذفاً ( کیفیاً ) لمجرد تکمیل العدد!

وبعضهم لا یکمل معه العدد ممن اختارهم فیقول: إن الباقین سوف یأتون!

ومن الواضح أنها تطبیقاتٌ لا تقف عند حد، ولا تستند الى أساس، وأن الذی یسلکها یکلف نفسه شططاً، کمن یکلف نفسه بأن یختار اثنی عشر شخصاً من رؤساء المسلمین وملوکهم المعاصرین، ویقول عنهم إنهم قادةٌ ربانیون اختارهم الله تعالى، ووعد الأمة بهم على لسان رسوله صلى الله علیه وآله !





--------------------------------------------------------------------------------

۵۴

ولو أن العلماء السنیین فکروا أکثر لما جشموا أنفسهم هذه العقبة:

أولاً: لأن هؤلاء الأئمة الربانیین الموعودین مختارون من الله تعالى، فلا بد أن یکونوا متفقین، لأنهم جمیعاً على خط واحد وهدى من ربهم ونبیهم.

بینما خلفاء السنیین وأئمتهم مختلفون متقاتلون ..

فهل سمعتم بالحرب والقتال بین الأنبیاء علیهم السلام حتى تقنعونا بإمکانها بین الأئمة الربانیین علیهم السلام وأن بعضهم یکید للآخر ویفسقه ویکفره، ویذبحه ذبح الخروف، أو یسمل عینیه ویقطع لسانه ویدیه ورجلیه !!

وثانیاً: لأنهم بإعطاء صفة الإمام من الله تعالى للخلیفة الذی یحبونه، ابتداءً من الخلیفة عمر بن الخطاب .. الى السلطان سلیم العثمانی، یصیرون ملکیین أکثر من الملک، وخلیفیین أکثر من الخلیفة، ویثبتون لهم ما لم یدعه أحد منهم لنفسه!

فلو کان أحدهم إماماً ربانیاً مختاراً من الله تعالى مبشراً به من رسوله .. لعرف نفسه وادعى هو ذلک! حیث لا یمکن أن یکون شخص إماماً وحجة لله على عباده وحاکماً باسمه .. ثم لا یعرف هو نفسه مقامه الإلَهی العظیم !!

ولا نجد أحداً من هؤلاء الخلفاء ادعى أنه إمامٌ من الله تعالى غیر الأئمة من أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله .

وثالثاً: ذکرنا أن النبی صلى الله علیه وآله قال إنهم یکونون من بعده، ولم یقل إنهم یحکمون .. فلماذا یلزمون أنفسهم بالعثور على الأئمة الإثنی عشر الموعودین فی الحکام فقط .. وإذا ألزم الباحث نفسه فی مسألة بما لا یلزم فیها، فقد تورط فیها وأقام فی ورطته!

ورابعاً: إن الذین یعدونهم أئمة ربانیین، مبشراً بهم من رب العالمین، قد ثبت أن أکثرهم قد لعنهم الله تعالى على لسان نبیه صلى الله علیه وآله !!

فهل رأیتم أمةً یحکمها بأمر الله تعالى الملعونون على لسان نبیها؟ !!

وکیف یلعن الله تعالى أشخاصاً ویحکم علیهم بالطرد من رحمته لخبثهم، ثم یختارهم أو یختار من أولادهم أئمةً ربانیین، هداةً لعباده، وحکاماً لبلاده !!





--------------------------------------------------------------------------------

۵۵

فقد ثبت فی مصادر السنیین أن النبی صلى الله علیه وآله قد لعن الحکم وابنه مروان، ونفاهما من المدینة حتى أعادهما عثمان، وأنه رأى أبا سفیان راکباً على جمل یجره معاویة ویقوده ولده الآخر، فلعن الراکب والقائد والسائق ( راجع مجمع الزوائد: ۱|۱۱۳ ) الى آخر هذا البحث الذی لا یتسع له موضوعنا، ولا تتسع له صدور أتباع الأمویین !




ولهذه الأسباب کثرت أقوالهم واحتمالاتهم فی تفسیر الأئمة المبشر بهم، ولعلها زادت عن الثلاثین قولاً..! وکلها معلولة ینقضها الحدیث الشریف، وینقض بعضها بعضاً:

ـ ولعل أقدمها قول ابن حبان الذی نقله عنه فی عون المعبود فی شرح سنن أبی داود: ۱۱| ۳۶۱، قال:

وأما: الخلفاء اثنا عشر، فقد قال جماعة منهم أبو حاتم بن حبان وغیره: إن آخرهم عمر بن عبد العزیز، فذکروا الخلفاء الأربعة، ثم معاویة، ثم یزید ابنه، ثم معاویة بن یزید، ثم مروان بن الحکم، ثم عبد الملک ابنه، ثم الولید بن عبد الملک، ثم سلیمان بن عبد الملک، ثم عمر بن العزیز. وکانت وفاته على رأس المائة. انتهى.

ولکن هذا التفسیر الأموی لابن حبان وجماعته، قد نسخه العلماء الذین جاؤوا من بعدهم وأحبوا العباسیین، فأدخلوا بعضهم فی بشارة النبی صلى الله علیه وآله ، وخذفوا بنی أمیة، کلاً أو بعضاً !

ویلاحظ أن هذا التفسیر حذف اسم الإمام المهدی علیه السلام مع أنه مبشرٌ به بأحادیث صحیحة عندهم، ویشمله قول جده صلى الله علیه وآله ( من بعدی اثنا عشر إماماً ) .

کما حذفوا اسم الإمام الحسن علیه السلام مع أنه بایعه المسلمون ماعدا أهل الشام وحکم ستة أشهر، وقد أثبته السنییون المتأخرون عنهم.

بل کان یجب أن یثبتوا اسمه واسم أخیه الحسین علیهما السلام لأن النبی صلى الله علیه وآله شهد بأنهما إمامان قاما أم قعدا، وشهد بأنهما سیدا شباب أهل الجنة.





--------------------------------------------------------------------------------

۵۶

بینما أثبت هذا التفسیر اسم یزید بن معاویة، وجعله من الأئمة الربانیین الذین بشر بهم النبی صلى الله علیه وآله ، وهی درجةٌ لا یطمع فیها یزید ولا محبوه العقلاء، لأنهم الى الیوم یکافحون لإثبات إسلام یزید، وعدم ارتداده بسبب تصریحاته، وعدم فسقه بسبب جرائمه التی ارتکبها فی کربلاء، وفی استباحة المدینة، وفی هدم الکعبة !

کما عدوا منهم على هذا التفسیر معاویة بن یزید ( معاویة الثانی ) الذی ولوه الخلافة بعد أبیه یزید، فخطب خطبته الأولى والأخیرة، وتبرأ فیها من ظلم أبیه یزید وجده معاویة! وشهد بأن الخلافة حقٌّ شرعی لعلی علیه السلام ، وأن معاویة ظلمه وغصبها منه، ثم عزل نفسه عنها، فقتله بنو أمیة!

فلو کان هذا الشخص من الأئمة الإثنی عشر الربانیین لعرف هو ذلک، وما خلع نفسه وعرَّضها لغضب أسرته الحاکمة الباطشة !

کما أن هذا التفسیر تجاهل حدیث ( سفینة ) الثابت عندهم القائل إن الخلافة ثلاثون سنة، وبعدها الملک العضوض، وقد صححه المحدثون، وأخذ به المفسرون الآخرون .. الى آخر الإشکالات علیه !

ویطول الکلام لو أردنا أن نستقصی محاولات کبار علمائهم تفسیر الحدیث الشریف، ولکن الذی یسهل الأمر أن کلامهم فی ذلک متشابه، وأنه ما زال الى الیوم یدور فی محور التفسیر الأموی !!

وفیما یلی نماذج من تفاسیرهم وما یرد علیها:

ـ قال السیوطی فی تاریخ الخلفاء |۱۰:

قال القاضی عیاض: لعل المراد بالإثنی عشر فی هذه الأحادیث وما شابهها أنهم یکونون فی مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والإجتماع على من یقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فیمن اجتمع علیه الناس الى أن اضطرب أمر بنی أمیة ووقعت بینهم الفتنة، زمن الولید بن یزید، فاتصلت بینهم، الى أن قامت الدولة العباسیة، فاستأصلوا أمرهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۵۷

قال شیخ الإسلام ابن حجر فی شرح البخاری: کلام القاضی عیاض أحسن ما

قیل فی الحدیث وأرجحه، لتأییده بقوله فی بعض طرق الحدیث الصحیحة: کلهم یجتمع علیه الناس.

قلت: وعلى هذا فقد وجد من الإثنا عشر خلیفة: الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاویة، وابن الزبیر، وعمر بن عبد العزیز، هؤلاء ثمانیة.

ویحتمل أن یضم الیهم المهتدی من العباسیین، لأنه فیهم کعمر بن عبد العزیز فی بنی أمیة، وکذلک الظاهر، لما أوتیه من العدل، وبقی الإثنان المنتظران: أحدهما المهدی، لأنه من آل بیت محمد صلى الله علیه وسلم. انتهى.




ولکن السیوطی وابن حجر أخذا بزیادة ( وکلهم تجتمع علیهم الأمة ) التی تقدم أنها لم تثبت، وأن الألبانی الوهابی وغیره قالوا إنها منکرة.

کما أنهما تجاوزا حدیث سفینة الذی صح عندهم، والذی یحدد المدة الزمنیة للخلافة الراشدة بثلاثین سنة! وبذلک یصیر المطلوب لهم أحد عشر حاکماً فی ثلاثین سنة، ویبطل انتقاء أحد من الحکام الأمویین والعباسیین !

مضافاً الى أن نقل السیوطی لکلام عیاض وابن حجر لم یکن دقیقاً مع الأسف! فقد تجاهل کلام ابن حجر الذی عدهم الى الثانی عشر من بنی أمیة، فقال ( والثانی عشر هو الولید بن یزید بن عبد الملک ) بینما أوصلهم السیوطی فی بنی أمیة الى ثمانیة، ووضع فیهم اثنین من خلفاء بنی العباس !! .. والیک فقرات من کلام ابن حجر فی فتح الباری لتعرف الخلل فی نقل السیوطی عنه! قال:

قال ابن بطال عن المهلب: لم ألق أحداً یقطع فی هذا الحدیث یعنی بشىَ معین! فقوم قالوا: یکونون بتوالی إمارتهم.

وقوم قالوا: یکونون فی زمن واحد کلهم یدعی الإمارة !





--------------------------------------------------------------------------------

۵۸

قال: والذی یغلب على الظن أنه علیه الصلاة والسلام أخبر بأعاجیب تکون بعده من الفتن، حتى یفترق الناس فی وقت واحد على اثنی عشر أمیراً !

قال: ولو أراد غیر هذا لقال: یکون اثنا عشر أمیراً یفعلون کذا، فلما أعراهم من الخبر، عرفنا أنه أراد أنهم یکونون فی زمن واحد. انتهى ( أی کلام ابن بطال ) . وهو کلام من لم یقف على شیء من طرق الحدیث غیر الروایة التی وقعت فی البخاری هکذا مختصرة، وقد عرفت من الروایات التی ذکرتها من عند مسلم وغیره أنه ذکر الصفة التی تختص بولایتهم، وهو کون الإسلام عزیزاً منیعاً.

وفی الروایة الأخرى صفة أخرى وهو أن کلهم یجتمع علیه الناس، کما وقع عند أبی داود، فإنه أخرج هذا الحدیث من طریق إسماعیل بن أبی خالد عن أبیه عن جابر بن سمرة بلفظ: لا یزال هذا الدین قائماً حتى یکون علیکم اثنا عشر خلیفة کلهم تجتمع علیه الأمة. وأخرجه الطبرانی من وجه آخر عن الأسود بن سعید عن جابر بن سمرة بلفظ: لا تضرهم عداوة من عاداهم.

وقد لخص القاضی عیاض ذلک فقال: توجه على هذا العدد سؤالان:

أحدهما: أنه یعارضه ظاهر قوله فی حدیث سفینة، یعنی الذی أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان وغیره: الخلافة بعدی ثلاثون سنة ثم تکون ملکاً. الثلاثون سنة لم یکن فیها إلا الخلفاء الأربعة وأیام الحسن بن علی.

والثانی: أنه ولی الخلافة أکثر من هذا العدد.

قال والجواب عن الأول: أنه أراد فی حدیث سفینة: خلافة النبوة، ولم یقیده فی حدیث جابر بن سمرة بذلک.

وعن الثانی: أنه لم یقل لا یلی إلا اثنا عشر، وإنما قال یکون اثنا عشر، وقد ولی هذا العدد، ولا یمنع ذلک الزیادة علیهم.

قال: وهذا إن جعل اللفظ واقعاً على کل من ولی، وإلا فیحتمل أن یکون المراد من یستحق الخلافة من أئمة العدل، وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بد من تمام العدة قبل قیام الساعة.





--------------------------------------------------------------------------------

۵۹

وقد قیل: إنهم یکونون فی زمن واحد یفترق الناس علیهم، وقد وقع فی المائة الخامسة فی الأندلس وحدها ستة أنفس کلهم یتسمى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر، والعباسیة ببغداد، الى من کان یدعى الخلافة فی أقطار الأرض، من العلویة والخوارج.

قال: ویعضد هذا التأویل قوله فی حدیث آخر فی مسلم: ستکون خلفاء فیکثرون.

قال: ویحتمل أن یکون المراد أن یکون الإثنا عشر فی مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والإجتماع على من یقوم بالخلافة، ویؤیده قوله فی بعض الطرق: کلهم تجتمع علیه الأمة، وهذا قد وجد فیما اجتمع علیه الناس الى أن أضطرب أمر بنی أمیة ووقعت بینهم الفتنة زمن الولید بن یزید، فاتصلت بینهم الى أن قامت الدولة العباسیة فاستأصلوا أمرهم. وهذا العدد موجود صحیح إذا اعتبر.

قال: وقد یحتمل وجوهاً أخر .. والله أعلم بمراد نبیه. انتهى. ( أی کلام عیاض )

والإحتمال الذی قبل هذا، وهو اجتماع اثنی عشر فی عصر واحد کلهم یطلب الخلافة، هو الذی اختاره المهلب کما تقدم. وقد ذکرت وجه الرد علیه، ولو لم یرد إلا قوله کلهم یجتمع علیه الناس، فإن فی وجودهم فی عصر واحد یوجد عین الافتراق، فلا یصح أن یکون المراد.

ویؤید ما وقع عند أبی داود: ما أخرجه أحمد والبزار من حدیث بن مسعود بسند حسن، أنه سئل کم یملک هذه الأمة من خلیفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: اثنا عشر کعدة نقباء بنی إسرائیل.

وقال ابن الجوزی فی کشف المشکل: قد أطلت البحث عن معنى هذا الحدیث وتطلبت مظانه، وسألت عنه فلم أقع على المقصود به، لأن ألفاظه مختلفة، ولا أشک أن التخلیط فیها من الرواة، ثم وقع لی فیه شیء وجدت الخطابی بعد ذلک قد أشار الیه، ثم وجدت کلاماً لأبی الحسین بن المنادی وکلاماً لغیره.





--------------------------------------------------------------------------------

۶۰

فأما الوجه الأول، فإنه أشار الى ما یکون بعده وبعد أصحابه، وأن حکم أصحابه مرتبط بحکمه، فأخبر عن الولایات الواقعة بعدهم، فکأنه أشار بذلک الى عدد الخلفاء من بنی أمیة، وکأن قوله: لا یزال الدین أی الولایة الى أن یلی اثنا عشر خلیفة، ثم ینتقل الى صفة أخرى أشد من الأولى.

وأول بنی أمیة یزید بن معاویة، وآخرهم مروان الحمار، وعدتهم ثلاثة عشر، ولا یعد عثمان ومعاویة ولا ابن الزبیر، لکونهم صحابة! فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحکم للاختلاف فی صحبته، أو لأنه کان متغلباً بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبیر، صحت العدة.

وعند خروج الخلافة من بنی أمیة وقعت الفتن العظیمة والملاحم الکثیرة، حتى استقرت دولة بنی العباس، فتغیرت الأحوال عما کانت علیه تغیراً بیناً.

قال: ویؤید هذا ما أخرجه أبو داود من حدیث بن مسعود رفعه: تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثین أو ست وثلاثین أو سبع وثلاثین، فإن هلکوا فسبیل من هلک، وإن یقم لهم دینهم یقم لهم سبعین عاماً. ( لا أعرف من صححه غیر الألبانی )

قلت: لکن یعکر علیه أن من استقرار الملک لبنی أمیة عند اجتماع الناس على معاویة سنة إحدى وأربعین، الى أن زالت دولة بنی أمیة فقتل مروان بن محمد فی أوائل سنة اثنتین وثلاثین ومائة، أزید من تسعین سنة .. .

قال: وأما الوجه الثانی فقال أبو الحسین بن المنادی فی الجزء الذی جمعه فی المهدی: یحتمل فی معنى حدیث: یکون اثنا عشر خلیفة، أن یکون هذا بعد المهدی الذی یخرج فی آخر الزمان، فقد وجدت فی کتاب دانیال: إذا مات المهدی ملک بعده خمسة رجال من ولد السبط الأکبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم یوصی آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأکبر، ثم یملک بعده ولده، فیتم بذلک اثنا عشر ملکاً، کل واحد منهم إمام مهدی.

قال ابن المنادی: وفی روایة أبی صالح عن بن عباس: المهدی اسمه محمد بن





--------------------------------------------------------------------------------

۶۱

عبد الله، وهو رجل ربعة مشرب بحمرة، یفرج الله به عن هذه الأمة کل کرب ویصرف بعدله کل جور، ثم یلی الأمر بعده اثنا عشر رجلاً، ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسین، وآخر من غیرهم، ثم یموت فیفسد الزمان.

وعن کعب الأحبار: یکون اثنا عشر مهدیاً، ثم ینزل روح الله فیقتل الدجال.

قال: والوجه الثالث: أن المراد وجود اثنی عشر خلیفة فی جمیع مدة الإسلام الى یوم القیامة، یعملون بالحق وإن لم تتوال أیامهم.

ویؤیده ما أخرجه مسدد فی مسنده الکبیر، من طریق أبی بحر أن أبا الجلد حدثه أنه لا تهلک هذه الأمة حتى یکون منها اثنا عشر خلیفة کلهم یعمل بالهدى ودین الحق، منهم رجلان من أهل بیت محمد، یعیش أحدهما أربعین سنة والآخر ثلاثین سنة. وعلى هذا فالمراد بقوله: ثم یکون الهرج، أی الفتن المؤذنه بقیام الساعة، من خروج الدجال ثم یأجوج ومأجوج الى أن تنقضی الدنیا. انتهى کلام بن الجوزی ملخصاً بزیادات یسیرة. ( وتابع ابن حجر: )

والوجهان الأول والآخر قد اشتمل علیهما کلام القاضی عیاض، فکأنه ما وقف علیه، بدلیل أن فی کلامه زیادة لم یشتمل علیها کلامه.

وینتظم من مجموع ما ذکراه أوجه، أرجحها الثالث من أوجه القاضی لتأییده

بقوله فی بعض طرق الحدیث الصحیحة: کلهم یجتمع علیه الناس.

وإیضاح ذلک أن المراد بالإجتماع انقیادهم لبیعته. والذی وقع أن الناس اجتمعوا على أبی بکر ثم عمر ثم عثمان ثم علی، الى أن وقع أمر الحکمین فی صفین فسمى معاویة یومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاویة عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده یزید، ولم ینتظم للحسین أمر بل قتل قبل ذلک، ثم لما مات یزید وقع الإختلاف، الى أن اجتمعوا على عبد الملک بن مروان بعد قتل بن الزبیر، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الولید ثم سلیمان ثم یزید ثم هشام، وتخلل بین سلیمان ویزید عمر بن عبد العزیز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدین. والثانی




--------------------------------------------------------------------------------

۶۲

عشر هو الولید بن یزید بن عبد الملک، واجتمع الناس علیه لما مات عمه هشام فولی نحو أربع سنین، ثم قاموا علیه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغیرت الأحوال من یومئذ، ولم یتفق أن یجتمع الناس على خلیفة بعد ذلک، لأن یزید بن الولید الذی قام على بن عمه الولید بن یزید لم تطل مدته، بل ثار علیه قبل أن یموت ابن عم أبیه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات یزید ولی أخوه إبراهیم فغلبه مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس، الى أن قتل.

ثم کان أول خلفاء بنی العباس أبو العباس السفاح، ولم تطل مدته، مع کثرة من ثار علیه، ثم ولی أخوه المنصور فطالت مدته، لکن خرج عنهم المغرب الأقصى باستیلاء المروانیین على الأندلس، واستمرت فی أیدیهم متغلبین علیها الى أن تسموا بالخلافة بعد ذلک، وانفرط الأمر فی جمیع أقطار الأرض، الى أن لم یبق من الخلافة إلا الإسم فی بعض البلاد، بعد أن کانوا فی أیام بنی عبد الملک بن مروان یخطب للخلیفة فی جمیع أقطار الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً ویمیناً مما غلب علیه المسلمون، ولا یتولى أحد فی بلد من البلاد کلها الإمارة على شیء منها إلا بأمر الخلیفة. ومن نظر فی أخبارهم عرف صحة ذلک.

فعلى هذا یکون المراد بقوله: ثم یکون الهرج، یعنی القتل الناشیء عن الفتن وقوعاً فاشیاً یفشو ویستمر ویزداد على مدى الأیام، وکذا کان. والله المستعان.

والوجه الذی ذکره بن المنادی لیس بواضح، ویعکر علیه ما أخرجه الطبرانی من طریق قیس بن جابر الصدفی عن أبیه عن جده رفعه: سیکون من بعدی خلفاء ثم من بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوک، ومن بعد الملوک جبابرة، ثم یخرج رجل من أهل بیتی یملأ الأرض عدلاً کما ملئت جوراً، ثم یؤمر القطحانی فوالذی بعثنی بالحق ما هو دونه. فهذا یرد على ما نقله بن المنادی من کتاب دانیال.

وأما ما ذکره عن أبی صالح فواهٍ جداً، وکذا عن کعب ....

فالأولى أن یحمل قوله: یکون بعدی اثنا عشر خلیفة، على حقیقة البعدیة فإن





--------------------------------------------------------------------------------

۶۳

جمیع من ولی الخلافة من الصدیق الى عمر بن عبد العزیز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لم تصح ولایتهما، ولم تطل مدتهما، وهما معاویة بن یزید ومروان بن الحکم، والباقون اثنا عشر نفساً على الولاء، کما أخبر صلى الله علیه وسلم، وکانت وفاة عمر بن عبد العزیز سنة إحدى ومائة، وتغیرت الأحوال بعده، وانقضى القرن الأول الذی هو خیر القرون.

ولا یقدح فی ذلک قوله: یجتمع علیهم الناس، لأنه یحمل على الأکثر الأغلب، لأن هذه الصفة لم تفقد منهم إلا فی الحسن بن علی وعبد الله بن الزبیر، مع صحة ولایتهما، والحکم بأن من خالفهما لم یثبت استحقاقه إلا بعد تسلیم الحسن، وبعد قتل بن الزبیر. والله أعلم.

وکانت الأمور فی غالب أزمنة هؤلاء الإثنی عشر منتظمة، وإن وجد فی بعض مدتهم خلاف ذلک فهو بالنسبة الى الإستقامة نادر. والله أعلم.

وقد تکلم ابن حبان على معنى حدیث تدور رحى الإسلام، فقال: المراد بقوله: تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثین أو ست وثلاثین، انتقال أمر الخلافة الى بنی أمیة وذلک أن قیام معاویة عن علی بصفین حتى وقع التحکیم، هو مبدأ مشارکة بنی أمیة ثم استمر الأمر فی بنی أمیة من یومئذ سبعین سنة، فکان أول ماظهرت دعاة بنی العباس بخراسان سنة ست ومائة، وساق ذلک بعبارة طویلة، علیه فیها مؤاخذات کثیرة، أولها دعواه أن قصة الحکمین کانت فی أواخر سنة ست وثلاثین، وهو خلاف ما اتفق علیه أصحاب الأخبار، فإنها کانت بعد وقعة صفین بعدة أشهر، وکانت سنة سبع وثلاثین. والذی قدمته أولى بأن یحمل الحدیث علیه. والله أعلم. انتهى.




وقد رأیت أن ما اختاره ابن حجر غیر ما نسبه الیه السیوطی ..

ورأیت تحیرهم جمیعاً وکثرة احتمالاتهم، وتضاربها! وأن أکثرهم أخذوا زیادة




--------------------------------------------------------------------------------

۶۴

( تجتمع علیه الأمة ) محوراً لتفسیرهم، مع أنها لم تثبت واستنکرها عدد منهم ورأیت أن القاضی عیاض لم یجزم بشىَ، بل ذکر وجوهاً عدیدة بکلمة قیل ویحتمل .. وأن ابن حجر رجح الإحتمال الثالث منها، فقال ( وینتظم من مجموع ما ذکراه أوجهٌ أرجحها الثالث من أوجه القاضی ) .

والنتیجة التی یخرج منها القارىء لتفاسیرهم: أنهم یضیعون علیه الحدیث الذی أرادوا أن یفسروه، وهو حدیث صحیحٌ عندهم صریحٌ بالبشارة النبویة باثنی عشر إماماً ربانیین، هداةٍ مهدیین، قیمین على الأمة، ولکنهم یصرون على تلبیس الحدیث لحکام بنی أمیة، وعلى خلطه بزیادةٍ وأحادیث غیر ثابتة، لا یستقیم لها معنى، ولا أثر فیها للبلاغة النبویة !!




وإذا أردت مزیداً من الأمثلة على ضیاعهم فاقرأ عون المعبود ۱۱|۳۶۲ ـ ۳۶۴:

قال: بعض المحققین: قد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قیام الساعة. وقیل: إنهم یکونون فی زمانٍ واحد یفترق الناس علیهم.

وقال التوربشتی: السبیل فی هذا الحدیث وما یعتقبه فی هذا المعنى، أن یحمل على المقسطین منهم، فإنهم المستحقون لاسم الخلیفة على الحقیقة، ولا یلزم أن یکونوا على الولاء.

وإن قدر أنهم على الولاء، فإن المراد منه المسمون على المجاز! کذا فی المرقاة.

وقال الشیخ الأجل ولی الله المحدث فی قرة العینین فی تفضیل الشیخین: وقد استشکل فی حدیث: لا یزال هذا الدین ظاهراً الى أن یبعث الله اثنی عشر خلیفةً کلهم من قریش، ووجه الإستشکال: أن هذا الحدیث ناظرٌ الى مذهب الإثنی عشریة الذین أثبتوا اثنی عشر إماماً.

والأصل أن کلامه صلى الله علیه وآله بمنزلة القرآن یفسر بعضه بعضاً، فقد ثبت من حدیث عبد





--------------------------------------------------------------------------------

۶۵

الله بن مسعود: تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثین سنة، أو ست وثلاثین سنة، أو سبع وثلاثین سنة، فإن یهلکوا فسبیل من قد هلک، وإن یقم لهم دینهم، یقیم سبعین سنة مما مضى.

وقد وقعت أغلاطٌ کثیرةٌ فی بیان معنى هذا الحدیث، ونحن نقول ما فهمناه على وجه التحقیق:

إن ابتداء هذه المدة من ابتداء الجهاد فی السنة الثانیة من الهجرة .. .!!

وقد وقع ما أخبر به النبی صلى الله علیه وسلم، ففی سنة خمس وثلاثین من ابتداء الجهاد وقعت حادثة قتل ذی النورین وتفرق المسلمین ....

ولکن الله تعالى بعد ذلک جعل أمر الخلافة منتظماً، وأمضى الجهاد الى ظهور بنی العباس، وتلاشی دولة بنی أمیة .. .

فتارةً أخبر النبی صلى الله علیه وسلم عن خلافة النبوة، وخصصه بثلاثین سنة، والتی بعدهم عبرها بملکٍ عضوضٍ، وتارة عن خلافة النبوة، والتی تتصل بها کلیهما معاً، وعبرها باثنی عشر خلیفة .. .

فالتحقیق فی هذه المسألة: أن یُعتبروا بمعاویة وعبد الملک وبنیه الأربع ( کذا ) وعمر بن عبد العزیز، وولید بن یزید بن عبد الملک، بعد الخلفاء الأربعة الراشدین.

وقد نقل عن الإمام مالک أن عبد الله بن الزبیر أحق بالخلافة من مخالفیه، ولنا فیه نظر، فإن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضی الله عنهما قد ذکرا عن النبی صلى الله علیه وسلم ما یدل على أن تسلط ابن الزبیر واستحلال الحرم به مصیبةٌ من مصائب الأمة، أخرج حدیثهما أحمد عن قیس بن أبی حازم قال: جاء ابن الزبیر الى عمر بن الخطاب یستأذنه فی الغزو، فقال عمر: أجلس فی بیتک فقد غزوت مع رسول الله صلى الله علیه وسلم. قال فرد ذلک علیه، فقال له عمر: فی الثالثة أو التی تلیها: أقعد فی بیتک، والله إنی لأجد بطرف المدینة منک وأصحابک أن تخرجوا فتفسدوا علی أصحاب محمد صلى الله علیه وسلم. وأخرجه الحاکم.





--------------------------------------------------------------------------------

۶۶

فمن لفظه بطرف المدینة، یفهم أن واقعة الجمل غیر مراد ها هنا، بل المراد خروجه للخلافة، والى هذا المعنى قد أشار علی رضی الله عنه فی قصة جواب الحسن رضی الله عنه ، ولم ینتظم أمر الخلافة علیه.

ویزید بن معاویة ساقطٌ من هذا البین، لعدم استقراره مدة یعتد بها، وسوء سیرته. والله أعلم. انتهى.

وأنت ترى أن صاحب قرة العینین اعترف بأن ملک بنی أمیة ملکٌ عضوضٌ، وأن خلافتهم لیست خلافة نبوة .. ومع ذلک فسر بهم الحدیث، وطبق علیهم البشارة النبویة بالائمة الإثنی عشر الربانیین القیمین بأمر الله تعالى على أمة نبیه !

کما ترى أنه حذف منهم الإمام الحسن والإمام المهدی علیهم السلام ، وحذف ابن الزبیر الذی أثبته الإمام مالک وآخرون .. . الخ. !

وهو مع ذلک ینتقد الذین غلطوا فی تفسیره فیقول ( وقد وقعت أغلاطٌ کثیرةٌ فی بیان معنى هذا الحدیث ) ووعد الناس بأن یرفع المعضلة، ویحل المشکلة !!

ثم اقرأ ما قاله ابن کثیر فی البدایة والنهایة: ۳|۲۴۸ :

ذکر الأخبار عن الأئمة الإثنی عشر الذین کلهم من قریش. ولیسوا بالإثنی عشر الذین یدعون إمامتهم الرافضة، فإن هؤلاء الذین یزعمون لم یل أمور الناس منهم إلا علی بن أبی طالب وابنه الحسن، وآخرهم فی زعمهم المهدی المنتظر بسرداب سامرا، ولیس له وجودٌ ولا عین ولا أثر.

بل هؤلاء الأئمة الإثنا عشر المخبر عنهم فی الحدیث: الأئمة الأربعة أبو بکر وعمر وعثمان وعلی رضی الله عنهم، وعمر بن عبد العزیز بلا خلاف بین الأئمة على کلا القولین لأهل السنة فی تفسیر الإثنی عشر. انتهى.

ولعله یقصد بالقولین القول بتتابعهم زمنیاً، وعدمه، ولکنهما وجهان فی کل واحد منهما عددٌ من الأقوال .. وقد ذکر هو جملةً منها، ثم أشار ابن کثیر الى




--------------------------------------------------------------------------------

۶۷

الإحتمالات، ورکز منها على مناقشة البیهقی فقال: فهذا الذی سلکه البیهقی وقد وافقه علیه جماعة من أن المراد بالخلفاء الإثنی عشر المذکورین فی هذا الحدیث، هم المتتابعون الى زمن الولید بن یزید بن عبد الملک الفاسق، الذی قدمنا الحدیث فیه بالذم والوعید، فإنه مسلکٌ فیه نظر، وبیان ذلک: أن الخلفاء الى زمن الولید بن یزید هذا أکثر من اثنی عشر على کل تقدیر، وبرهانه أن الخلفاء الأربعة أبو بکر وعمر وعثمان وعلی خلافتهم محققة بنص حدیث سفینة:

الخلافة بعدی ثلاثون سنة. ثم بعدهم الحسن بن علی کما وقع، لأن علیاً أوصى الیه وبایعه أهل العراق، ورکب ورکبوا معه لقتال أهل الشام، حتى اصطلح هو ومعاویة کما دل علیه حدیث أبی بکرة، فی صحیح البخاری. ثم معاویة، ثم ابنه یزید بن معاویة، ثم ابنه معاویة بن یزید، ثم مروان بن الحکم، ثم ابنه عبد الملک بن مروان ثم ابنه الولید بن عبد الملک، فهؤلاء خمسة عشر، ثم الولید بن یزید بن عبد الملک.

فإن اعتبرنا ولایة الزبیر قبل عبد الملک صاروا ستة عشر، وعلى کل تقدیر فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزیز، فهذا الذی سلکه على هذا التقدیر یدخل فی الإثنی عشر یزید بن معاویة، ویخرج منهم عمر بن عبد العزیز، الذی أطبق الأئمة على شکره وعلى مدحه، وعدُّوه من الخلفاء الراشدین، وأجمع الناس قاطبةً على عدله وأن أیامه کانت من أعدل الأیام، حتى الرافضة یعترفون بذلک.

فإن قال: أنا لا أعتبر إلا من اجتمعت الأمة علیه، لزمه على هذا القول أن لا یعد علی بن أبی طالب ولا ابنه، لأن الناس لم یجتمعوا علیهما، وذلک أن أهل الشام بکمالهم لم یبایعوهما، وعدَّ معاویة وابنه یزید وابن ابنه معاویة بن یزید، ولم یقید بأیام مروان ولا ابن الزبیر، فإن الأمة لم تجتمع على واحد منهما.

فعلى هذا نقول فی مسلکه هذا عاداً للخلفاء أبی بکر وعمر وعثمان ثم معاویة ثم یزید بن معاویة ثم عبد الملک ثم الولید بن سلیمان ثم عمر بن عبد العزیز ثم یزید ثم هشام، فهؤلاء عشرة، ثم من بعدهم الولید بن یزید بن عبد الملک الفاسق، ولکن




--------------------------------------------------------------------------------

۶۸

هذا لا یمکن أن یسلک، لأنه یلزم منه إخراج علی وابنه الحسن من هؤلاء الإثنی عشر، وهو خلاف ما نص علیه أئمة السنة، بل والشیعة، ثم هو خلاف ما دل علیه نصاً حدیث سفینة عن رسول الله أنه قال: الخلافة بعدی ثلاثون سنة، ثم تکون ملکاً عضوضاً. وقد ذکر سفینة تفصیل هذه الثلاثین سنة فجمعها من خلافة الأربعة، وقد بینا دخول خلافة الحسن، وکانت نحواً من ستة أشهر فیها أیضاً، ثم صار الملک الى معاویة لما سلم الأمر الیه الحسن بن علی.

وهذا الحدیث فیه المنع من تسمیة معاویة خلیفة، وبیان أن الخلافة قط انقطعت بعد الثلاثین سنة لا مطلقاً، بل انقطع تتابعها، ولا ینفی وجود خلفاء راشدین بعد ذلک، کما دل علیه حدیث جابر بن سمرة.

وقال نعیم بن حماد: حدثنا راشد بن سعد، عن ابن لهیعة، عن خالد بن أبی عمران، عن حذیفة بن الیمان قال: یکون بعد عثمان اثنا عشر ملکاً من بنی أمیة، قیل له: خلفاء؟ قال: لا، بل ملوک.

وقد روى البیهقی من حدیث حاتم بن صفرة، عن أبی بحر قال: کان أبو الجلد جاراً لی، فسمعته یقول یحلف علیه: إن هذه الأمة لن تهلک حتى یکون فیها اثنا عشر خلیفة کلهم یعمل بالهدى ودین الحق، منهم رجلان من أهل البیت، أحدهما یعیش أربعین سنة، والآخر ثلاثین سنة.

ثم شرع البیهقی فی رد ما قاله أبو الجلد بما لا یحصل به الرد، وهذا عجیب منه !

وقد وافق أبا الجلد طائفةٌ من العلماء، ولعل قوله أرجح لما ذکرنا.

وقد کان ینظر فی شیء من الکتب المتقدمة، وفی التوراة التی بأیدی أهل الکتاب ما معناه: إن الله تعالى بشر ابراهیم بإسماعیل، وأنه ینمیه ویکثره ویجعل من ذریته اثنی عشر عظیماً. انتهى.

ویقصد ابن کثیر ما هو موجود فی التوراة الفعلیة ـ العهد القدیم والجدید ۱|۲۵ ـ طبعة مجمع الکنائس الشرقیة ـ فی سفر التکوین، الإصحاح السابع عشر، قال:





--------------------------------------------------------------------------------

۶۹

۱۸ ـ وقال ابراهیم لله لیت اسماعیل یعیش أمامک.

۱۹ ـ فقال الله: بل سارة امرأتک تلد لک ابناً وتدعو اسمه اسحق، وأقیم عهدی معه عهداً أبدیاً، لنسله من بعده.

۲۰ ـ وأما اسماعیل فقد سمعت لک فیه، ها أنا أبارکه وأثمره، وأکثره کثیراً جداً. اثنی عشر رئیساً یلد، وأجعله أمة کبیرة.

۲۱ ـ ولکن عهدی أقیمه مع اسحق، الذی تلده لک سارة فی هذا الوقت، فی السنة الآتیة. انتهى.

وقد وردت ترجمتها عن کعب الأحبار ( قیماً ) وترجمها بعضهم ( إماماً ) ..

فالنص موجودٌ فی التوراة، وفی مصادر السنة، والشیعة، وهو مؤیدٌ لبشارة نبینا صلى الله علیه وآله ، ولکنه لا یحل مشکلة المفسرین السنیین، بل یزیدها !




ومن أعقل هؤلاء الشراح وأکثرهم إنصافاً فی هذا الموضوع: ابن العربی المالکی المتوفى سنة ۵۴۳، فقد اعترف فی عارضة الأحوذی بشرح صحیح الترمذی بأن تطبیق الحدیث على هؤلاء یصل الى طریق مسدود، ورجح أن یکون الحدیث ناقصاً لأن الموجود منه لا یفهم له معنى .. قال:

روى أبو عیسى عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: یکون بعدی اثنا عشر أمیراً کلهم من قریش. صحیح.

فعددنا بعد رسول الله صلى الله علیه وسلم اثنی عشر أمیراً فوجدنا: أبا بکر، عمر، عثمان، علی، الحسن، معاویة، یزید، معاویة بن یزید، مروان، عبد الملک، مروان بن محمد بن مروان، السفاح، المنصور، المهدی، الهادی، الرشید، الامین،المأمون، المعتصم، الواثق، المتوکل، المنتصر، المستعین، المعتز، المهتدی، المعتضد، المکتفی، المقتدر، القاهر، الراضی، المتقی، المستکفی




--------------------------------------------------------------------------------

۷۰

المطیع، الطائع، القادر، القائم، المقتدی، أدرکته سنة أربع وثمانین وأربعمائة وعهد الى المستظهر أحمد ابنه، وتوفی فی المحرم سنة ست وثمانین، ثم بایع المستظهر لابنه أبی منصور الفضل، وخرجت عنهم سنة خمس وتسعین.

وإذا عددنا منهم اثنی عشر انتهى العدد بالصورة الى سلیمان بن عبد الملک.

وإذا عددناهم بالمعنى، کان معنا منهم خمسة: الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزیز، ولم أعلم للحدیث معنى، ولعله بعض حدیث !! انتهى.




وقد اتضح أن المفسرین السنیین بذلوا کل جهدهم لتفسیر هؤلاء الأئمة الإثنی عشر الموعودین فی التوراة على لسان ابراهیم، ثم على لسان نبینا صلى الله علیه وآله ، على ملوک بنی أمیة، ولکنهم واجهوا ثلاثة مشاکل أساسیة لا حل لها:

الأولى: زیادة عدد هؤلاء ( الخلفاء ) الذین یعترفون بأنهم لیسوا خلفاء النبی صلى الله علیه وآله بل خلفاء الهواء! على الإثنی عشر، الأمر الذی یدخلهم فی بوابة الحذف والإثبات التی لا ضابط لها، ولا آخر !

والثانیة: أنهم یشعرون أن هذا الثوب الالَهی لایمکن إلباسه لجماعتهم .. وأنهم مهما دافعوا عن سیرة هؤلاء ( الخلفاء غیر الخلفاء ) وتستروا على تاریخهم، ففیهم مفضوحون، لابد من الإعتراف بسوئهم، ولا یمکن أن یکون أحدهم إماماً ربانیاً، وقیماً عظیماً على الأمة، موعوداً من الله تعالى على لسان أعظم الأنبیاء علیهم السلام.

والثالثة: أنهم بهذا التفسیر یدعون لهؤلاء الملوک منصباً ربانیاً لم یدعوه هم لأنفسهم! فیصیرون بذلک کمن یدعی نبوة لنبیٍّ، والنبی المزعوم ینکرها !!

وأخیراً، فقد نصح المفسرون السنیون أتباعهم أن لا یأخذوا بتفسیر الشیعة، ووعدوهم بأن یفسروا لهم الحدیث الشریف بأصح من تفسیر الشیعة، وقد رأینا أنهم داروا فی تفسیره کثیراً، وراوحوا مکانهم ..





--------------------------------------------------------------------------------

۷۱

فمن حق السنی أن یعود على بدء، ویسألهم عن تفسیر حدیث نبیه صلى الله علیه وآله الصحیح وبشارته القطعیة باثنی عشر إماماً، ربانیاً، ملهماً، ممیزاً بعلمه وشخصیته وسلوکه، قیماً من ربه على الأمة .. یکونون جمیعاً على هدىً واحد، وخطٍ واحد ..

ومن حقنا أن نقول لهم: إذا لم تفسروه، فاعذرونا أن نفسره بالأئمة من أهل بیت النبی وعترته الطاهرین صلى الله علیه وآله ، وأولهم علی علیه السلام وآخرهم المهدی الموعود علیه السلام ، وقد قال النبی صلى الله علیه وآله : بنا بدأ الله وبنا یختم.




تورط الشراح فی حدیث سفینة



سفینة مولى أم سلمة، وثقه علماء الجرح والتعدیل السنیون، وروى عنه البخاری وغیره من أصحاب الصحاح حدیثاً یتعلق بالموضوع وصححوه.

ـ قال الترمذی: ۳|۳۴۱

عن سعید بن جمهان قال حدثنی سفینة قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: الخلافة فی أمتی ثلاثون سنة، ثم ملک بعد ذلک ( عضوضٌ ) .

ثم قال لی سفینة: أمسک علیک خلافة أبی بکر، ثم قال وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم قال أمسک خلافة علی، فوجدناها ثلاثین سنة.

قال سعید: فقلت له: إن بنی أمیة یزعمون أن الخلافة فیهم؟

قال: کذب بنو الزرقاء، بل هم ملوکٌ من شر الملوک.

وفی الباب عن عمر وعلی قالا: لم یعهد النبی صلى الله علیه وسلم فی الخلافة شیئاً . هذا حدیث حسن، قد رواه غیر واحد عن سعید بن جمهان، لا نعرفه إلا من حدیثه. انتهى. ورواه أحمد فی مسنده: ۵|۲۲۰، و۲۲۱، بدون کلام سفینة عن ملوک بنی أمیة. وقال عنه الحاکم: ۳|۷۱ وقد أسندت هذه الروایات بإسناد صحیح مرفوعاً الى النبی ۹. انتهى.

ـ ورواه ابن کثیر فی البدایة والنهایة: ۳|۱۹۸ ثم روى بعده عن عبد الرحمن أبی بکرة قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: خلافة نبوة ثلاثون عاماً، ثم




--------------------------------------------------------------------------------

۷۲

یؤتی الله ملکه من یشاء، فقال معاویة: رضینا بالملک!!. انتهى.

وإذا صح حدیث سفینة فهو إخبارٌ نبویٌّ عن انحراف الأمة بعد الثلاثین سنة، وعدم شرعیة الحکم فیها.

وبما أن عدد الحکام فی هذه الفترة لم یزیدوا عن خمسة، فلا بد أن یکون الأئمة الإثنا عشر من غیر الحاکمین، أو تکون تکملتهم من غیرهم !

فحدیث سفینة یحکم بخطأ جعل الأئمة الإثنی عشر من الحکام، کما هو واضح.

ولکن أکثر الشراح أشربوا فی قلوبهم حب بنی أمیة، وارتکبوا کل تناقض لجعل ملکهم العضوض إمامةً ربانیة، وجعل حکامهم المعروفین بسلوکهم وبطشهم، أئمةً ربانیین، مبشراً بهم على لسان رسول رب العالمین !!

والذی یزیدک اطمئناناً بما قلناه، أنهم قبلوا حدیث سفینة ( الخلافة ثلاثون سنة ) وقد فسره راویه ونفى الخلافة عن بنی أمیة، وقال إنهم ملوکٌ شر ملوک!

ومع ذلک جعلوهم أئمة ربانیین، اختارهم الله تعالى لقیادة هذه الأمة !

ومنهم من حاول نفی تفسیر سفینة وقال إنه زیادةٌ لم تثبت، مثل الألبانی! وکذلک لم یثبت عندهم کل ما فی تاریخ بنی أمیة من ظلمٍ عضوضٍ للناس !!

ـ قال العینی فی عمدة القاری: ۱۶|۷۴

فإن قلت: یعارض حدیث سفینة ما رواه مسلم من حدیث جابر بن سمرة: لا یزال هذا الدین قائماً ما کان اثنا عشر خلیفة کلهم من قریش، الحدیث.

قلت: قیل إن الدین لم یزل قائماً حتى ولی اثنا عشر خلیفة کلهم من قریش، وأراد بهذا خلافة النبوة، ولم یرد أنه لا یوجد غیرهم.

وقیل: هذا الحدیث فیه إشارة بوجود اثنی عشر خلیفة عادلین من قریش، وإن لم یوجدوا على الولاء ، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة فی ثلاثین سنة، ثم قد کان بعد ذلک خلفاء راشدون منهم عمر بن عبد العزیز، ومنهم المهتدی بأمر الله العباسی، ومنهم المهدی المبشر بوجوده فی آخر الزمان. انتهى.

فانظر الى هذا التصرف بالألفاظ من أجل مصلحة الأمویین، حیث جعل الخلافة الشرعیة نوعین: خلافة نبوة وهی التی کانت لمدة ثلاثین سنة، وخلافةً شرعیة لیست خلافة عن النبی صلى الله علیه وآله ! بل هی خلافةٌ عن بنی تبعٍ وبنی حِمْیءر مثلاً، وهی التی امتدت بعد الثلاثین، وهی التی بشر بها النبی صلى الله علیه وآله بقوله: اثنا عشر خلیفة أو إماماً !! .

وقد تمسک الشراح المحبون لبنی أمیة بهذا الإبتکار وفرحوا به، لأنه یبقی لهم إمکانیة التلاعب بالحدیث، وتفسیره بأئمتهم الربانیین من بنی أمیة !!

ـ قال ابن کثیر فی البدایة والنهایة: ۳|۱۹۸

فإن قیل: فما وجه الجمع بین حدیث سفینة هذا، وبین حدیث جابر بن سمرة، المتقدم فی صحیح مسلم؟ ...

فالجواب: أن من الناس من قال: إن الدین لم یزل قائماً حتى ولی اثنا عشر خلیفة ثم وقع تخبیطٌ بعدهم فی زمان بنی أمیة.

وقال آخرون: بل هذا الحدیث فیه بشارةٌ بوجود اثنی عشر خلیفة عادلاً من قریش، وإن لم یوجدوا على الولاء ( التتابع ) وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة فی ثلاثین سنة، ثم کانت بعد ذلک خلفاء راشدون فیهم عمر بن عبد العزیز بن مروان بن الحکم الأموی رضی الله عنه وقد نص على خلافته وعدله وکونه من الخلفاء الراشدین غیر واحد من الأئمة، حتى قال أحمد بن حنبل رضی الله عنه : لیس قول أحد من التابعین حجة إلا قول عمر بن عبد العزیز!

ومنهم من ذکر من هؤلاء المهدی بأمر الله العباسی.

والمهدی المبشر بوجوده فی آخر الزمان منهم أیضاً بالنص على کونه من أهل البیت، واسمه محمد بن عبد الله، ولیس بالمنتظر فی سرداب سامرا، فإن ذاک لیس بموجود بالکلیة، وإنما ینتظره الجهلة من الروافض. انتهى.

فترى أن ابن کثیر لا جواب عنده على إشکال حدیث سفینة، ولذلک قال: من الناس من قال. . وقال آخرون. . ومنهم من ذکر! ولیته أکمل الروایة عن سفینة کما




--------------------------------------------------------------------------------

۷۴

وردت فی مصادرهم!

أما مدحه لعمر بن عبد العزیز أو المهدی العباسی، فلا یصیر دلیلاً على أنه أحد الأئمة الربانیین المبشر بهم مهما کثر! وإلا لاستحق کل ممدوح مثلهما أن یکون منهم! فإن دخول أحدٍ فی عداد أشخاصٍ بشر بهم أنبیاء الله تعالى یحتاج الى دلیل على أنه مقصودٌ بهذا النص، وأنه واحدٌ من هؤلاء الربانیین الذین أختارهم الله تعالى وأعطاهم مقاماً فوق مدح المادحین من البشر!

وأما تکراره اتهام الشیعة بانتظار ظهور المهدی من سرداب سامرا، من المکذوبات علینا، فنحن ننتظر ظهور المهدی علیه السلام من مکة کما ینتظره هو، وسرداب سامرا بیته وبیت أبیه وجده علیهم السلام ، وهو مکانٌ مبارکٌ، نصلی فیه ونتبرک به.

ـ وقال فی هامش عون المعبود: ۱۱|۳۶۱

ذکر الشیخ ابن القیم رحمه الله ... حدیث: الخلافة بعد وثلاثون سنة، وحدیث اثنا عشر خلیفة، ثم قال: فإن قیل: فکیف الجمع؟

قیل: لا تعارض بین الحدیثین، فإن الخلافة المقدرة بثلاثین سنة هی خلافة النبوة کما فی حدیث أبی بکرة. انتهى.

ولم یقل ابن قیم ولا غیره إذا لم تکن خلافة بنی أمیة خلافة نبوة فهی خلافة ماذا یاترى؟ ؟ وهل تبقى لها صفة إسلامیةٌ وربانیة، بعد أن وصفها النبی صلى الله علیه وآله بأنها ملکٌ عضوضٌ، کما اعترف صاحب قرة العینین وغیره!

وهل یعنی إقرارهم بأنها ملک عضوض، ونفیهم عنها صفة الخلافة الإسلامیة، إلا أنها خلافةٌ جاهلیةٌ عضوضة؟ فهل یتصور عاقلٌ أن الله تعالى ورسوله صلى الله علیه وآله یبشران الأمة بأئمة جاهلیین، یعضونها بظلمهم؟ !

ولو أن ابن حبان وابن حجر وابن قیم وصاحب قرة العینین وأمثالهم. . اکتفوا بتعصبهم لبنی أمیة، لکان خطبهم أسهل، ولکنهم مع الأسف أصروا على تسخیر الأحادیث النبویة لنصرتهم، وتطبیق بشائر الأنبیاء علیهم السلام على ملوکهم !!





--------------------------------------------------------------------------------

۷۵

ومن طریف عمل الألبانی فی الحدیث، أنه صحح عدة أحادیث عن الإنحراف والأئمة المضلین، الذین سیحکمون بعد النبی صلى الله علیه وآله ، ومنها حدیث برقم ۲۹۸۲ ( إن من أصحابی من لا یرانی بعد أن أفارقه! ) .

وحدیث برقم ۲۸۶۴ ( إنه سیلی أمورکم من بعدی رجالٌ یطفئون السنة ویحدثون بدعة ) .

وحدیث برقم ۲۸۶۵ ( إنی ممسکٌ بحجزتکم عن النار، وتقاحمون فیها تقاحم الفراش والجنادب، ویوشک أن أرسل حجزتکم ... ) الخ.

وحدیث برقم ۱۷۴۹ أول من یغیر سنتی رجلٌ من بنی أمیة. وجعل هذا الحدیث الأخیر تحت عنوان من أعلام نبوته الغیبیة، وقال بعده: ولعل المراد بالحدیث تغییر نظام اختیار الخلیفة وجعله وراثة. والله أعلم.

وحدیث برقم ۷۴۴ ( إذا بلغ بنو أبی العاص ثلاثین رجلاً اتخذوا دین الله دخلاً عباد الله خولاً ومال الله دولاً ) .

کما صحح حدیث سفینة برقم ۴۵۹، ولکنه جعله تحت عنوان: خلافة النبوة!

ومع کل هذه الأحادیث التی صححها، قال مدافعاً عن الأمویین: فلا ینافی مجىء خلفاء آخرین من بعدهم لأنهم لیسوا خلفاء النبوة. فهؤلاء هم المعنیون فی الحدیث لا غیرهم! کما هو واضح !! ویزیده وضوحاً قول شیخ الإسلام فی رسالته المذکورة: ویجوز تسمیة من بعد الخلفاء الراشدین خلفاء، وإن کانوا ملوکاً ولم یکونوا خلفاء الأنبیاء. .الخ. انتهى.

فقد أفتى تبعاً لإمامه ابن تیمیة، بأن الأئمة الإثنی عشر المبشر بهم على لسان رسول الله صلى الله علیه وآله القیمین على الأمة بتعیین رب العالمین هم. . معاویة ویزید وبنو الحکم بن أبی العاص، الذین صحت فیهم أحادیث ذمٍّ قاصعة !!

وکأنه لا یعرف أنه بسبب غلوه فی بنی أمیة یعطی الحجة على ربه سبحانه، وعلى نبیه صلى الله علیه وآله !!





--------------------------------------------------------------------------------

۷۶

فماذا یقول إذا قال له مستشرقٌ مثلاً: إنکم أیها المسلمین تقولون إن ربکم مزاجی ونبیکم مزاجی أیضاً، لأنهما یلعنان أشخاصاً ویذمانهم ویتبرآن منهم. . ثم یتغیر مزاجهما فیرضیان عنهم، ویعلنان للمسلمین: إنا نبشرکم بهم وبأولادهم، إنهم صفوة البشر، أئمةٌ، ربانیون، معصومون، قیمون على الأمة !!

وهل دخل المستشرقون الخبثاء، وهل دخل سلمان رشدی وأمثاله، وطعنوا فی الإسلام، إلا من أبواب أحادیث التعصب لقریش وبنی أمیة، وکعب الأحبار؟ !




الثانیة عشرة: نماذج من أحادیثنا فی الأئمة الإثنی عشر علیهم السلام



ـ روى الصدوق فی الخصال|۴۶۶ ـ ۴۶۷ ، حدیث ابن مسعود المتقدم بعدة أسانید فیها مجالد بن سعید، وأسانید أخرى لیس فیهما مجالد، قال:

حدثنا أبو علی أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إبراهیم بن أبی الرجال البغدادی قال: حدثنا محمد بن عبدوس الحرانی قال: حدثنا عبدالغفار بن الحکم قال: حدثنا منصور بن أبی الأسود، عن مطرف، عن الشعبی، عن عمه قیس بن عبد قال: کنا جلوساً فی حلقة فیها عبد الله بن مسعود فجاء أعرابی فقال: أیکم عبد الله بن مسعود؟

فقال عبد الله: أنا عبد الله بن مسعود.

قال: هل حدثکم نبیکم صلى الله علیه وآله کم یکون بعده من الخلفاء؟

قال: نعم، اثنا عشر، عدد نقباء بنی إسرائیل.

حدثنا أبو القاسم عتاب بن محمد الورامینی الحافظ قال: حدثنا یحیى بن محمد بن صاعد قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل، ومحمد بن عبید الله بن سوار قالا: حدثنا عبد الغفار بن الحکم قال: حدثنا منصور بن أبی الأسود، عن مطرف عن الشعبی.

قال: عتاب بن محمد: وحدثنا إسحاق بن محمد الأنماطی قال: حدثنا یوسف بن موسى قال: حدثنا جریر، عن أشعث بن سوار عن الشعبی. قال عتاب بن محمد:




--------------------------------------------------------------------------------

۷۷

وحدثنا الحسین بن محمد الحرانی قال: حدثنا أیوب بن محمد الوزان قال: حدثنا سعید بن مسلمة قال: حدثنا أشعث بن سوار، عن الشعبی، کلهم قالوا عن عمه قیس بن عبد.

قال أبو القاسم عتاب: وهذا حدیث مطرف قال: کنا جلوساً فی المسجد، ومعنا عبد الله بن مسعود، فجاء أعرابی فقال: فیکم عبد الله؟

قال: نعم أنا عبد الله، فما حاجتک؟

قال: یا عبد الله أخبرکم نبیکم صلى الله علیه وآله کم یکون فیکم من خلیفة؟

قال: لقد سألتنی عن شیء ما سألنی عنه أحد منذ قدمت العراق، نعم، اثنا عشر عدة نقباء بنی إسرائیل.

قال: أبو عروبة فی حدیثه: نعم عدة نقباء بنی إسرائیل. وقال جریر عن الأشعث بن مسعود عن النبی صلى الله علیه وآله قال: الخلفاء بعدی اثنا عشر، کعدد نقباء بنی إسرائیل. انتهى. ( ورواهما فی کمال الدین وتمام النعمة|۲۷۱، بنفس السند )

وأکبر عملٍ حدیثی قام به قدماء علمائنا فی هذا الموضوع، بل هو أجلُّ ما وجدته فی الموضوع من الأعمال العلمیة المقارنة، تألیف المحدث الخبیر علی بن محمد بن علی الخزاز القمی الرازی، من علماء أوائل القرن الرابع وکتابه القیم ( کفایة الأثر فی النص على الأئمة الإثنی عشر ) وقد ذکر منهجه فی مقدمته فقال فی ص ۷:

أما بعد: فإن الذی دعانی الى جمع هذه الأخبار، عن الصحابة والعترة الأخیار، فی النصوص على الأئمة الأبرار، أنی وجدت قوماً من ضعفاء الشیعة ومتوسطیهم فی العلم، متحیرین فی ذلک ومتعجزین، یشکون فرط اعتراض المشبهة علیهم، وزمرات المعتزلة، تلبیساً وتمویهاً عاضدتهم علیه، حتى آل الأمر بهم الى أن جحدوا أمر النصوص علیهم، من جهةٍ لا یقطع بمثلها العذر، حتى أفرط بعضهم وزعم أن لیس لها من الصحابة أثر ... . فلما رأیت ذلک کذلک، ألزمت نفسی الإستقصاء فی هذا الباب موضحاً ما عندی من البینات، ومبطلاً ما أورده المخالفون من الشبهات، تحریاً لمرضاة الله، وتقرباً الى رسوله والأئمة من بعده.





--------------------------------------------------------------------------------

۷۸

وأبتدىء بذکر الروایات فی النصوص علیهم من جهة أصحاب رسول الله صلى الله علیه وآله المعروفین مثل عبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعود، وأبی سعید الخدری، وأبی ذر الغفاری، وسلمان الفارسی، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالک، وأبی هریرة، وعمر بن الخطاب، وزید بن ثابت، وزید بن أرقم، وأبی أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأبی أیوب الأنصاری، وعمار بن یاسر، وحذیفة بن أسید، وعمران بن الحصین، وسعد بن مالک، وحذیفة بن الیمان، وأبی قتادة الأنصاری، وعلی بن أبی طالب، وابنیه الحسن والحسین علیهم السلام .

ومن النساء: أم سلمة، وعائشة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله علیه وآله .

ثم أعقبه بذکر الأخبار التی وردت عن الأئمة صلوات الله علیهم، مما یوافق حدیث الصحابة، فی النصوص على الأئمة، ونص کل واحد منهم على الذی من بعده، لیعلموا إن أنصفوا ویدینوا به، ولا یکونوا کما قال الله سبحانة ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغیاً بینهم ) إذ مثل هذه الأخبار تزیل الشک والریب، ویقطع بها العذر، وإن الأمر أوکد مما ذهبوا الیه. انتهى.

ثم عقد قدس الله نفسه باباً لما روی عن کل واحد من الصحابة الذین ذکرهم، وأورد فیه حدیثه أو أحادیثه، بسند متصل منه الیه، الى رسول الله صلى الله علیه وآله ، فحفظ بذلک عدداً من النصوص التی ضاعت فی مصادر إخواننا السنیین، أو تشتتت فی مصنفاتهم، أو بقی منها أجزاء مجزأة، وأحیاناً بقی الحدیث بکامله!

ونورد فیما یلی نماذج منها:

ـ قال فی ص ۲۳ فی باب ما جاء عن عبد الله بن مسعود:

أخبرنا محمد بن عبد الله رحمه الله قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمارة الثقفی قال: حدثنی أحمد بن عبدالجبار العطاردی قال: حدثنا محمد بن الحسان الضریر التومنی قال: حدثنا علی بن محمد الأنصاری، عن عبد الله بن عبد الکریم، عن یحیى بن عبد الحمید الحمانی، عن حبش بن المعتمر، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله یقول: الأئمة بعدی اثنا عشر کلهم من قریش.





--------------------------------------------------------------------------------

۷۹

وهذا عبد الله بن مسعود روى عنه السائب، ومسروق، وقیس بن سعد، وحبش بن المعتمر.

أخبرنا أبو المفضل محمد بن عبد الله الشیبانی رحمه الله قال حدثنا أبو علی محمد بن زهیر بن الفضل الأبلی قال: حدثنا أبو الحسین عمر بن الحسین بن علی بن رستم قال: حدثنی ابراهیم بن یسار الرمادی قال: حدثنی سفیان بن عتبة، عن عطا بن السائب، عن أبیه عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم یقول: الأئمة بعدی اثنا عشر، تسعة من صلب الحسین، والتاسع مهدیهم.

وقال فی ص ۷۳ فی باب ما جاء عن أنس بن مالک:

حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عیاش الجوهری قال: حدثنا محمد بن أحمد الصفوانی قال: حدثنا محمد بن الحسین قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحمصی قال: حدثنا بن حماد، عن أنس بن مالک قال: صلى بنا رسول الله صلى الله علیه وآله فقال: معاشر أصحابی من أحب أهل بیتی حشر معنا، ومن استمسک بأوصیائی من بعدی فقد استمسک بالعروة الوثقى. فقام إلیه أبو ذر الغفاری فقال: یا رسول الله کم الأئمة بعدک؟

قال: عدد نقباء بنی اسرائیل.

فقال: کلهم من أهل بیتک؟

قال: کلهم من أهل بیتی، تسعة من صلب الحسین، والمهدی منهم.

وقال فی ص ۱۱۳ فی باب ما جاء عن أبی أیوب الأنصاری خالد بن زید:

أخبرنا أبو المفضل الشیبانی قال: حدثنی حیدر بن محمد بن نعیم السمرقندی قال: حدثنا محمد بن مسعود، عن یوسف بن السخت، عن سفیان الثوری، عن موسى بن عبیدة أیاس بن مسلمة بن الأکوع، عن أبی أیوب الأنصاری قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله یقول: أنا سید الأنبیاء، وعلی سید الأوصیاء، وسبطای خیر الأسباط ومنا الأئمة المعصومون من صلب الحسین، ومنا مهدی هذه الأمة.

فقام الیه أعرابی فقال: یا رسول الله کم الأئمة بعدک؟





--------------------------------------------------------------------------------

۸۰

قال: عدد الأسباط، وحواری عیسى، ونقباء بنی إسرائیل.

وقال فی ص ۱۲۰ فی باب ما جاء عن عمار بن یاسر:

أخبرنا محمد بن عبدالله بن المطلب الشیبانی قال: حدثنا محمد بن الحسین بن حفص الحثعمی الکوفی قال: حدثنا عباد ابن یعقوب قال: حدثنا علی بن هاشم، عن محمد بن عبدالله، عن أبی عبیدة بن محمد بن عمار، عن أبیه، عن جده عمار قال: کنت مع رسول الله صلى الله علیه وآله فی بعض غزواته، وقتل علی علیه السلام أصحاب الألویة وفرق جمعهم، وقتل عمراً بن عبد الله الجمحمی، وقتل شیبة بن نافع، أتیت رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم فقلت له: یا رسول الله صلى الله علیک إن علیاً قد جاهد فی الله حق جهاده. فقال: لأنه منی وأنا منه، وارث علمی وقاضی دینی، ومنجز وعدی، والخلیفة بعدی، ولولاه لم یعرف المؤمن المحض، حربه حربی وحربی حرب الله، وسلمه سلمی وسلمی سلم الله، ألا إنه أبو سبطیَّ، والائمه من صلبه، یخرج الله تعالى الأئمة الراشدین، ومنهم مهدی هذه الأمة.

فقلت: بأبی أنت وأمی یا رسول الله ما هذا المهدی؟

قال: یا عمار إن الله تبارک وتعالى عهد الیَّ أنه یخرج من صلب الحسین تسعة، والتاسع من ولده یغیب عنهم، وذلک قوله عز وجل: قل أرأیتم إن أصبح ماؤکم غوراً فمن یأتیکم بماء معین، یکون له غیبة طویلة یرجع عنها قوم، ویثبت علیها آخرون، فإذا کان فی آخر الزمان یخرج فیملأ الدنیا قسطاً وعدلاً، ویقاتل على التأویل کما قاتلت على التنزیل، وهو سمیی، وأشبه الناس بی.

یا عمار ستکون بعدی فتنة، فإذا کان ذلک فاتبع علیاً وحزبه، فإنه مع الحق والحق معه. یا عمار إنک ستقاتل بعدی مع علی صنفین: الناکثین والقاسطین ثم تقتلک الفئة الباغیة.

قلت: یا رسول الله ألیس ذلک على رضا الله ورضاک؟

قال: نعم على رضا الله ورضای، ویکون آخر زادک من الدنیا شربة من لبن تشربه.





--------------------------------------------------------------------------------

۸۱

فلما کان یوم صفین خرج عمار بن یاسر الى أمیر المؤمنین علیه السلام فقال له: یا أخا رسول الله، أتاذن لی فی القتال؟

قال مهلاً رحمک الله، فلما کان بعد ساعة أعاد علیه الکلام فأجابه بمثله، فأعاد علیه ثالثاً فبکى أمیر المؤمنین وقال: إنه الیوم الذی وصفه لی رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم .

فنزل أمیر المؤمنین علیه السلام عن بغلته وعانق عماراً وودعه، ثم قال:

یا أبا الیقظان جزاک الله عن الله وعن نبیک خیراً، فنعم الأخ کنت، ونعم الصاحب کنت. ثم بکى علیه السلام وبکى عمار.

ثم قال: والله یا أمیر المؤمنین ما تبعتک إلا ببصیرة، فإنی سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله یقول یوم خیبر: یا عمار ستکون بعدی فتنة، فإذا کان ذلک فاتبع علیاً وحزبه، فإنه مع الحق والحق معه، وستقاتل الناکثین والقاسطین، فجزاک الله یا أمیر المؤمنین عن الإسلام أفضل الجزاء، فلقد أدیت وأبلغت ونصحت.

ثم رکب ورکب أمیر المؤمنین علیه السلام ثم برز الى القتال، ثم دعا بشربةٍ من ماء فقیل له ما معنا ماء، فقام الیه رجل من الأنصار فأسقاه شربةً من لبن، فشربه ثم قال: هکذا عهد الی رسول الله صلى الله علیه وآله أن یکون آخر زادی من الدنیا شربةٌ من لبن.

ثم حمل على القوم فقتل ثمانیة عشر نفساً، فخرج الیه رجلان من أهل الشام فطعناه وقتل رحمه الله .

فلما کان فی اللیل طاف أمیر المؤمنین علیه السلام فی القتلی، فوجد عماراً ملقىً بین القتلى، فجعل رأسه على فخذه، ثم بکى علیه السلام وأنشأ یقول:



ألاأیـهـا الموت الـذی لست تارکی * أرحنـی فـقـد أفنـیت کل خـلیلِ

أراک بصیراً بـالـذیـن أحـبـهـم * کـأنک تـمـضی نـحوهم بـدلیلِ



ـ وقال فی ص ۱۸۰ فی باب ما جاء عن أم سلمة:

حدثنا علی بن الحسن بن محمد بن مندة قال: حدثنا أبو الحسین زید بن جعفر بن محمد بن الحسین الخزاز بالکوفة فی سنة سبع وسبعین وثلثمائة قال: حدثنا العباس بن العباس الجوهری ببغداد فی دار عمیرة قال: حدثنی عفان بن مسلم قال:




--------------------------------------------------------------------------------

۸۲

حدثنی حماد بن سلمة، عن الکلبی، عن أبی صالح، عن سداد بن أوس قال: لما کان یوم الجمل قلت: لا أکون مع علی ولا أکون علیه، وتوقفت عن القتال الى انتصاف النهار، فلما کان قرب اللیل ألقى الله فی قلبی أن أقاتل مع علی، فقاتلت معه حتى کان من أمره ما کان، ثم إنی أتیت المدینة فدخلت على أم سلمة، قالت: من أین أقبلت؟

قلت: من البصرة.

قالت: مع أی الفریقین کنت؟

قلت: یا أم المؤمنین إنی توقفت عن القتال الى انتصاف النهار، وألقى الله عز و جل أن أقاتل مع علی.

قالت: نعم ما عملت، لقد سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله یقول: من حارب علیاً فقد حاربنی، ومن حاربنی فقد حارب الله.

قلت: فترین أن الحق مع علی؟

قالت: إی والله، علیٌّ مع الحق والحق معه، والله ما أنصف أمة محمد نبیهم، إذ قدموا من أخره الله عز وجل ورسوله، وأخروا من قدمه الله تعالى ورسوله! وأنهم صانوا حلائلهم فی بیوتهم، وأبرزوا حلیلة رسول الله صلى الله علیه وآله الى الفناء! والله سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله یقول: لأمتی فرقة وجعلة، فجامعوها إذا اجتمعت، وإذا افترقت فکونوا من النمط الأوسط، ثم ارقبوا أهل بیتی فإن حاربوا فحاربوا، وإن سالموا فسالموا، وإن زالوا فزالو معهم، فإن الحق معهم حیث کانوا.

قلت: فمن أهل بیته؟

قالت: أهل بیته الذین أمرنا بالتمسک بهم؟

قالت: هم الأئمة بعده کما قال: عدد نقباء بنی إسرائیل: علی وسبطاه، وتسعة من صلب الحسین، هم أهل بیته هم المطهرون، والأئمة المعصومون.

قلت: إنا لله هلک الناس إذاً؟ !.

قالت: کل حزب بما لدیهم فرحون. انتهى.







--------------------------------------------------------------------------------

۸۳




البحث الثالث

الأسس الإسلامیة فی خطب الوداع



اتضح مما تقدم أن خطبة عرفات فی حجة الوداع تضمنت بشارة النبی صلى الله علیه وآله بالأئمة الإثنی عشر من بعده، ووصیته بهم. .

فماذا قال صلى الله علیه وآله فی الخطب الخمس الباقیة؟ فی مکة یوم الترویة، وفی منى یوم العید، ووسط أیام التشریق، وفی مسجد الخیف یوم النفر. وفی غدیر خم؟ .

مع أن المصادر نقلت القلیل من هذه الخطب وخلطت بین مضامینها. . لکنک تجد فی روایاتها المتعددة أنه صلى الله علیه وآله طرح کل الأمور المهمة التی تحتاج الیها الأمة من بعده. . فقد تضمنت الخطب فقرات نبویة فی المحاور أو الأسس الخمس التالیة:

۱ـ أساس المساواة الإنسانیة

ـ مبدأ الوحدة الإنسانیة بین البشر، وإلغاء التمایز القومی.

ـ مبدأ حسن معاملة النساء، وعدم ظلمهن.

۲ـ أساس وحدة الأمة الإسلامیة

ـ مبدأ إلغاء آثار الجاهلیة ومآثرها وتشریعاتها المخالفة للاسلام.

ـ مبدأ الأخوة والتکافؤ بین المسلمین.

ـ مبدأ احترام الملکیة الشخصیة ـ تحریم أموال المسلمین على بعضهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۸۴

ـ مبدأ احترام حیاة المسلم ـ تحریم دمائهم على بعضهم.

ـ مبدأ احترام عرض المسلم وکرامته ـ تحریم أعراضهم على بعضهم.

ـ مبدأ: من قال لا إلَه إلا الله، فقد عصم ماله ودمه.

ـ مبدأ ختام النبوة به صلى الله علیه وآله وختام الأمم بأمته.

ـ مبدأ شهادة النبی على الأمة فی الآخرة، وموافاتها له على الحوض.

ـ مبدأ ضرورة الدقة والحذر من محقرات الأعمال، التی تجر الى الإنحراف.

ـ مبدأ التحذیر من الکذب على النبی صلى الله علیه وآله ، والتحقیق فیما ینقل عنه.

۳ـ أساس وحدة الشریعة ووحدة ثقافة المسلمین

ـ مبدأ أداء الأمانة

ـ قوانین الإرث

ـ قوانین الدیات والقصاص

ـ تشریعات مناسک الحج ( خذوا عنی مناسککم )

۴ـ مبادئ مسیرة الدولة والحکم بعد النبی صلى الله علیه وآله

ـ مبدأ البشارة بالأئمة الإثنی عشر من عترته.

ـ مبدأ التأکید على الثقلین القرآن والعترة.

ـ مبدأ إعلان أن علیاً ولی الأمة من بعده، والإمام الأول من الإثنی عشر.

ـ مبدأ أداء الفرائض، وإطاعة ولاة الأمر.

ـ مبدأ تخلید تعاهد قریش وکنانة على حصار بنی هاشم.

ـ مبدأ تحذیر قریش أن تطغى من بعده صلى الله علیه وآله

ـ مبدأ تحذیره الصحابة من الإرتداد بعده والصراع على السلطة

۵ـ أساس عقوبة المخالفین للخط النبوی

ـ مبدأ لعن من ادعى الى غیر أبیه، أو تولى غیر موالیه.





--------------------------------------------------------------------------------

۸۵

ولا یتسع المجال لبحث هذه الأسس والمبادىء الإلَهیة بالتفصیل، لذا نکتفی بذکر نماذج من الخطب الشریفة، ثم نذکر فقرات الخطب المتعلقة بالمبادىء المذکورة، مع التوضیحات الضروریة.

ولا بد أن نشیر أولاً الى أن للنبی صلى الله علیه وآله له فی کل واحدة من هذه المبادىء بیاناتٌ متعددةٌ فی غیر حجة الوداع، وأنها تشکل مع ما جاء منها فی خطب الوداع الستة کلاماً موحداً، لا یمکن فصل بعضه عن بعض. . فکلامه صلى الله علیه وآله إن هو إلا وحیٌ یوحى یکمل بعضه بعضاً، ویفسر بعضه بعضاً، ویشکل فی کل موضوع وحدةً عقیدیة وتشریعیة متکاملة البناء، فی صرح الإسلام الربانی الشامل.




نماذج من نصوص خطب الوداع



ـ تحف العقول ص ۳۰ لابن شعبة الحرانی المتوفى حدود سنة ۳۵۰

خطبته صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع:

الحمد لله، نحمده ونستعینه، ونستغفره ونتوب إلیه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسیئات أعمالنا.

من یهد الله فلا مضل له، ومن یضلل فلا هادی له، وأشهد أن لا إلَه إلا الله، وحده لا شریک له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أوصیکم عباد الله بتقوى الله، وأحثکم على العمل بطاعته، وأستفتح الله بالذی هو خیر.

أما بعد: أیها الناس! إسمعوا منی ما أبین لکم، فإنی لا أدری لعلی لا ألقاکم بعد عامی هذا فی موقفی هذا.

أیها الناس إن دماءکم وأعراضکم علیکم حرام، الى أن تلقوا ربکم، کحرمة یومکم هذا فی بلدکم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

فمن کانت عنده أمانة فلیؤدها الى من ائتمنه علیها.





--------------------------------------------------------------------------------

۸۶

وإن ربا الجاهلیة موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب.

وإن دماء الجاهلیة موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربیعة بن الحارث بن عبدالمطلب.

وإن مآثر الجاهلیة موضوعة، غیر السدانة والسقایة.

والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفیه مائة بعیر، فمن ازداد فهو من الجاهلیة.

أیها الناس: إن الشیطان قد یئس أن یعبد بأرضکم هذه، ولکنه قد رضی بأن یطاع فیما سوى ذلک، فیما تحتقرون من أعمالکم.

أیها الناس: إنما النسىء زیادة فی الکفر، یضل به الذین کفروا، یحلونه عاماً ویحرمونه عاماً، لیواطؤوا عدة ماحرم الله.

وإن الزمان قد استدار کهیئته یوم خلق السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فی کتاب الله یوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالیة، وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب بین جمادى وشعبان. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

أیها الناس: إن لنسائکم علیکم حقاً، ولکم علیهن حقاً، حقکم علیهن أن لا یوطئن أحداً فرشکم، ولا یدخلن أحداً تکرهونه بیوتکم، إلا بإذنکم، وألا یأتین بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لکم أن تعضلوهن وتهجروهن فی المضاجع وتضربوهن ضرباً غیر مبرح، فإذا انتهین وأطعنکم فعلیکم رزقهن وکسوتهن بالمعروف. أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بکتاب الله، فاتقوا الله فی النساء، واستوصوا بهن خیراً.

أیها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا یحل لمؤمن مال أخیه إلا عن طیب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

فلا ترجعن کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض، فإنی قد ترکت فیکم ما إن أخذتم به لن تضلوا: کتاب الله وعترتی أهل بیتی.





--------------------------------------------------------------------------------

۸۷

ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

أیها الناس: إن ربکم واحد، وإن أباکم واحد، کلکم لآدم وآدم من تراب، إن أکرمکم عند الله أتقاکم. ولیس لعربی على عجمی فضل إلا بالتقوى.

ألا هل بلغت؟

قالوا: نعم.

قال: فلیبلغ الشاهد الغائب.

أیها الناس: إن الله قسم لکل وارث نصیبه من المیراث، ولا تجوز لوارثٍ وصیة فی أکثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر.

من ادعى الى غیر أبیه، ومن تولى غیر موالیه، فعلیه لعنة الله والملائکة والناس أجمعین، ولا یقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. والسلام علیکم ورحمة الله.

ـ وقال الکلینی فی الکافی: ۱|۴۰۳

عن الحکم بن مسکین، عن رجل من قریش من أهل مکة قال: قال سفیان الثوری: إذهب بنا الى جعفر بن محمد، قال فذهبت معه إلیه، فوجدناه قد رکب دابته، فقال له سفیان: یاأبا عبد الله حدثنا بحدیثِ خطبة رسول الله صلى الله علیه وآله فی مسجد الخیف.

قال: دعنی حتى أذهب فی حاجتى فإنی قد رکبت، فإذا جئت حدثتک.

فقال: أسألک بقرابتک من رسول الله صلى الله علیه وآله لما حدثتنی.

قال: فنزل، فقال له سفیان: مر لی بدواة وقرطاس حتى أثبته، فدعا به ثم قال:

أکتب: بسم الله الرحمن الرحیم. خطبة رسول الله صلى الله علیه وآله فی مسجد الخیف:

نضر الله عبداً سمع مقالتی فوعاها وبلغها من لم تبلغه.

یاأیها الناس لیبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقهٍ لیس بفقیه، ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه.

ثلاثٌ لا یغل علیهن قلب امرىء مسلم: إخلاص العمل لله، والنصیحة لأئمة المسلمین، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محیطةٌ من ورائهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۸۸

المؤمنون إخوةٌ تتکافى دماؤهم، وهم یدٌ على من سواهم، یسعى بذمتهم أدناهم.

فکتبه سفیان ثم عرضه علیه، ورکب أبو عبد الله علیه السلام وجئت أنا وسفیان، فلما کنا فی بعض الطریق قال لی: کما أنت، حتى أنظر فی هذا الحدیث.

قلت له: قد والله ألزم أبو عبد الله رقبتک شیئاً لا یذهب من رقبتک أبداً!

فقال: وأی شیء ذلک؟

فقلت له: ثلاثٌ لا یغل علیهن قلب امرىء مسلم: إخلاص العمل لله، قد عرفناه. والنصیحة لأئمة المسلمین، من هؤلاء الأئمة الذین یجب علینا نصیحتهم؟ معاویة بن أبی سفیان، ویزید بن معاویة، ومروان بن الحکم، وکل من لا تجوز الصلاة خلفهم؟

وقوله: واللزوم لجماعتهم، فأی الجماعة؟ مرجىء یقول: من لم یصل ولم یصم ولم یغتسل من جنابة وهدم الکعبة ونکح أمه فهو على إیمان جبرئیل ومیکائیل؟ !

أو قدری یقول: لا یکون ما شاء الله عز وجل، ویکون ما شاء إبلیس؟ !

أو حروری یتبرأ من علی بن أبی طالب، ویشهد علیه بالکفر؟ !

أو جهمی یقول: إنما هی معرفة الله وحده، لیس الإیمان شیء غیرها؟ !

قال: ویحک، وأی شیء یقولون؟ !

فقلت: یقولون: إن علی بن أبی طالب علیه السلام والله الإمام الذی وجب علینا نصیحته. ولزوم جماعتهم: أهل بیته.

قال: فأخذ الکتاب فخرقه، ثم قال: لا تخبر بها أحداً. انتهى.

ـ وفی تفسیر علی بن ابراهیم: ۱|۱۷۱

وحج رسول الله صلى الله علیه وآله حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدینة، فکان من قوله بمنى أن حمد الله واثنى علیه، ثم قال:

أیها الناس: إسمعوا قولی واعقلوه عنی، فإنی لا أدری لا ألقاکم بعد عامی هذا.

ثم قال: هل تعلمون أی یوم أعظم حرمة؟





--------------------------------------------------------------------------------

۸۹

قال الناس: هذا الیوم.

قال: فأی شهر؟

قال الناس: هذا.

قال: وأی بلد أعظم حرمة؟

قالوا: بلدنا هذا.

قال: فإن دماءکم وأموالکم وأعراضکم علیکم حرام، کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا، الى یوم تلقون ربکم، فیسألکم عن أعمالکم.

ألا هل بلغت أیها الناس؟

قالوا: نعم.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال: ألا وکل مأثرةٍ أو بدعةٍ کانت فی الجاهلیة، أو دمٍ أو مالٍ، فهو تحت قدمیَّ هاتین، لیس أحدٌ أکرم من أحدٍ إلا بالتقوى.

ألا هل بلغت؟

قالوا: نعم.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال: ألا وکل رباً کان فی الجاهلیة فهو موضوع، وأول موضوع منه ربا العباس بن عبد المطلب.

ألا وکل دمٍ کان فی الجاهلیة فهو موضوع، وأول موضوعٍ دم ربیعة.

ألا هل بلغت؟

قالوا: نعم.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال: ألا وإن الشیطان قد یئس أن یعبد بأرضکم هذه، ولکنه راض بما تحتقرون من أعمالکم، ألا وإنه إذا أطیع فقد عبد!





--------------------------------------------------------------------------------

۹۰

ألا أیها الناس: إن المسلم أخ المسلم حقاً، لا یحل لامرىء مسلم دم امرىء مسلم وماله إلا ما أعطاه بطیبة نفس منه. وإنی أمرت أن أقاتل الناس حتى یقولوا لا إلَه إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منی دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله.

ألا هل بلغت أیها الناس؟

قالوا: نعم.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال: أیها الناس: إحفظوا قولی تنتفعوا به بعدی، وافهموه تنعشوا. ألا لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض بالسیف على الدنیا، فإن فعلتم ذلک ـ ولتفعلن ـ لتجدونی فی کتیبة بین جبرئیل ومیکائیل أضرب وجوهکم بالسیف ثم التفت عن یمینه فسکت ساعة ثم قال ـ إن شاء الله أو علی بن أبی طالب ـ

ثم قال: ألا وإنی قد ترکت فیکم أمرین إن أخذتم بهما لن تضلوا: کتاب الله، وعترتی أهل بیتی، فإنه قد نبأنی اللطیف الخبیر أنهما لن یفترقا حتى یردا علیَّ الحوض. ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا، ومن خالفهما فقد هلک.

ألا هل بلغت؟

قالوا: نعم.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال: ألا وإنه سیرد علیَّ الحوض منکم رجالٌ فیدفعون عنی، فأقول: رب أصحابی؟ فیقول: یامحمد إنهم أحدثوا بعدک وغیروا سنتک، فأقول: سحقاً سحقا.

فلما کان آخر یوم من أیام التشریق أنزل الله: إذا جاء نصر الله والفتح، فقال رسول الله صلى الله علیه وآله : نُعِیءتْ الیَّ نفسی، ثم نادى الصلاة جامعة فی مسجد الخیف، فاجتمع الناس فحمد الله، وأثنى علیه، ثم قال:

نضر الله امرءاً سمع مقالتی فوعاها، وبلغها من لم یسمعها، فرب حامل فقه غیر فقیه، ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه.





--------------------------------------------------------------------------------

۹۱

ثلاث لا یغل علیهن قلب امرىء مسلم: إخلاص العمل لله، والنصیحة لائمة المسلمین، ولزم جماعتهم، فإن دعوتهم محیطة من ورائهم.

المؤمنون إخوة تتکافأ دماؤهم، یسعى بذمتهم أدناهم، وهم یدٌ على من سواهم. أیها الناس: إنی تارک فیکم الثقلین.

قالوا: یارسول الله وما الثقلان؟

قال: کتاب الله وعترتی أهل بیتی، فإنه قد نبأنی اللطیف الخبیر أنهما لن یفترفا حتى یردا علیَّ الحوض، کإصبعی هاتین ـ وجمع بین سبابتیه ـ ولا أقول کهاتین وجمع سبابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه.

فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا یرید محمد أن یجعل الإمامة فی أهل بیته، فخرج أربعة نفر منهم الى مکة ودخلوا الکعبة، وتعاهدوا وتعاقدوا وکتبوا فیما بینهم کتاباً: إن مات محمد أو قتل أن لا یردوا هذا الأمر فی أهل بیته أبداً!

فأنزل الله على نبیه فی ذلک: أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون. أم یحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، بلى ورسلنا لدیهم یکتبون ... انتهى.




ـ وفی صحیح البخاری: ۵|۱۲۶

عن أبی بکرة عن النبی صلى الله علیه وسلم قال:

الزمان قد استدار کهیئة یوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالیات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذى بین جمادى وشعبان.

أی شهر هذا.

قلنا: الله ورسوله أعلم.

فسکت حتى ظننا أنه سیسمیه بغیر اسمه قال:





--------------------------------------------------------------------------------

۹۲

ألیس ذو الحجة؟

قلنا: بلى.

قال: فأی بلد هذا؟

قلنا: الله ورسوله أعلم، فسکت حتى ظننا أنه سیسمیه بغیر اسمه قال:

ألیس البلدة؟

قلنا: بلى.

قال: فأی یوم هذا؟

قلنا: الله ورسوله أعلم، فسکت حتى ظننا أنه سیسمیه بغیر اسمه قال:

ألیس یوم النحر؟

قلنا: بلى.

قال: فإن دماءکم وأموالکم ـ قال محمد وأحسبه قال وأعراضکم ـ علیکم حرام کحرمة یومکم هذا فی بلدکم هذا فی شهرکم هذا، وستلقون ربکم فسیسألکم عن أعمالکم.

ألا فلا ترجعوا بعدی ضلالاً یضرب بعضکم رقاب بعض.

ألا لیبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من یبلغه أن یکون أوعى له من بعض من سمعه. انتهى. ویلاحظ أن فیه کلمة ضلالاً بدل کفاراً فی غیره.

ـ وفی صحیح البخاری: ۱|۲۴

عن عبد الرحمن بن أبی بکرة، عن أبیه ذکر النبى صلى الله علیه وسلم قعد على بعیره وأمسک إنسان بخطامه أو بزمامه، ثم قال:

أی یوم هذا؟

فسکتنا حتى ظننا أنه سیسمیه سوى اسمه.

قال: ألیس یوم النحر؟

قلنا: بلى.

قال: فأی شهر هذا؟ فسکتنا حتى ظننا أنه سیسمیه بغیر اسمه.

فقال: ألیس بذی الحجة؟

قلنا: بلى.

قال: فإن دماءکم وأموالکم وأعراضکم بینکم حرام کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا. لیبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن یبلغ من هو أوعى له منه.

ـ وفی صحیح مسلم: ۴|۴۱

فأجاز رسول الله صلى الله علیه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادی فخطب الناس، وقال:

إن دماءکم وأموالکم حرام علیکم کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا. ألا کل شیء من أمر الجاهلیة تحت قدمی موضوع، ودماء الجاهلیة موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربیعة بن الحارث، کان مسترضعاً فی بنی سعد فقتلته هذیل. وربا الجاهلیة موضوع، وأول رباً أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع کله.

فاتقوا الله فی النساء، فإنکم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بکلمة الله، ولکم علیهن أن لا یوطئن فرشکم أحداً تکرهونه، فإن فعلن ذلک فاضربوهن ضرباً غیر مبرح، ولهن علیکم رزقهن کسوتهن بالمعروف.

وقد ترکت فیکم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: کتاب الله.

وأنتم تسألون عنی فما أنتم قائلون؟

قالوا: نشهد أنک قد بلغت وأدیت ونصحت.

فقال بإصبعه السبابة یرفعها الى السماء وینکتها الى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات.





--------------------------------------------------------------------------------

۹۴

ـ ورواه ابن ماجة: ۲|۱۰۲۴، وفیه:

ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم یصل بینهما شیئاً.

ثم رکب رسول الله صلى الله علیه وسلم حتى أتى الموقف..

ـ وفی مستدرک الحاکم: ۱|۷۷

وخطب رسول الله صلى الله علیه وآله فقال:

یا أیها الناس إنی فرط لکم على الحوض، وإن سعته مابین الکوفة الى الحجر الأسود، وآنیته کعدد النجوم، وإنی رأیت أناساً من أمتی لما دنوا منی، خرج علیهم رجلٌ فمال بهم عنی، ثم أقبلت زمرةٌ أخرى ففعل بهم کذلک، فلم یفلت إلا کمثل النعم!!

فقال أبو بکر: لعلی منهم یا نبی الله؟!

قال لا، ولکنهم قوم یخرجون بعدکم ویمشون القهقرى!. هذا حدیث صحیح على شرط الشیخین، وقد حدث به الحجاج بن محمد أیضاً عن اللیث ولم یخرجاه.

ـ وفی سنن ابن ماجة: ۲|۱۰۱۶

حدثنا إسماعیل بن توبة، ثنا زافر بن سلیمان، عن أبی سنان، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم وهو على ناقته المخضرمة بعرفات، فقال:

أتدرون أی یوم هذا وأی شهر هذا وأی بلد هذا؟

قالوا: هذا بلدٌ حرام وشهر حرم ویوم حرام.

قال: ألا وإن أموالکم ودماءکم علیکم حرام کحرمة شهرکم هذا فی بلدکم هذا فی یومکم هذا.

ألا وإنی فرطکم على الحوض، وأکاثر بکم الأمم، فلا تسودوا وجهی.

ألا وإنی مستنقذٌ أناساً، ومستنقذ منی أناس، فأقول: یا رب أصحابی؟ فیقول: إنک لا تدری ما أحدثوا بعدک! فی الزوائد: إسناده صحیح.





--------------------------------------------------------------------------------

۹۵

ـ وفی سنن ابن ماجة: ۲|۱۳۰۰

باب لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض:

عن جریر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: فی حجة الوداع استنصت الناس، فقال: لا ترجعوا بعدى کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض.

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال:

ویحکم أو ویلکم، لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض.

عن الصنابح الأحمسی قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: ألا إنی فرطکم على الحوض وإنی مکاثرٌ بکم الأمم، فلا تقتتلن بعدی.

فی الزوائد: إسناده صحیح، ورجاله ثقات.

ـ وفی سنن الترمذی: ۲|۶۱

سلیم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة یقول: سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم: یخطب فی حجة الوداع فقال: إتقوا الله ربکم، وصلوا خمسکم، وصوموا شهرکم، وأدوا زکاة أموالکم، وأطیعوا ذا أمرکم، تدخلوا جنة ربکم.

قال: قلت لأبی أمامة: منذ کم سمعت هذا الحدیث؟

قال: سمعت وأنا ابن ثلاثین سنة. قال أبو عیسى: هذا حدیث حسن صحیح.

ـ وفی مسند أحمد: ۵|۴۱۲

عن مرة قال حدثنی رجل من أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم قال: قام فینا رسول الله صلى الله علیه وسلم على ناقة حمراء مخضرمة، فقال:

أتدرون أی یومکم هذا؟

قال قلنا یوم النحر.

قال: صدقتم یوم الحج الأکبر. أتدرون أی شهرکم هذا؟

قلنا ذو الحجة.

قال: صدقتم شهر الله الأصم. أتدرون أی بلد بلدکم هذا؟





--------------------------------------------------------------------------------

۹۶

قال قلنا: المشعر الحرام.

فقال: صدقتم، قال فإن دماءکم وأموالکم علیکم حرامٌ کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا، أو قال کحرمة یومکم هذا وشهرکم هذا وبلدکم هذا، ألا وإنی فرطکم على الحوض أنظرکم وإنی مکاثرٌ بکم الأمم، فلا تسودوا وجهی! ألا وقد رأیتمونی وسمعتم منی وستسألون عنی، فمن کذب علی فلیتبوأ مقعده من النار ألا وإنی مستنقذٌ رجالاً أو أناساً، ومستنقذٌ منی آخرون، فأقول: یا رب أصحابی! فیقال: إنک لا تدری ما أحدثوا بعدک!!

ـ وفی مجمع الزوائد: ۳|۲۶۵

( باب الخطب فی الحج ) عن أبی حرة الرقاشی عن عمه قال: کنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله علیه وسلم فی وسط أیام التشریق أذود عنه الناس، فقال: یا أیها الناس هل تدرون فی أی شهر أنتم، وفی أی یوم أنتم، وفی أی بلد أنتم؟

قالوا: فی یوم حرام وبلد حرام وشهر حرام.

قال: فإن دماءکم وأموالکم وأعراضکم علیکم حرام، کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا، الى یوم تلقونه.

ثم قال: إسمعوا منی تعیشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا یحل مال امرىَ مسلم إلا بطیب نفس منه.

ألا وإن کل دم وماء ومال کانت فی الجاهلیة تحت قدمی هذه الى یوم القیامة، وإن أول دم یوضع دم ربیعة بن الحارث بن عبد المطلب، کان مسترضعاً فی بنی لیث فقتلته هذیل.

ألا وإن کل رباً فی الجاهلیة موضوعٌ، وإن الله عز وجل قضى أن أول ربا یوضع ربا العباس بن عبد المطلب. لکم رؤوس أموالکم لا تظلمون ولا تظلمون.

ألا وإن الزمان قد استدار کهیئته یوم خلق السموات والأرض، ثم قرأ: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فی کتاب الله یوم خلق السموات والأرض، منها أربعة




--------------------------------------------------------------------------------

۹۷

حرم ذلک الدین القیم، فلا تظلموا فیهن أنفسکم.

ألا لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض.

ألا إن الشیطان قد أیس أن یعبده المصلون، ولکنه فی التحریش بینکم.

واتقوا الله فی النساء فإنهن عندکم عوانٌ لا یملکن لأنفسهن شیئاً، وإن لهن علیکم حقاً، ولکم علیهن حقاً أن لایوطئن فرشکم أحداً غیرکم، ولا یأذنن فی بیوتکم لأحد تکرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن فی المضاجع واضربوهن ضرباً غیر مبرح ـ قال حمید قلت للحسن ما المبرح؟ قال: المؤثر ـ ولهن رزقهن وکسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة بالله، واستحللتم فروجهن بکلمة الله عز وجل.

ألا ومن کانت عنده أمانة فلیؤدها الى من ائتمنه علیها.

وبسط یده وقال ألا هل بلغت، ألا هل بلغت؟

ثم قال لیبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ أسعد من سامع.

قال حمید قال الحسن حین بلغ هذه الکلمة: قد والله بلغوا أقواما کانوا أسعد به.

قلت: روى أبو داود منه ضرب النساء فقط رواه أحمد وأبو حرة الرقاشی وثقة أبو داود وضعفه ابن معین. وفیه علی بن زید وفیه کلام.

وعن أبی نضرة قال حدثنی من سمع خطبة النبى صلى الله علیه وسلم فی وسط أیامالتشریق فقال:

یا أیها الناس إن ربکم واحد وأباکم واحد، ألا لا فضل لعربی على عجمی ولا لعجمی على عربى، ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود، إلا بالتقوى.

أبلغت؟

قالوا: بلغ رسول الله صلى الله علیه وسلم.

ثم قال: أی یوم هذا؟

قالوا: یوم حرام.





--------------------------------------------------------------------------------

۹۸

ثم قال: أی بلد هذا؟

قالوا: بلد حرام.

قال فإن الله عز وجل قد حرم بینکم دماءکم وأموالکم ـ قال ولا أدری قال وأعراضکم أم لا ـ کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا.

أبلغت؟

قالوا: بلغ رسول الله صلى الله علیه وسلم.

قال: لیبلغ الشاهد الغائب. رواه أحمد ورجاله رجال الصحیح ( أحمد: ۵|۷۲ )

وعن ابن عمر قال نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله علیه وسلم وهو بمنى فی أوسط أیام التشریق فعرف أنه الموت، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فرکب فوقف للناس بالعقبة، واجتمع له ما شاء الله من المسلمین فحمد الله وأثنى علیه بما هو أهله ثم قال:

أما بعد أیها الناس، فإن کل دمٍ کان فی الجاهلیة فهو هدر، وإن أول دمائکم أهدر دم ربیعة بن الحارث، کان مسترضعاً فی بنی لیث فقتلته هذیل. وکل رباً کان فی الجاهلیة فهو موضوع، وإن أول رباکم أضع ربا العباس بن عبد المطلب.

أیها الناس إن الزمان قد استدار کهیئته یوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، رجب مضر الذى بین جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ذلک الدین القیم فلا تظلموا فیهن أنفسکم، إنما النسىَ زیادة فی الکفر یضل به الذین کفروا یحلونه عاماً ویحرمونه عاماً، لیواطئوا عدة ماحرم الله. کانوا یحلون صفر عاماً ویحرمون المحرم عاماً فذلک النسىَ.

یا أیها الناس: من کانت عنده ودیعةٌ فلیؤدها الى من ائتمنه علیها.

أیها الناس: إن الشیطان أیس أن یعبد ببلادکم آخر الزمان، وقد رضی منکم بمحقرات الأعمال، فاحذروا على دینکم محقرات الأعمال.

أیها الناس: إن النساء عندکم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن




--------------------------------------------------------------------------------

۹۹

بکلمة الله، لکم علیهن حق ولهن علیکم حق، ومن حقکم علیهن أن لا یوطئن فرشکم غیرکم، ولا یعصینکم فی معروف، فإن فعلن ذلک فلیس لکم علیهن سبیل، ولهن رزقهن وکسوتهن بالمعروف، فإن ضربتم فاضربوا ضرباً غیر مبرح.

لایحل لامرىَ من مال أخیه إلا ما طابت به نفسه.

أیها الناس: إنی ترکت فیکم ما إن تمسکتم به لن تضلوا: کتاب الله فاعملوا به.

أیها الناس: أی یوم هذا؟

قالوا: یوم حرام.

قال: فأی بلد هذا؟

قالوا: بلد حرام.

قال: فأی شهر هذا؟

قالوا: شهر حرام.

قال: فإن الله تبارک وتعالى حرم دماءکم وأموالکم وأعراضکم کحرمة هذاالیوم وهذا الشهر وهذا البلد. ألا لیبلغ شاهدکم غائبکم، لا نبی بعدی ولا أمة بعدکم. ثم رفع یدیه فقال: اللهم اشهد. قلت فی الصحیح وغیره طرف منه ـ رواه البزار وفیه موسى بن عبیدة وهو ضعیف.

ـ وفی مجمع الزوائد: ۳|۲۷۲

وعن فهد بن البحیرى بن شعیب بن عمرو بن الأزرق قال: خرجت الى مکة فلما صرت بالصحریة، قال لی بعض إخوانی: هل لک فی رجلٍ له صحبة من رسول الله صلى الله علیه وسلم؟ قلت: نعم، قال صاحب القبة المضروبة فی موضع کذا وکذا، فقلت لأصحابى: قوموا بنا إلیه، فقمنا فانتهینا الى صاحب القبة، فسلمنا فرد السلام فقال: مَنِ القوم؟

قلنا: قومٌ من أهل البصرة بلغنا أن لک صحبة من رسول الله صلى الله علیه وسلم. قال: نعم، صحبت رسول الله صلى الله علیه وسلم وقعدت تحت منبره یوم حجة




--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۰

الوداع، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى علیه وقال: إن الله یقول:

یا أیها الناس إنا خلقناکم من ذکر وأنثى وجعلناکم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أکرمکم عند الله أتقاکم، فلیس لعربی على عجمی فضل، ولا لعجمی على عربی فضل، ولا لأسود على أحمر فضل، ولا لأحمر على أسود فضل، إلا بالتقوى.

یامعشر قریش لا تجیئوا بالدنیا تحملونها على رقابکم وتجىَ الناس بالآخرة، فإنی لا أغنی عنکم من الله شیئاً.

قلنا: ما اسمک؟ قال: أنا العداء بن خالد بن عمرو بن عامر، فارس الضحیاء فی الجاهلیة. رواه الطبرانی فی الکبیر بأسانید هذا ضعیف. وتقدم له إسناد صحیح فی الخطبة یوم عرفة.

وعن أبی قبیلة: أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قام فی الناس فی حجة الوداع فقال: لا نبی بعدی، ولا أمة بعدکم، فاعبدوا ربکم، وأقیموا خمسکم، وصوموا شهرکم، وأطیعوا ولاة أمرکم، ثم ادخلوا جنة ربکم. رواه الطبرانی فی الکبیر، وفیه بقیة وهو ثقة ولکنه مدلس، وبقیة رجاله ثقات.

ـ وفی سنن الدارمی: ۲|۴۷

فلما کان یوم الترویة وجه الى منى فأهللنا بالحج، ورکب رسول الله صلى الله علیه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مکث قلیلاً حتى إذا طلعت الشمس، أمر بقبة من الشعر تضرب له بنمرة، ثم رکب رسول الله صلى الله علیه وسلم فسار، لا تشک قریش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام کما کانت قریش تصنع فی الجاهلیة فی المزدلفة، فسار رسول الله صلى الله علیه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزلها، حتى إذا زاغت یعنی الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادی فخطب الناس، وقال:

إن دماء کم وأموالکم حرامٌ کحرمة یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا، ألا إن کل شیء من أمر الجاهلیة تحت قدمی موضوع، ودماء الجاهلیة موضوعة، وأول




--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۱

دم وضع دماؤنا دم ربیعة بن الحارث کان مسترضعاً فی بنی سعد فقتلته هذیل، وربا الجاهلیة موضوع، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع کله. فاتقوا الله فی النساء، فإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بکلمة الله، وإن لکم علیهن أن لا یؤطین فرشکم أحداً تکرهونه، فإن فعلن ذلک فاضربوهن ضرباً غیر مبرح، ولهن علیکم رزقهن وکسوتهن بالمعروف، وأنتم مسؤلون عنی فما أنتم قائلون؟

قالوا نشهد أنک قد بلغت وأدیت ونصحت.

فقال بإصبعه السبابة فرفعها الى السماء وینکتها الى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد.

ثم أذن بلال بنداء واحد وإقامة فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، لم یصل بینهما شیئاً، ثم رکب حتى وقف، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخیرات.. .

ـ وفی سنن الدارمی: ۲|۶۷

عن عبد الرحمن بن أبی بکرة عن أبیه قال: لما کان ذلک الیوم قعد النبی صلى الله علیه وسلم على بعیر، لا أدری جمل أو ناقة، وأخذ إنسان بخطامه، أو قال بزمامه

فقال: أی یوم هذا؟

قال فسکتنا حتى ظننا أنه سیسمیه سوى اسمه.

فقال: ألیس یوم النحر؟

قلنا: بلى.

قال فأی شهر هذا.. ..الخ.




الأساس الأول: المساواة الإنسانیة



لا نطیل فی هذا الأساس لوضوحه، وقد تقدمت عدة فقرات تتعلق به فی نماذج النصوص من خطبه صلى الله علیه وآله.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۲




الأساس الثانی: وحدة الأمة الإسلامیة



وقد روى المسلمون فقرات الخطب التی تتعلق بالمبادىَ الخمس الأولى من هذا الأساس بکثرةٍ وحفظوها وکرروها، حتى لیتصور الإنسان لأول وهلة أنها الموضوع الوحید فی خطب حجة الوداع!

والسبب فی ذلک: أن المجتمع العالمی کان فی عصره صلى الله علیه وآله مجتمع تمییز حاد على أساس قومی وقبلی وطبقی.. کما أنه کان مجتمع ( قانون الغلبة والقوة ) فالغالب على حق دائماً، سواء کان حاکماً، أو قبیلة، أو فارساً، أو صعلوکاً.. لأنه استطاع أن یقهر الآخرین، أو یغزوهم ویقتلهم ویسرق أموالهم، أو یغصبها منهم عنوةً، أو یحتال علیهم بحیلة!

فجاءت تشریعات الإسلام لتلغی ذلک کله، وتعلن تساوی الناس أمام الشرع، وتحرم کل أنواع الإعتداء على الحقوق الشخصیة، وترکز احترام الإنسان وملکیته وکرامته.

فالأمر الذی جعلهم یحفظونها أکثر من غیرها من کلمات النبی صلى الله علیه وآله، هو إعجاب المسلمین المؤمنین بها، وکونها تمثل الحل لمشکلة الغزو والقتل التی کانوا یعانون منها فی الجاهلیة القریبة.

وقد کان لهذه التوجیهات بصیغها الإلَهیة والنبویة البلیغة، تأثیرٌ کبیرٌ على مجرى احترام الإنسان وماله وعرضه ورأیه بعد وفاة النبی صلى الله علیه وآله، إذ لولاها لساء وضع مجتمع المسلمین أضعافاً مضاعفة عما وصل الیه من سوء، ولعادت النظرة الى الإنسان والتصرف معه الى الحالة الجاهلیة مئة بالمئة!!

والملاحظ بعد النبی صلى الله علیه وآله أن أکثر الناس احتراماً للإنسان وحریاته المشروعة، هم عترته وأهل بیته الطاهرون، فعلی علیه السلام هو الحاکم الوحید بعد النبی صلى الله علیه وآله الذی لم یستعمل قانون الطوارىَ أو الأحکام العرفیة، ولا أی قانون استثنائی، حتى مع




--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۳

خصومه والممتنعین عن بیعته، بل حتى فی حالات الحرب.. مع أنه ابتلی بثلاثة حروب استوعبت مدة خلافته کلها!

بینما استعمل أبو بکر وعمر منطق القوة والقهر فی السقیفة ضد الأنصار، وهموا بقتل سعد بن عبادة، ثم هاجموا الممتنعین عن بیعتهم وهم مجتمعون فی بیت علی وفاطمة علیهما السلام، وکانوا فی تعزیة بوفاة النبی صلى الله علیه وآله! بل روی أن جنازته کانت مسجاةً لم تدفن بعد! وهددوهم بإحراق البیت علیهم إن لم یخرجوا ویبایعوا! ولما تأخروا عن الخروج أشعلوا النار فی الحطب وأحرقوا الباب.. الخ. !!




وأما المبدأ السادس من هذا الأساس ( من قال: لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه ) فقد جاء فی روایة تفسیر علی بن ابراهیم القمی بصیغة ( وإنی أمرت أن أقاتل الناس حتى یقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منی دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ). وهو مبدأ له ثلاثة أبعاد:

الأول: أن من أعلن الشهادتین من أی دین أو قبیلة کان فهو مسلم، یحرم ماله ودمه وعرضه، إلا إذا انطبقت علیه مواد الفئة الباغیة، أو المفسد فی الأرض، أو قتل أحداً عمداً، أو ارتد عن الإسلام، أو زنى وهو محصن.. .

الثانی: أن أهل الکتاب مستثنوْن من هذه القاعدة، والموقف منهم فی الحرب والسلم حسب أحکام التعایش الإسلامیة الخاصة بهم.

الثالث: أن النبی صلى الله علیه وآله أشهد أمته أنه تقید فی الجهاد بأمر ربه عز وجل، ولم یتعداه .. فمهمته فی الجهاد إنما کانت على تنزیل القرآن، وتحقیق إعلان الشهادتین فقط، أی لتکوین الشکل الکلی للأمة، ولم یؤمر بقتال المنحرفین، أو الذین یریدون أن ینحرفوا من المسلمین، لأن ذلک قتالٌ على التأویل، یکون من بعده، لا فی عهده.







--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۴

وأما المبدأ السابع ( ختام النبوة به صلى الله علیه وآله وختام الأمم بأمته ) فقد ورد فی روایة مجمع الزوائد المتقدمة وغیرها ( فقال لا نبی بعدی، ولا أمة بعدکم، فاعبدوا ربکم، وأقیموا خمسکم، وصوموا شهرکم، وأطیعوا ولاة أمرکم، ثم ادخلوا جنة ربکم ).

وهو مبدأ هیمنة شریعته صلى الله علیه وآله على شرائع الأنبیاء السابقین علیهم السلام. . وردُّ مدعی النبوة الکذابین، الذین ظهر بعضهم فی زمنه صلى الله علیه وآله، وظهر عددٌ منهم بعده.

کما أنه یعطی الأمة الإسلامیة شرف ختام أمم الأنبیاء علیهم السلام، ویلقی علیها مسؤولیة هذه الخاتمیة فی هدایة الأمم الأخرى.

وقد حدد النبی صلى الله علیه وآله لهم الخطوط العامة بعبادة الله تعالى والصلاة والصوم وإطاعة ولی الأمر.. ولکن لا یبعد أن الراوی نقل ماحفظه من کلامه صلى الله علیه وآله ونسی بعضه کالزکاة والحج.

ومن الملاحظ فی هذه المبدأ وجود فریضة إطاعة ولی الأمر على لسان النبی صلى الله علیه وآله وإذا أوجب الله تعالى إطاعة أحدٍ بدون شروط، فمعناه أنه معصومٌ لا یظلم ولا یأمر ولا ینهى إلا بالحق.. وبما أن النص النبوی لم یذکر شروطاً لإطاعة أولی الأمر، فیکون مقصوده الإثنی عشر إماماً المعینین من الله تعالى، الذین بشر الأمة بهم.




وأما المبدأ الثامن ( شهادة النبی صلى الله علیه وآله على الأمة فی الآخرة، وموافاتها له على الحوض ) فقد ورد فی مصادر متعددة کما مر، وفی بعضها ( ألا وإنی فرطکم علىالحوض وأکاثر بکم الأمم، فلا تسودوا وجهی ) وفی بعضها ( وإنی مکاثرٌ بکم الأمم، فلا تقتتلن بعدی ) وهو أسلوبٌ نبوی فریدٌ فی التأکید على الأمة فی وداعها، بأنها ستوافی نبیها بین یدی ربها، ویکون کل فردٍ منها بحاجة ماسةٍ الى أن یسقى من حوض الکوثر، شربةً لا یظمأ الإنسان بعدها أبداً، ویصلح بها بدنه لدخول الجنة.

فهذا التوجیه منه صلى الله علیه وآله کمثل أبٍ یقول لأولاده: إعملوا بوصیتی، فإنی مسافرٌ عنکم، وسوف أرجع الیکم وآتی بأموالٍ کثیرة، وتکونون فی حالة فقرٍ شدیدة، وسأعرف من یعمل بوصیتی منکم، ومن یخالفنی!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۵

وأما المبدأ التاسع ( تحذیر الأمة من محقرات الأعمال ) ففیه إلفاتٌ الى قاعدة مهمة فی السلوک الفردی والإجتماعی، وهی أن الإنحراف یبدأ بأمر صغیر، أو أمور تبدو بسیطة، یحتقرها الإنسان ولا یراها مهمةً فی میزان التقوى.. وإذا بها تستتبع أموراً أخرى، وتجره الى هاویة الهلاک الأخروی، أو الدنیوی!

وهو أمرٌ مشاهد سواءً فی حالات الهلاک الفردی أو الإجتماعی..

فقد یتسامح المسلم فی النظر الى امرأة أجنبیة تعجبه، ویتسامح فی الحدیث معها، ثم فی التصرف.. حتى ینجر أمره الى الفاحشة!

وقد یتسامح فی اتخاذ صدیق سوء، ولا ینصت الى صوت ضمیره الدینی، ونصح ناصحیه.. حتى یغرق معه فی بحر ظلمه للناس، أو بحر انحرافه ورذیلته!

وقد تتسامح الأمة فی اعتداء الأجانب علیها، أو فی نفوذهم السیاسی، أو الإقتصادی أو الثقافی فی بلادها.. فینجر الأمر الى تسلطهم على مقدراتها، وسیطرتهم علیها!

أو یتسامح المجتمع فی مظهر من مظاهر الفساد والمنکر أول ما یحدث فی محلة أو منطقة منه، أو فی فئة من فئاته..

أو یتسامح المجتمع فی شروط حاکمه، ووزرائه وقضاته، أو فی ظلمهم وسوء سیرتهم.. فینجر ذلک الى شمول الفساد فی المجتمع، وتسارع هلاکه!

فالمحقرات من الذنوب هی المواقف أو التصرفات الصغیرة، التی تکون فی منطق الأحداث والتاریخ بذوراً غیر منظورة، لشجرة شرٍّ کبیرة، على المستوى الفردی أو الإجتماعی!!

وبهذا ورد تفسیرها عن النبی صلى الله علیه وآله فی مصادر الطرفین..

ـ ففی الکافی ۲|۲۸۸، عن الإمام الصادق علیه السلام قال: إن رسول الله صلى الله علیه وآله نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: إئتوا بحطبٍ، فقالوا: یارسول الله نحن بأرضٍ قرعاء ما بها من حطب! قال: فلیأت کل إنسانٍ بما قدر علیه، فجاؤوا به حتى رموا بین یدیه، بعضه على بعض، فقال رسول الله صلى الله علیه وآله: هکذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إیاکم والمحقرات





--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۶

من الذنوب، فإن لکل شیء طالباً، ألا وإن طالبها یکتب ما قدموا وآثارهم، وکل شیء أحصیناه فی إمام مبین. انتهى.

ـ وفی سنن البیهقی: ۱۰|۱۸۸

عن عبد الله بن مسعود رضی الله عنه أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: إیاکم ومحقرات الأعمال، إنهن لیجمعن على الرجل حتى یهلکنه، وإن رسول الله صلى الله علیه وسلم ضرب لهن مثلاً، کمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنیع القوم، فجعل الرجل یجىَ بالعوید، والرجل یجىَ بالعوید، حتى جمعوا من ذلک سواداً، ثم أججوا ناراً، فأنضجت ما قذف فیها. انتهى.

وهذان الحدیثان الشریفان ناظران الى التراکم الکمی للذنوب والأخطاء المحقرة، وکیف تتحول الى خطر نوعی فی حیاة الفرد والمجتمع.

وقد یکون الحدیثان التالیان ناظرین الى التراکم الکیفی فی نفس الإنسان والمجتمع، وشخصیتهما..

ـ ففی الکافی: ۲|۲۸۷

عن الإمام الصادق علیه السلام قال: اتقوا المحقرات من الذنوب، فإنها لا تغفر! قلت: وما المحقرات؟ قال: الرجل یذنب الذنب فیقول: طوبى لی لو لم یکن لی غیر ذلک!

ـ وفی سنن ابن ماجة: ۲|۱۴۱۷

عن عائشة قالت: قال لی رسول الله صلى الله علیه وسلم: یا عائشة إیاک ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالباً. فی الزوائد: إسناده صحیح، رجاله ثقات. انتهى. ورواه الدارمی: ۲|۳۰۳، وأحمد: ۶|۷۰ و ۱۵۱

ومن القواعد الهامة التی نفهمها من هذا التوجیه النبوی: أن الشیطان عندما ییأس من السیطرة على أمة فی قضایاها الکبیرة، یتجه الى التخریب والإضلال عن طریق المحقرات! ( ألا إن الشیطان قد أیس أن یعبد فی بلدکم هذا أبداً، ولکن سیکون له طاعةٌ فی بعض ما تحتقرون من أعمالکم، فیرضى بها ( سنن ابن ماجة: ۲|۱۰۱۵ )





--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۷

فقد کان الإسلام الذی أنزله الله تعالى، وبناه رسوله صلى الله علیه وآله صرحاً کبیراً وقلعةً محکمة، یئس الشیطان من قدرته على هدمها، فاتجه الى إقناع شخص من أهلها بسحب حجر واحدٍ صغیر من جنب الجدار، ثم حجرٍ آخر.. وآخر.. حتى یفرغ تحت الأساس فینهار الصرح على من فیه!

ومن الأمور الملفتة التی وردت فی التوجیه النبوی فی روایة علی بن ابراهیم أن إطاعة الشیطان فی محقرات الذنوب عبادةٌ له، فالذین یبدؤون بالإنحراف فی مجتمع، إنما یعبدون الشیطان ولا یعبدون الله تعالى، وهم بدعوتهم الى انحرافهم یدعون الأمة العابدة لله تعالى الى عبادة الشیطان.. ( ولکنه راض بما تحتقرون من أعمالکم، ألا وإنه إذا أطیع فقد عبد! ).

کما أن شهادة النبی صلى الله علیه وآله بأن الشیطان راض بما تحتقرون من أعمالکم، شهادةٌ خطیرة یخبر بها عن ارتیاح الشیطان من نجاحه فی مشروعه فی إضلال الأمة، وهدم صرحها عن طریق المحقرات.. وهو ینفع فی تفسیر قوله تعالى: ولقد صدق علیهم ابلیس ظنه فاتبعوه إلا فریقاً من المؤمنین. سبأ ـ ۲۰

أما أهل البیت علیهم السلام فقد اعتبروا أن طمع الأمة بالسلطة بعد النبی صلى الله علیه وآله وصراعها علیها، کان أعظم المحقرات التی ارتکبتها بعد نبیها.. ففی بحار الأنوار: ۲۸|۲۱۷ عن الإمام الباقر علیه السلام قال فی تفسیر قوله تعالى: ظهر الفساد فی البر و البحر بما کسبت أیدی الناس قال: ذلک والله یوم قالت الأنصار: منا أمیرٌ ومنکم أمیر! انتهى.




وأما المبدأ العاشر ( تحذیر النبی صلى الله علیه وآله من الکذب علیه ) فقد ورد فی روایتی أحمد المتقدمتین وغیرهما، ووردت فیه أحادیث کثیرة مشددة فی مصادر الشیعة والسنة، تدل على أن هذه المشکلة کانت موجودة فی حیاة النبی صلى الله علیه وآله، وأنه أخبر بأنها ستزداد من بعده، ویکثر الکذابون علیه!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۸

والمتأمل فی هذه المشکلة ینفر من هؤلاء الکذابین، لأن عملهم عملٌ شیطانی من شأنه أن یشوه الإسلام ویزوره، ویمنع وصوله الى الأجیال.. خاصة أن النبی صلى الله علیه وآله لم یکن مأموراً بفتح جبهة داخلیة مع أصحابه أبداً، ولم یؤمر بفضح هؤلاء الکذابین ولا بمعاقبتهم على کذبهم الماضی أو الآتی!!

فهل یکفی فی معالجة المشکلة تحذیر الکذابین، وتحذیر الأمة منهم؟!

من الواضح أن ذلک العلاج لا یؤثر إلا تقلیل حجم المشکلة الکمی، ولذا فإن تصریح النبی صلى الله علیه وآله بوجودها، وإخباره باستمرارها وتفاقمها بعده، دلیلٌ على أنه وضع لها بأمر ربه الحکیم، علاجاً کافیاً..

وقد کان العلاج وجوب عرض أحادیثه التی تروى عنه على الثقلین اللذین ترکهما فی الأمة وأوصاها بهما.. فکل حدیث خالف کتاب الله تعالى فهو زخرفٌ باطل، یستحیل أن یکون صادراً من النبی صلى الله علیه وآله، لأنه لا یقول مایخالف القرآن.. وکل حدیث یخالف ماثبت عن عترته الذین هم مع القرآن، فهو باطلٌ أیضاً لأنهم مع القرآن دائماً، ولأنهم ورثة النبی صلى الله علیه وآله والمبینون علومه للأمة من بعده.




الأساس الثالث: وحدة شریعة المسلمین وثقافتهم



وقد وردت مبادىَ هذا الأساس فی فقرات متعددة من خطب حجة الوداع، ذکرنا منها أداء الأمانة وتشریعات الإرث والدیات والحج.. ویوجد فی الخطب الشریفة تشریعاتٌ أخرى أیضاً.

ومن الواضح أن العامل الأساسی فی وحدة ثقافة الأمة الإسلامیة على اختلاف بلادها وقومیاتها، هو وحدة عقیدتها وشریعتها.. وأن کل الدول والحضارات لم تستطع أن تحقق بین الشعوب التی شملتها ماحققه الإسلام من وحدة فی التصور والسلوک، مازالت قائمة الى الیوم بین شعوبه، رغم کل العوامل المضادة!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۰۹




الأساس الرابع: مبادىَ مسیرة الدولة والحکم بعد النبی صلى الله علیه وآله



ـ مبدأ البشارة بالأئمة الإثنی عشر من عترته.

ـ مبدأ التأکید على الثقلین: القرآن والعترة.

ـ مبدأ إعلان علی ولیاً للأمة من بعده، والإمام الأول من الإثنی عشر.

ـ مبدأ أداء الفرائض، وإطاعة ولاة الأمر.

ـ مبدأ تخلید تعاهد قریش على حصار بنی هاصم.

ـ مبدأ تحذیر قریش أن تطغى من بعده صلى الله علیه وآله.

ـ مبدأ تحذیره الصحابة من الإرتداد والصراع على السلطة.

وقد تقدم البحث فی حدیث الأئمة الإثنی عشر، الذی شهدت روایاته بأنه صدر فی خطب حجة الوداع.

والعاقل لا یمکنه أن یقبل أن النبی صلى الله علیه وآله قد أخفى هویة هؤلاء الأئمة الإثنی عشر المعینین من الله تعالى.. أو أنه طرح موضوعهم وهو یودع الأمة لمجرد إخبارها بوجودهم، کما تدعی قریش ورواتها!

وأما المبدأ الثانی من هذا الأساس ( التأکید على الثقلین: القرآن والعترة ) فقد روتها مصادرنا فی خطبة الغدیر، وفی خطبة مسجد الخیف أیضاً، وربما فی غیرها من خطب حجة الوداع، کما تقدم فی روایة تفسیر علی بن ابراهیم.

أما مصادر السنیین فقد روت بشکل واسع تأکید النبی صلى الله علیه وآله على الثقلین القرآن والعترة فی خطبة غدیر خم فقط، وصححوا روایتها، وقد تقدم أن الطبری المعروف قد ألف کتاباً من مجلدین جمع فیه أحادیث الغدیر وطرقها وأسانیدها.

أما فی بقیة خطب حجة الوداع، فقد رواها من صحاحهم المعروفة الترمذی فی سننه: ۵ | ۳۲۸ عن جابر بن عبد الله قال: رأیت رسول الله صلى الله علیه وسلم فی حجته یوم عرفة وهو على ناقته القصواء یخطب فسمعته یقول:

یا أیها الناس، إنی ترکت فیکم ما إن أخذتم به لن تضلوا: کتاب الله وعترتی أهل




--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۰

بیتی. وفی الباب عن أبی ذر، وأبی سعید، وزید بن أرقم، وحذیفة بن أسید. هذا حدیث غریب حسن، من هذا الوجه. وزید بن الحسن قد روى عنه سعید بن سلیمان، وغیر واحد من أهل العلم. انتهى.

ومن الملاحظ أن عدداً من المصادر السنیة روت وصیة النبی صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع بالکتاب وحده، بدون العترة!

ففی صحیح مسلم: ۴|۴۱ ( وقد ترکت فیکم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: کتاب الله ) ومثله فی أبی داود: ۱|۴۲۷، وسنن البیهقی: ۵|۸، ونحوه فی ابن ماجة: ۲|۱۰۲۵، وفی مجمع الزوائد: ۳|۲۶۵: بصیغة ( أیها الناس إنی ترکت فیکم ما إن تمسکتم به لن تضلوا: کتاب الله فاعملوا به ) .

والمتتبع لأحادیث الباب یطمئن بأن الذی حصل هو إسقاط العترة من الروایة التی رواها هؤلاء، إما لنسیان الراوی، أو بسبب رقابة قریش على خطب نبیها صلى الله علیه وآله!

والدلیل على ذلک: أن نفس المصادر التی روت هذا الحدیث ناقصاً فی حجة الوداع، روته تاماً فی غیرها، فیحمل الناقص على التام!

فقد روى مسلم والبیهقی وابن ماجة والهیثمی بروایات متعددة، وصیة النبی صلى الله علیه وآله بالقرآن والعترة معاً، وتأکیداته المتکررة على ذلک..

ـ ففی صحیح مسلم: ۷|۱۲۲:

عن زید بن أرقم ( قام رسول الله صلى الله علیه وسلم یوماً فینا خطیباً بماء یدعى خماً، بین مکة والمدینة، فحمد الله وأثنى علیه، ووعظ وذکر، ثم قال:

أما بعد، ألا أیها الناس فإنما أنا بشر یوشک أن یأتی رسول ربی فأجیب، وأنا تارک فیکم ثقلین: أولهما کتاب الله فیه الهدى والنور، فخذوا بکتاب الله، واستمسکوا به فحث على کتاب الله ورغب فیه، ثم قال:

وأهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۱

فقال له حصین: ومن أهل بیته یا زید، ألیس نساؤه من أهل بیته؟

قال: نساؤه من أهل بیته، ولکن أهل بیته من حرم الصدقة بعده.

قال: ومن هم؟

قال: هم آل علی، وآل عقیل، وآل جعفر، وآل عباس.

قال: کل هؤلاء حرم الصدقة؟

قال: نعم. انتهى.

ورواه البیهقی فی سننه ۷|۳۰ و ۱۰|۱۱۴.

وفی مجمع الزوائد: ۱|۱۷۰: عن زید بن ثابت عن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: إنی ترکت فیکم خلیفتین: کتاب الله، وأهل بیتی، وإنهما لن یتفرقا حتى یردا علی الحوض. رواه الطبرانی فی الکبیر ورجاله ثقات ). ورواه بنحوه: ۹|۱۶۲ وقال: رواه أحمد وإسناده جید.

وأما أبو داود فلم یرو حدیثاً صریحاً فی الثقلین، ولکنه عقد فی سننه: ۲|۳۰۹ کتاباً باسم ( کتاب المهدی ) وروى فیه حدیث الأئمة الإثنی عشر وبشارة النبی صلى الله علیه وآله بالإمام المهدی وأنه من ذریة علی وفاطمة علیهما السلام، وروى عن النبی صلى الله علیه وآله قوله ( لو لم یبق من الدهر إلا یوم لبعث الله رجلاً من أهل بیتی یملأها عدلاً کما ملئت جوراً ). انتهى.

والذی یؤکد ما ذکرناه من أن الوصیة بالعترة حذفت من خطب حجة الوداع: أن الکلام النبوی الذی هو جوامع الکلم، له خصائص عدیدة یتفرد بها.. ومن خصائصه أنه یستعمل تراکیب معینة لمعان معینة، لا یستعملها لغیرها، فهو بذلک یشبه القرآن. وترکیب ( ما إن تمسکتم به لن تضلوا بعدی ) خاصٌّ لوصیته للأمة بالقرآن والعترة، لم یستعمله صلى الله علیه وآله فی غیرهما أبداً.. کما أن تعبیر: إنی تارک فیکم الثقلین لم یستعمله فی غیرهما أبداً.

ولذلک عندما قال لهم فی مرض وفاته: إیتونی بدواة وقرطاس أکتب لکم کتاباً لن تضلوا بعده أبداً.. فهمت قریش أنه یرید أن یلزم المسلمین بإطاعة الأئمة من عترته




--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۲

بشکل مکتوب، فرفضت ذلک بصراحةٍ ووقاحةٍ! وقد روى البخاری هذه الحادثة فی ست أماکن من صحیحه!! وروت المصادر أن عمر افتخر فی خلافته، بأنه بمساعدة قریش حال دون کتابة ذلک الکتاب!!

وغرضنا هنا أن نلفت الى أن ورود هذا الترکیب فی أکثر روایاتهم لخطب حجة الوداع للقرآن وحده دون العترة، یخالف الأسلوب النبوی، وتعبیره المبتکر فی الوصیة بهما معاً.. خاصةً وأن الترمذی رواهما معاً!

والنتیجة أن بشارة النبی صلى الله علیه وآله لأمته فی حجة الوداع بالائمة الإثنی عشر، ووصیته بالثقلین، وجعله عترته الطاهرین علیاً وفاطمة والحسن والحسین عدلاً للقرآن فی وجوب الإتباع، أمرٌ ثابتٌ فی مصادر جمیع المسلمین.. لا ینکره إلا من یرید أن یتعصب لقبیلة قریش، فی مقابل الله تعالى ورسوله صلى الله علیه وآله.

وأما المبدأ الثالث من هذا الأساس ( إعلان علی ولیاً للأمة من بعده ) فهو صریح حدیث الغدیر، ولا یتسع موضوعنا لذکر أسانیده ونصوصه، ودلالتها على ذلک.. وقد تکفلت بذلک المصادر الحدیثیة والکلامیة، ومن أقدمها کتاب ( الولایة ) للطبری السنی، ومن أواخرها کتاب الغدیر للعلامة الأمینی.

وأما المبدأ الرابع من هذا الأساس ( تأکیده صلى الله علیه وآله على أداء الفرائض وإطاعة ولاة الأمر ) فقد تقدم ذکره فی فقرات الأساس الثانی، وقد اعترف الفخر الرازی وغیره فی تفسیر قوله تعالى ( أطیعوا وأطیعوا الرسول وأولی الأمر منکم ) بأن غیر المعصوم لا یمکن أن یأمرنا الله تعالى بطاعته بدون شرط، لأنه یکون بذلک أمرَ بالمعصیة! فلا بد أن یکون أولوا الأمر فی الآیة معصومین.. وکذلک الحدیث النبوی الشریف فی حجة الوداع، وغیرها.

وأما المبدأ الخامس من هذا الأساس ( تخلیده صلى الله علیه وآله مکان تعاهد قریش على حصار بنی هاشم ) فقد رواه البخاری فی صحیحه: ۵|۹۲ قال:





--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۳

عن أبی هریرة رضی الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله، الخیف، حیث تقاسموا على الکفر. انتهى.

ورواه فی: ۴|۲۴۶ و: ۸|۱۹۴ ورواه فی: ۲|۱۵۸، بنص أوضح، فقال:

عن أبی هریرة رضی الله عنه قال قال النبی صلى الله علیه وسلم من الغد یوم النحر وهو بمنى: نحن نازلون غداً بخیف بنی کنانة، حیث تقاسموا على الکفر. یعنی بذلک المحصب، وذلک أن قریشاً وکنانة تحالفت على بنی هاشم وبنی عبد المطلب أو بنی المطلب، أن لا یناکحوهم ولا یبایعوهم حتى یسلموا إلیهم النبی صلى الله علیه وسلم!! . انتهى.

ورواه مسلم: ۴|۸۶، وأحمد: ۲|۳۲۲ و ۲۳۷ و ۲۶۳ و ۳۵۳ و ۵۴۰

ورواه البیهقی فی سننه: ۵|۱۶۰، بتفاوت وقال ( أخرجه البخاری ومسلم فی الصحیح من حدیث الأوزاعی ) وقد رواه مسلم عن الأوزاعی، ولکن البخاری لم یروه عنه، بل عن أبی هریرة، ولم نجد فی طریقه الأوزاعی، فهو اشتباهٌ من البیهقی، أو سقطٌ من نسخة البخاری التی بأیدینا.

وفی روایة البیهقی عن الأوزاعی زیادة ( أن لا یناکحوهم، ولا یکون بینهم شیء حتى یسلموا الیهم رسول الله صلى الله علیه وسلم ).

کما أن فی روایاتهم تفاوتاً فی وقت إعلان النبی صلى الله علیه وآله للمسلمین عن مکان نزوله فی منى، فروایة البخاری تذکر أنه أعلن ذلک فی منى بعد عرفات، بینما تذکر روایة الطبرانی أنه أعلن ذلک فی مکة قبل توجهه الى الحج.. وهذا أقرب الى اهتمامه صلى الله علیه وآله بالموضوع، وحرصه على ترکیزه فی أذهان المسلمین، خاصةً أنه نزل فی هذا المنزل، وبات فیه لیلة عرفات، وهو فی طریقه الیها، وقد تقدم ذلک فی روایة الدارمی، ثم نزل فیه طیلة أیام التشریق! قال فی مجمع الزوائد: ۳|۲۵۰:

عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله علیه وسلم قبل یوم الترویة بیوم: منزلنا غداً إن شاء الله بالخیف الأیمن، حیث استقسم المشرکون. رواه الطبرانی فی الکبیر والأوسط، ورجاله ثقات. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۴

والمسألة المهمة هنا: هی هدف الرسول أن یذکِّر قریشاً والمسلمین بحادثةٍ عظیمة وقعت فیهذا المکان، قبل نحو أربع عشرة سنة من ذلک الیوم فقط! هذه الحادثة التی ترید قریش أن تدفنها وأن ینساها الناس، ویرید الله ورسوله أن تخلد فی ذاکرة المسلمین والتاریخ، وکلها عارٌ على قریش، وفخرٌ للنبی صلى الله علیه وآله وبنی هاشم.. وهی صورةٌ عن جهود فراعنة قریش، حیث استطاعوا أن یحققو إجماع قبائلهم، ویقنعوا قبائل کنانة القریبة من الحرم بتنفیذ مقاطعة تامة على بنی هاشم!!

وقد نفذوها لسنین طویلة وضیقوا علیهم اقتصادیاً واجتماعیاً تضییقاً تاماً، حتى یتراجع محمد عن نبوته، أو یسلمه بنو هاشم الى قریش لیقتلوه!!

وقد اعتبر الفراعنة یومذاک أنهم نجحوا نجاحاً کبیراً وحققوا إجماع قریش وکنانة على هذا الهدف الشیطانی، وکان مؤتمرهم لذلک فی المحصب فی خیف بنی کنانة حیث تقاسموا باللات والعزى على هدفهم، وبدؤوا من الیوم الثانی بتنفیذه، واستمر حصارهم ومقاطتهم نحو أربع سنوات الى قبیل هجرته صلى الله علیه وآله من مکة!!

وقد تضامن بنو هاشم مع النبی صلى الله علیه وآله مسلمهم وکافرهم وتحملوا سنوات الحصار والفقر والأذى والإهانة، فی شعب أبی طالب، ولم یشارکهم فی ذلک أحد من المسلمین .. حتى فرج الله عنهم بمعجزة!

لقد أراد النبی صلى الله علیه وآله أن یوعی المسلمین الجدد على تاریخ الإسلام، وتکالیف الوحی، لیعرفوا قیمته.. ویوعیهم على معدن الإسلام ومعدن الکفر لیعرفوهما!

کما أراد أن یبعث بذلک رسالةً الى بقیة الفراعنة، الذین مازالوا أحیاء من زعماء قریش، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الکفر والعار، ثم ارتکبوا بعده ما هو أعظم منه، ولم یتراجعوا إلا عندما جمعهم فی فتح مکة تحت سیوف الأنصار وسیوف بنی هاشم، فأعلنوا إسلامهم خوفاً من القتل.. وها هم الیوم یخططون لوراثة دولة الإسلام التی بناها الله تعالى ورسوله، وهم کارهون!!

لقد أهلک الله تعالى عدداً قلیلاً من أبطال ذلک الحلف الشیطانی، من سادةمؤتمر خیف المحصب، بالموت، وبسیف علی بن أبی طالب .. ولکن العدید مثل سهیل بن عمرو، وأبی سفیان، وعکرمة بن أبی جهل، وصفوان بن أمیة بن خلف، وحکیم بن حزام، وصهیب بن سنان، وأبا الأعور السلمی، وغیرهم من زعماء قریش وکنانة .. مازالو أحیاءً ینظرون ، وکانوا حاضرین مع النبی صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع یسمعون کلامه ویذکرون ماضیهم بالأمس القریب جیداً، ویتعجبون من عفوه عنهم واکتفائه بإقامة الحجة الدامغة علیهم!

وکانت تصرفاتهم الظاهرة والخفیة، ومنطق الأمور، وشهادة أهل البیت، ومجرى التاریخ .. تدل على فرحهم بأن النبی صلى الله علیه وآله یعلن قرب موته ورحیله عنهم، وأنهم یعدون العدة لما بعده لحصار بنی هاشم الجدید!!

فأراد النبی صلى الله علیه وآله أن یذکرهم بخطتهم فی حصارهم القدیم، وکیف أحبطه الله تعالى! وأنه سیحبط حصارهم الجدید أیضاً!!

وأما المبدأ السابع من هذا الأساس ( تحذیره قریشاً أن تطغى من بعده وتفسد ) فقد ذکرته أحادیث مصادرنا، وذکرته روایة الهیثمی المتقدمة فی مجمع الزوائد عن فهد بن البحیری، الذی استمع على مایبدو الى خطبة یوم عرفة ونقل عن النبی صلى الله علیه وآله قوله ( یامعشر قریش لا تجیئوا بالدنیا تحملونها على رقابکم وتجئ الناس بالآخرة، فإنی لا أغنی عنکم من الله شیئاً ) انتهى.

ونشکر الله تعالى أن فهدا البحیری هذا کان بدویاً، ولم یکن قرشیاً ولا کنانیاً، وإلا لوضع هذه الروایة فی رقبة بنی هاشم، وأبعدها عن قریش، کما فعل الرواة القرشیون! فجعلونا نقرأ فی مصادر إخواننا السنیین عشرات الأحادیث ( الصحیحة ) فی تحذیر النبی صلى الله علیه وآله لبنی هاشم وبنی عبد المطلب وذمهم!! وعشرات الأحادیث فی مدح قریش ووجوب أن تکون القیادة فیهم!! ولا تجد فیها حدیثاً فی ذم قریش إلا وقد أحبطوا معناه بحدیث آخر، أو حولوه الى مدحٍ لقریش!!




--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۶

وحدیث ابن البحیری فی حجة الوداع تحذیرٌ نبویٌّ لقریش فی محله تماماً .. لأن قریشاً ذات موقع ممیزٍ فی العرب .. وهی المتصدیة لقیادة عرب الجزیرة فی حیاة النبی صلى الله علیه وآله ومن بعده .. فالخطر على أهل بیته من قریش وحدها .. والتحریف الذی یخشى على الإسلام .. والظلم الذی یخشى على المسلمین إنما هو من قریش وحدها .. وبقیة الناس تبعٌ لها!

والنبی صلى الله علیه وآله إنما هو مبلغٌ عن ربه، ومقیمٌ لحجة ربه، وعلیه أن یحذر وینذر، لیحیى من حیَّ عن بینة، ویهلک من هلک عن بینة.

وأما المبدأ الثامن من هذا الأساس ( تحذیره الصحابة من الإرتداد والصراع على السلطة ) فقد روته مصادر الجمیع بصیغتین: مباشرة، وغیر مباشرة ..

أما غیر المباشرة فهی قوله صلى الله علیه وآله ( لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض ) وقد تقدم فی نصوص الخطب أن ابن ماجة عقد فی سننه: ۲|۱۳۰۰ باباً تحت هذا العنوان وقال فیه إن النبی صلى الله علیه وآله ( استنصت الناس فقال ... ویحکم أو ویلکم، لا ترجعوا بعدی کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض ... فلا تقتتلن بعدی ) .

وهذا یعنی أن ذلک سوف یقع منهم، وقد أخبرهم أنهم سیفعلون، ولکنه صلى الله علیه وآله استعمل کل بلاغته وکل عاطفته، وکل موجبات الخوف والحذر .. لیقیم الحجة علیهم لربه عز وجل، حتى إذا وافوه یوم القیامة لا یقولوا: لماذا لم تحذرنا!

والذین یحذرهم من الإقتتال لیسوا إلا الصحابة لا غیر .. لا غیر .. لا الیهود ولا القبائل العربیة، ولا حتى زعماء قریش بدون شرکائهم من الصحابة ..

فالدولة الإسلامیة کانت قائمة، وقد حققت مرکزیتها على کل الجزیرة، والخوف من الإقتتال بعد النبی صلى الله علیه وآله لیس من القبائل التی خضعت للاسلام طوعاً أو کرهاً، مهما کانت کبیرةً وموحدةً مثل هوازن وعطفان .. فهی لا تستطیع أن تطمح الى قیادة هذه الدولة، وإن طمحت فلا حظَّ لها فی النجاح، إلا بواسطة الصحابة ..





--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۷

والیهود قد انکسروا وأجلى النبی صلى الله علیه وآله قسماً منهم من الجزیرة، ولم تبق لهم قوة عسکریة تذکر .. ومکائدهم وخططهم مهما کانت قویةً وخبیثةً، فلا حظَّ لها فی النجاح إلا .. بواسطة الصحابة ..

وزعماء قریش، مع أنهم یملکون جمهور قبائل قریش، فهم لا یستطیعون أن یدعوا حقاً فی قیادة الدولة بعد النبی صلى الله علیه وآله لأنهم کلهم طلقاؤه، یعنی کان للنبی صلى الله علیه وآله الحق فی أن یقتلهم ، أو یتخذهم عبیداً، فاتخذهم عبیداً وأطلقهم .. فلا طریق لهم للقیادة إلا بواسطة العدد الضئیل من الصحابة، من القرشیین المهاجرین ..

وبذلک یتضح أن تحذیره صلى الله علیه وآله من الصراع بعده على السلطة، ینحصر بالصحابة المهاجرین، ثم بالأنصار فقط .. وفقط !!

وهنا یأتی دور التحذیر المباشر، الذی لا ینقصه إلا الأسماء الصریحة .. وقد جاء هذا الإعلان النبوی على شکل لوحةٍ من الغیب، عن النتیجة والمصیر الذی یمشی الیه هؤلاء الصحابة المنحرفون المحرِّفون!

لوحةٌ أخبره بها جبرئیل علیه السلام عن الله تعالى، یومَ یجعل الله محمداً صلى الله علیه وآله رئیس المحشر، ویعطیه جبرئیل لواء الحمد، فیدفعه النبی الى علی بن أبی طالب، فهو حامل لوائه فی الدنیا والآخرة، ویکون جمیع أهل المحشر تحت قیادة محمد صلى الله علیه وآله .. ویفتخر به آدم علیه السلام، حتى یدعى أبا محمد .. صلى الله علیه وآله.

ویعطی الله تعالى رسوله الشفاعة وحوض الکوثر، فیفد علیه الوافدون من الأمم فیشفع لهم ویعطیهم بطاقة للشرب من حوض الکوثر، لیتغیر بذلک الکأس ترکیبهم الفیزیائی، وتصلح أجسادهم لدخول الجنة، والخلود فی نعیمها ..

وعندما یفد علیه أصحابه تحدث المفاجأة:

یأتی النداء الإلهی بمنع النبی صلى الله علیه وآله من الشفاعة لهم، ومنعهم من ورود الحوض، ویؤمر ملائکة العذاب بأخذهم الى جهنم !!

هذا هو مستقبل هؤلاء الصحابة على لسان أصدق الخلق!!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۸

إنه صورةٌ رهیبةٌ، جاء بها جبرئیل الأمین، لکی یبلغها النبی صلى الله علیه وآله الى الأمة فی حجة الوداع!!

إنها أعظم کارثةٍ على صحابةِ أعظم رسول صلى الله علیه وآله .. ولا بد أن سببها أنهم سوف یوقعون فی أمته من بعده أعظم ... کارثة!!

ولا ینجو من هؤلاء الصحابة إلا مثل ( همل النعم ) کما فی روایات محبیهم الصحیحة بأشد شروط الصحة .. وهو تعبیرٌ نبویٌّ عجیب، لأن همل النعم هی الغنم أو الإبل الفالتة من القطیع، الخارجة على راعیه! وهو یدل على أن قطیع الصحابة فی النار، وهملهم الذی یفلت منهم، یفلت من النار الى الجنة!!

بل ذکر النبی صلى الله علیه وآله أن الصحابة الجهنمیین زمرتان، مما یدل على أنهم خطان من صحابته لاخطٌ واحد، وتقدم قول الحاکم عن حدیثه: صحیحٌ على شرط الشیخین، وفیه ( ثم أقبلت زمرةٌ أخرى ، ففعل بهم کذلک، فلم یفلت إلا کمثل النعم!! )

إنها مسألةٌ مذهلةٌ .. صعبةُ التصور والتصدیق، خاصةً على المسلم الذی تربى على حب کل الصحابة، وخیر القرون، والجیل الفرید، وحدیث أصحابی کالنجوم بأیهم اقتدیتم اهتدیتم .. وعلى الصور واللوحات الرائعة للصحابة، التی کبر معها وکبرت معه .. فإذا به یفاجأ بهذه الصورة الشیطانیة المخیفة عنهم!!

لو کان المتکلم عن الصحابة غیر الرسول صلى الله علیه وآله لقالوا عنه إنه عدوٌّ للإسلام ولرسوله یرید أن یکید للإسلام عن طریق الطعن فی صحابة الرسول .. صلى الله علیه وآله.

ولکن المتکلم هو .. الرسول صلى الله علیه وآله .. بعینه .. بنفسه .. وکلامه لیس اجتهاداً منه ولا رأیاً رآه، حتى تقول قریش إنه یتکلم فی الرضا والغضب، وکلامه فی الغضب لیس حجة .. بل هو وحیٌ نزل علیه من رب العالمین!!

إنها حقیقةٌ مرةٌ .. ولکن هل یجب أن تکون الحقیقة دائماً حلوةً کما نشتهی .. وأن یکون الحق دائماً مفصلاً على مزاجنا، مطابقاً لموروثاتنا؟!

وماذا نصنع إذا کانت أحادیث الصحابة المطرودین، المرفوضین، الممنوعین من




--------------------------------------------------------------------------------

۱۱۹

ورود الحوض مستفیضةٌ فی الصحاح، وهی فی غیر الصحاح أکثر .. وهی تصرح بأنه لاینجو منهم إلا مثل الهمل!!

ـ قال الجوهری فی الصحاح: ۵|۱۸۵۴

والهمل بالتحریک: الإبل التی ترعى بلا راع، مثل النفش ، إلا أن النفش لا یکون إلا لیلاً، والهمل یکون لیلاً ونهاراً. یقال: إبلٌ هملٌ وهاملة وهمال وهوامل.

وترکتها هملاً أی سدى، إذا أرسلتها ترعى لیلاً ونهاراً بلا راع.

وفی المثل: اختلط المرعی بالهمل. والمرعی الذی له راع. انتهى.

ولکن السؤال هو: لماذا طرح الرسول صلى الله علیه وآله موضوعهم فی حجة الوداع؟!

الجواب: لأن الله تعالى أمره بذلک، فهو لا ینطق عن الهوى، ولا علم له من نفسه بما سیفعله أصحابه من بعده، ولا بما سیجری له معهم یوم القیامة!!

والسؤال الآخر: وماذا فعل الصحابة بعد الرسول؟ هل کفروا وارتدوا کما یقول الحدیث؟ هل حرفوا الدین؟ هل اقتتلوا على السلطة والحکم؟!

والجواب: إقبل ما یقوله لک نبیک صلى الله علیه وآله، واسکت، ولا تصر رافضیاً!

والسؤال الآخر: لماذا اختار الله تعالى هذا الأسلوب فی التحذیر، ولم یهلک هؤلاء الصحابة، الذین سینحرفون، أو یأمر رسوله بقتلهم، أو یکشفهم للمسلمین لیحذروهم!

والجواب: هذه سیاسته سبحانه وتعالى فی إقامة الحجة کاملة على العباد، وترک الحریة لهم .. لیحیى من حیَّ عن بینة، ویهلک من هلک عن بینة .. ولا یسأل عما یفعل، وهم یسألون .. فهو سبحانه مالکهم له حق سؤالهم، وهو لا یفعل الخطأ حتى یحاسب علیه .. وهو أعلم، وغیر الأعلم لا یمکنه أن یحاسب الأعلم ویسأله!

والسؤال الآخر: ماذا کان وقع ذلک على الصحابة والمسلمین؟! ألم یهرعوا الى الرسول صلى الله علیه وآله لیحدد لهم الطریق أکثر، ویعین لهم من یتبعونه بعده، حتى لا یضلهم هؤلاء الصحابة الخطرون؟!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۰

والجواب: لقد عین لهم الثقلین من بعده: کتاب الله وعترته، وبشرهم باثنی عشر إماماً یکونون منهم بعده ..

وقبل حجة الوداع وبعدها ، طالما حدد النبی صلى الله علیه وآله لهم عترته وأهل بیته بأسمائهم: علی وفاطمة والحسن والحسین علیهم السلام ، حتى أن الأحادیث الصحاح تقول إنه حددهم حسیاً فأدار علیهم کساءً یمانیاً، وقال للمسلمین: هؤلاء عترتی أهل بیتی!!

ولم یکتف بذلک حتى أوقف المسلمین فی رمضاء الجحفة بغدیر خم، وأخذ بید علی علیه السلام وبلغ الأمة إمامته من بعده، ونصب له خیمةً، وأمر المسلمین أن یسلموا علیه بإمرة المؤمنین، ویبارکوا له ولایته علیهم التی أمر بها الله تعالى .. فهنؤوه جمیعاً وبارکوا له، وأمر النبی صلى الله علیه وآله نساءه وکن معه فی حجة الوداع، أن یهنئن علیاً فجئن الى باب خیمته وهنأنه وبارکن له .. معلناتٍ رضاهن بولایته على الأمة.

ثم أراد صلى الله علیه وآله فی مرض وفاته أن یؤکد الحجة على الأمة بوثیقةٍ مکتوبة، فطلب منهم أن یأتوه بدواة وقرطاس لیکتب لهم کتاباً لن یضلوا بعده أبداً .. ولکنهم رفضوا ذلک بشدة! وقالوا له: شکراً أیها الرسول، لقد قررنا أن نضل، عالمین عامدین مختارین!! لأنا لانرید أن تکتب لنا أطیعوا بعدی عترتی علیاً، ثم حسناً، ثم حسیناً، ثم تسعة من ذریة الحسین!

فهل ترید من نبیک صلى الله علیه وآله أن یقیم الحجة أکثر من هذا؟!



الأساس الخامس: عقوبة المخالفین للوصیة النبویة بأهل بیته علیهم السلام



وهی عقوبةٌ أخرویة، تتناسب مع مسؤولیة النبی صلى الله علیه وآله فی التبلیغ، والشهادة على الأمة .. وقد جاءت شدیدةً قاطعة، بصیغة قرارٍ من الله تعالى بلعن المخالفین لرسوله صلى الله علیه وآله فی أهل بیته، وطردهم من الرحمة الإلهیة، وحکماً بعدم قبول توبتهم نهائیاً واستحقاقهم العذاب فی النار .

وربما یزید من شدتها، أنها کانت آخر فقرة من خطبته صلى الله علیه وآله!!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۱

وقد تقدم نص هذه اللعنة النبویة فی روایة تحف العقول من مصادرنا، وقد نصت مصادر السنیین على أنها صدرت من النبی صلى الله علیه وآله فی حجة الوداع.

ـ ففی سنن ابن ماجة: ۲|۹۰۵

عن عمرو بن خارجة أن النبی صلى الله علیه وسلم خطبهم وهو على راحلته، وإن راحلته لتقصع بجرتها، وإن لغامها لیسیل بین کتفی، قال ... ومن ادعى الى غیر أبیه، أو تولى غیر موالیه، فعلیه لعنة الله والملائکة والناس أجمعین، لا یقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ. أو قال: عدلٌ ولا صرفٌ.

ـ وفی سنن الترمذی: ۳|۲۹۳

عن أبی أمامة الباهلی قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول فی خطبته عام حجة الوداع .... ومن ادعى الى غیر أبیه، أو انتمى الى غیر موالیه، فعلیه لعنة الله التابعة الى یوم القیامة.

ـ وفی مسند أحمد: ۴|۲۳۹

عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله صلى الله علیه وسلم وهو بمنى على راحلته، وإنی لتحت جران ناقته، وهی تقصع بجرتها، ولعابها یسیل بین کتفی، فقال: ألا ومن ادعى الى غیر موالیه رغبةً عنهم، فعلیه لعنة الله والملائکة والناس أجمعین. ورواه أحمد: ۴|۱۸۷ بلفظ: ألا ومن ادعى الى غیر أبیه، أو تولى غیر موالیه فعلیه لعنة الله والملائکة والناس أجمعین، لا یقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً أو عدلاً ولا صرفاً. انتهى. ورواه بعدة روایات فی نفس الصفحة والتی قبلها، وفی ص ۲۳۸ و ۱۸۶، ورواه الدارمی فی سننه: ۲|۲۴۴ و۳۴۴، ومجمع الزوائد: ۵|۱۴، عن أبی مسعود، ورواه البخاری فی صحیحه: ۲|۲۲۱، و: ۴|۶۷

ولعلک تسأل: ماعلاقة هذه اللعنة المشددة المذکورة فی خطب حجة الوداع وغیرها بوصیة النبی صلى الله علیه وآله بأهل بیته؟! فهی تنصب على الذی ینکر نسبه من أبیه وینسب نفسه الى شخص آخر، وعلى العبد الذی ینکر مالکه ویدعی أنه عبد




--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۲

لشخص آخر، أو ینکر ولاءه وسیده الذی أعتقه، ویدعی أن ولاءه لشخص آخر!

فهذا هو معنى ( من ادعى لغیر أبیه أو تولى غیر موالیه ) !

والجواب: أن مقصود النبی صلى الله علیه وآله بالأبوة فی هذه الأحادیث الشریفة: أبوته هو المعنویة للأمة، وبالولاء: ولایته وولایة أهل بیته علیها، ولیس مراده الأبوة النسبیة وولاء المالک لعبده !

والدلیل على ذلک: لو أن ولداً هرب من أبیه، وسجل نفسه باسم والدٍ آخر، ثم تاب من فعلته وصحح هویته، واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء جمیعاً یفتون بأن توبته تقبل !

ولو أن عبداً مملوکاً هرب من سیده ولجأ الى شخص، وادعى أنه سیده، وبعد مدة رجع الى سیده واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء یفتون بأن توبته تقبل.

بینما الشخص الملعون فی کلام النبی صلى الله علیه وآله مصبوبٌ علیه الغضب الإلهی الى الأبد! ( فعلیه لعنة الله والملائکة والناس أجمعین، لا یقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ) . والصرف هو التوبة ، والعدل الفدیة، وقد فسرتهما الأحادیث الشریفة بذلک.

فهذه العقوبة الإلهیة المذکورة فی خطب حجة الوداع، إنما تصح لحالات الخیانة العظمى، مثل الإرتداد وشبهه، ولا یعقل أن تکون لولدٍ جاهلٍ یدعو نفسه لغیر أبیه، أو لعبدٍ مملوکٍ أو مظلومٍ یدعو نفسه لغیر سیده!

ویؤید ذلک أن بعض روایاتها صرحت بکفر من یفعل ذلک، وخروجه من الإسلام! کما فی سنن البیهقی: ۸|۲۶، ومجمع الزوائد: ۱|۹۷، وکنز العمال: ۵|۸۷۲. وفی کنز العمال: ۱۰ | ۳۲۴ ( من تولى غیر موالیه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. أحمد عن جابر ) .

ـ وفی|۳۲۶ ( من تولى غیر موالیه فلیتبوأ بیتاً فی النار. ابن جریر عن عائشة )

ـ وفی|۳۲۷ ( من تولى غیر موالیه فقد کفر. ابن جریر عن أنس ) .

ـ وفی: ۱۶|۲۵۵ ( ومن تولى غیر موالیه فهو کافر بما أنزل الله على رسوله. ش )





--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۳

ولا نحتاج الى تتبع هذه الأحادیث فی مصادرها وأسانیدها، لأنها مؤیداتٌ لحکم العقل القطعی بأن مقصوده صلى الله علیه وآله لا یمکن أن یکون الأب النسبی، ومالک العبد.

ویؤید ذلک أیضاً: أن بعض روایاته کالتی مرت آنفاً وغیرها من روایات أحمد، لیس فیها ذکر للولد والوالد، بل اقتصرت على ذکر العبد الذی هو أقل جرماً من الولد ومع ذلک زادت العقوبة واللعنة علیه، ولم تخففها!

ویؤید ذلک أیضاً: أن هذه اللعنة وردت فی بعض روایات الخطب الشریفة، بعد ذکر مامیز به الله تعالى رسوله صلى الله علیه وآله وأهل بیته علیهم السلام من مالیة خاصة هی الخمس، وحرم علیهم الصدقات والزکوات !

ـ ففی مسند أحمد: ۴|۱۸۶

خطبنا رسول الله صلى الله علیه وسلم وهو على ناقته فقال: ألا إن الصدقة لا تحل لی ولا لأهل بیتی، وأخذ وبرةً من کاهل ناقته، فقال: ولا ما یساوی هذه، أو ما یزن هذه. لعن الله من ادعى الى غیر أبیه، أو تولى غیر موالیه. انتهى.

ورواه فی کنز العمال: ۵ | ۲۹۳، وفی کنز العمال: ۱۰|۲۳۵ ( ومن تولى غیر موالیه، فلیتبوأ بیتاً فی النار . ابن عساکر عن عائشة ) انتهى.

أما فی مصادر أهل البیت علیهم السلام فالحدیث ثابتٌ عنه صلى الله علیه وآله فی خطب حجة الوداع فی المناسک .. وهو أیضاً جزءٌ من حدیث الغدیر ..

ـ ففی بحار الأنوار: ۳۷|۱۲۳

عن أمالی المفید، عن علی بن أحمد القلانسی، عن عبدالله بن محمد، عن عبد الرحمان بن صالح، عن موسى بن عمران، عن أبی إسحاق السبیعی ، عن زید بن أرقم قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله بغدیر خم یقول: إن الصدقة لا تحل لی ولا لأهل بیتی، لعن الله من ادعى الى غیر أبیه، لعن من تولى الى غیر موالیه، الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر، ولیس لوارث وصیة.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۴

ألا وقد سمعتم منی، ورأیتمونی .. ألا من کذب علی متعمداً فلیتبوأ مقعده من النار.

ألا وإنی فرطکم على الحوض ومکاثرٌ بکم الأمم یوم القیامة، فلا تسودوا وجهی.

ألا لأستنقذن رجالاً من النار، ولیستنقذن من یدی أقوامٌ.

إن الله مولای، وأنا مولى کل مؤمن ومؤمنة.

ألا من کنت مولاه فهذا علی مولاه. انتهى.

وروى نحوه فی|۱۸۶، عن بشارة الإسلام .

ـ وقال ابن البطریق الشیعی فی کتابه العمدة|۳۴۴

وأما الأخبار التی تکررت من الصحاح من قول النبى صلى الله علیه وآله: لعن الله من انتمى الى غیر أبیه، أو توالى غیر موالیه، فهی من أدل على الحث على اتباع أمیر المؤمنین علیه السلام والأمر بولائه دون غیره، یرید بقوله: من تولى غیر موالیه یعنی نفسه صلى الله علیه وآله وعلیاً علیه السلام بعده، بدلیل ماتقدم من الصحاح من غیر طریق، فی فصل مفرد مستوفى، وهو قول النبی صلى الله علیه وآله: من کنت مولاه فعلی مولاه، ثم قال مؤکداً لذلک: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

فمن کان النبى صلى الله علیه وآله مولاه فعلی مولاه، ومن کان مؤمناً فعلی مولاه أیضاً، بدلیل ماتقدم من قول عمر بن الخطاب لعلی لما قال له النبی صلّى الله علیه وآله: من کنت مولاه فعلی مولاه، فقال له عمر: بخٍ بخٍ لک یا علی، أصبحت مولى کل مؤمن و مؤمنة. وفی روایة: مولای ومولى کل مؤمنة ومؤمن.

وهذه منزلة لم تکن إلا لله سبحانه وتعالى، ثم جعلها الله لرسوله صلى الله علیه وآله ولعلی علیه السلام بدلیل قوله تعالى: إنما ولیکم الله ورسوله والذین آمنوا الذین یقیمون الصلاة ویؤتون الزکوة وهم راکعون ...

وقوله صلى الله علیه وآله: من انتمى الى غیر أبیه فالمراد به: من انتمى الى غیر أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام فی الولاء، مأخوذٌ من قول النبی صلى الله علیه وآله لعلی علیه السلام: أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فعلى عاق والدیه لعنة الله. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۵

کما ورد فی مصادر الفریقین أن هذا الحدیث جزءٌ مما کان مکتوباً فی صحیفة صغیرة معلقة فی ذؤابة سیف النبی صلى الله علیه وآله الذی ورَّثه لعلی علیه السلام .. فقد رواه البخاری فی صحیحه: ۴|۶۷، ومسلم: ۴|۱۱۵، و ۲۱۶، بعدة روایات، والترمذی: ۳|۲۹۷ .. ورواه غیرهم أیضاً، وأکثروا من روایته، لأن الراوی ادعى فیه على لسان علی علیه السلام أن النبی صلى الله علیه وآله لم یورث أهل بیته شیئاً من العلم، إلا القرآن وتلک الصحیفة المعلقة فی ذؤابة السیف!!

وقد وجدنا أن النبی صلى الله علیه وآله أطلق هذه اللعنة فی مناسبة رابعة، عندما کثر طلقاء قریش فی المدینة، وتصاعد عملهم مع المنافقین ضد أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله وقالوا: ( إنما مثل محمد فی بنی هاشم کمثل نخلة نبتت فی کبا، أی مزبلة ) فبلغ ذلک النبی فغضب، وأمر علیاً أن یصعد المنبر ویجیبهم!!

ـ فقد روى فی بحار الأنوار: ۳۸|۲۰۴

عن أمالی المفید، عن محمد بن عمر الجعابی، عن ابن عقدة، عن موسى بن یوسف القطان، عن محمد بن سلیمان المقری، عن عبد الصمد بن علی النوفلی، عن أبی إسحاق السبیعی، عن الأصبغ بن نباتة قال:

لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام، غدونا نفر من أصحابنا أنا والحارث وسوید بن غفلة، وجماعة معنا، فقعدنا على الباب، فسمعنا البکاء فبکینا، فخرج إلینا الحسن بن علی فقال: یقول لکم أمیرالمؤمنین: انصرفوا الى منازلکم، فانصرف القوم غیری فاشتد البکاء من منزله فبکیت، وخرج الحسن وقال: ألم أقل لکم: انصرفوا؟ فقلت: لا والله یاابن رسول الله لا تتابعنی نفسی ولا تحملنی رجلی أنصرف حتى أرى أمیر المؤمنین علیه السلام.

قال: فبکیت، ودخل فلم یلبث أن خرج فقال لی: أدخل، فدخلت على أمیرالمؤمنین علیه السلام فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء، قد نزف واصفر وجهه، ما أدری وجهه أصفر أو العمامة؟ فأکببت علیه فقبلته وبکیت.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۶

فقال لی: لا تبک یا أصبغ ، فإنها والله الجنة.

فقلت له: جعلت فداک إنی أعلم والله أنک تصیر الى الجنة، وإنما أبکی لفقدانی إیاک یا أمیر المؤمنین. جعلت فداک حدثنی بحدیث سمعته من رسول الله، فإنی أراک لا أسمع منک حدیثاً بعد یومی هذا أبداً، قال:

نعم یا أصبغ: دعانی رسول الله صلى الله علیه وآله یوماً فقال لی: یاعلی انطلق حتى تأتی مسجدی، ثم تصعد منبری، ثم تدعو الناس إلیک، فتحمد الله تعالى وتثنی علیه وتصلی علیَّ صلاةً کثیرة، ثم تقول:

أیها الناس إنی رسول رسول الله إلیکم، وهو یقول لکم: إن لعنة الله ولعنة ملائکته المقربین وأنبیائه المرسلین ولعنتی على من انتمى الى غیر أبیه أو ادعى الى غیر موالیه، أو ظلم أجیراً أجره.

فأتیت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتنی قریش ومن کان فی المسجد أقبلوا نحوی فحمدت الله وأثنیت علیه، وصلیت على رسول الله صلى الله علیه وآله صلاةً کثیرةً، ثم قلت:

أیها الناس إنی رسول رسول الله إلیکم، وهو یقول لکم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائکته المقربین وأنبیائه المرسلین ولعنتی، على من انتمى الى غیر أبیه، أو ادعى الى غیر موالیه، أو ظلم أجیراً أجره.

قال: فلم یتکلم أحدٌ من القوم إلا عمر بن الخطاب، فإنه قال: قد أبلغت یا أبا الحسن، ولکنک جئت بکلامٍ غیر مفسر، فقلت: أُبْلِغُ ذلک رسول الله صلى الله علیه وآله.

فرجعت الى النبی صلى الله علیه وآله فأخبرته الخبر، فقال : إرجع الى مسجدی حتى تصعد منبری، فاحمد الله وأثن علیه وصل علی، ثم قل :

أیها الناس، ما کنا لنجیئکم بشیء إلا وعندنا تأویله وتفسیره، ألا وإنی أنا أبوکم ألا وإنی أنا مولاکم، ألا وإنی أنا أجیرکم. انتهى.

وقد وجدنا لهذا الحدیث مناسبة خامسة أیضاً، فقد روى فرات بن ابراهیم الکوفی فی تفسیره|۳۹۲ قال: حدثنا عبد السلام بن مالک قال: حدثنا محمد بن موسى بن




--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۷

أحمد قال: حدثنا محمد بن الحارث الهاشمی قال: حدثنا الحکم بن سنان الباهلی، عن ابن جریج، عن عطاء بن أبی رباح قال: قلت لفاطمة بنت الحسین : أخبرینی جعلت فداک بحدیث أحدث، واحتج به على الناس.

قالت: نعم، أخبرنی أبی أن النبی صلى الله علیه وآله کان نازلاً بالمدینة، وأن من أتاه من المهاجرین عرضوا أن یفرضوا لرسول الله صلى الله علیه وآله فریضة یستعین بها على من أتاه، فأتوا رسول الله صلى الله علیه وآله وقالوا: قد رأینا ما ینوبک من النوائب، وإنا أتیناک لتفرض فریضة تستعین بها على من أتاک.

قال: فأطرق النبی صلى الله علیه وآله طویلاً ثم رفع رأسه فقال: إنی لم أؤمر أن آخذ منکم على ما جئتم به شیئاً، إنطلقوا فإنی لم أؤمر بشئ، وإن أمرت به أعلمتکم.

قال: فنزل جبرئیل علیه السلام فقال: یامحمد إن ربک قد سمع مقالة قومک وما عرضوا علیک، وقد أنزل الله علیهم فریضة: قل لا أسألکم علیه أجراً إلا المودة فی القربى.

قال فخرجوا وهم یقولون: ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشیاء، وتخضع الرقاب مادامت السماوات والأرض لبنی عبد الطلب.

قال: فبعث رسول الله صلى الله علیه وآله الى علی بن أبی طالب أن اصعد المنبر وادع الناس إلیک ثم قل : أیها الناس من انتقص أجیراً أجره فلیتبوأ مقعده من النار، ومن ادعى الى غیر موالیه فلیتبوأ مقعده من النار، ومن انتفى من والدیه فلیتبوأ مقعده من النار.

قال: فقام رجلٌ وقال: یا أبا الحسن ما لهن من تأویل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فأتى رسول الله صلى الله علیه وآله فأخبره، فقال رسول الله: ویلٌ لقریشٍ من تأویلهن، ثلاث مرات! ثم قال: یا علی انطلق فأخبرهم أنی أنا الأجیر الذی أثبت الله مودته من السماء، ثم أنا وأنت مولى المؤمنین، وأنا وأنت أبوا المؤمنین. انتهى.







--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۸





--------------------------------------------------------------------------------

۱۲۹



البحث الرابع حاجة الأنبیاء علیهم السلام فی تبلیغ رسالاتهم الى حمایة الناس



ارتکب المنظرون للخلافة القرشیة من المحدثین والمفسرین، خطأین أساسیین فی تفسیر آیة التبلیغ ، فشوهوا بذلک معناها:

الخطأ الأول، فی مفهوم تبلیغ الأنبیاء علیهم السلام ومنهم نبینا صلى الله علیه وآله.

والخطأ الثانی، محاولتهم إخفاء واقع قریش بعد الفتح ، وإبعاد الآیة عنها، وأن یصوروا للمسلمین أن قریشاً المشرکة منجم الفراعنة وأتباعهم، قد تحولت بین عشیة وضحاها، الى قبیلة مسلمةٍ مؤمنةٍ تقیةٍ، تقود الناس بالإسلام والهدى!



معنى التبلیغ فی القرآن


مفهوم التبلیغ فی القرآن مفهومٌ بسیط، فتبلیغ الرسل یعنی بیانهم الرسالة الإلهیة للناس .. ثم الناس بعد ذلک مختارون فی أن یقبلوا، أو یتولوا، وحسابهم على الله تعالى، ولیس على أنبیائه!

ومن هذا الأساس العمیق تتفرع عدة مبادئ:

أولاً: أن النبی یحتاج الى ضمان حریة التعبیر عن الرأی، لکی یتمکن من إیصال رسالة ربه الى العباد وإبلاغهم إیاها. وقد کان ذلک مطلب الأنبیاء علیهم السلام الأول من أممهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۰

ثانیاً: مهمة الأنبیاء علیهم السلام هی التبلیغ فقط ( الإبلاغ ) حتى أن الجهاد لم یکن مفروضاً على أحد من الأنبیاء قبل ابراهیم علیهم السلام وقد فرضه الله تعالى علیه وعلى الأنبیاء من ذریته ( وکل الأنبیاء والأوصیاء بعده من ذریته ) من أجل إزاحة العقبات المانعة من التبلیغ، أو رد اعتداءات الکفار على الذین اختاروا الدین الإلهی وإقامة حیاتهم على أساسه.

ثالثاً: لا إکراه فی الدین، فمن شاء فلیؤمن ومن شاء فلیکفر .. فینبغی أن یبقى قانون الهدایة والإضلال فعالاً، والقدرة على عمل الخیر والشر متوفرة.

رابعاً: الهدف من الإبلاغ هو إقامة الحجة لله على عباده، واضحة کاملة تامة .. حتى لا یقولوا یوم القیامة: لم یقل النبی لنا، لم یبلغنا ذلک، لم نعرف ذلک، وکنا عنه غافلین. فإقامة الحجة فی الدین الإلهی محورٌ أصلی دائم فی عمل الأنبیاء علیهم السلام سواء على مستوى الکافرین، أو على مستوى أممهم المؤمنین بهم.

فالمهم عند النبی علیه السلام أن یوصل العقیدة والأحکام الى الناس .. أن یقول لهم، ویبین لهم، ویوضح لهم ویفهمهم .. وبذلک یقیم الحجة لربه عز وجل .. وبذلک یؤدی ما علیه، ویسقط المسؤولیة عن عاتقه.

أما استجابتهم أو تکذیبهم .. وأما عملهم وسلوکهم، فهو شأنهم ولیس النبی مسؤولاً عنه، بل هو من اختصاص الله تعالى.

قال الله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداکم أجمعین . الأنعام ـ ۱۴۹

وأدلة هذه الحقائق التی ذکرناها کثیرة، من آیات القرآن وأحادیث السنة، نشیر منها الى ماذکره الله تعالى من قول نوح علیه السلام: أبلغکم رسالات ربی وأنصح لکم ، وأعلم من الله ما لا تعلمون. الأعراف ـ ۶۲

وقول شعیب علیه السلام: فتولى عنهم وقال یا قوم لقد أبلغتکم رسالات ربی ونصحت لکم فکیف آسى على قوم کافرین. الأعراف ـ ۹۳





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۱

وقول هود علیه السلام: فإن تولوا فقد أبلغتکم ما أرسلت به إلیکم ویستخلف ربی قوماً غیرکم ولا تضرونه شیئاً إن ربی على کل شیء حفیظ. هود ـ ۵۷

وقوله تعالى عن مهمة جمیع الرسل الذین بعثهم علیهم السلام :

فهل على الرسل إلا البلاغ المبین. النحل ـ ۳۵

قالوا ربنا یعلم إنا إلیکم لمرسلون. وما علینا إلا البلاغ المبین. یس ۱۶ ـ ۱۷

ولایتسع المجال لاستعراض مفاهیم التبلیغ وأحکامه فی القرآن والحدیث، فهی أجزاء مشرقة من ( نظریة متکاملة ) نشیر منها الى أنه تعالى وصف دینه وقرآنه بأنه بلاغ فقال: هذا بلاغٌ للناس ولینذروا به ولیعلموا أنما هو إلَه واحد ولیذکر أولو الألباب. ابراهیم ـ ۵۲

وقال إنه بلاغ یشمل الأجیال الآتیة التی یَبْلُغها الإسلام:

قل أی شیء أکبر شهادةً؟ قل الله شهید بینی وبینکم، وأوحی إلی هذا القرآن لأنذرکم به ومن بلغ. الأنعام ـ ۱۹

وأثنى تعالى على أمانة أنبیائه وشجاعتهم فی تبلیغ رسالاته، رغم مقاومة الناس واستهزائهم، فقال عز وجل: الذین یبلغون رسالات الله ویخشونه ولا یخشون أحداً إلا الله وکفى بالله حسیبا. الأحزاب ـ ۳۹

کما وصف سبحانه عملیة تلقی الوحی وتبلیغه بأنه من الأعمال الدقیقة الخطیرة التی تحتاج الى شخصیات من نوع خاص، وحراسة ربانیة خاصة لهم أیضاً، فقال:

عالم الغیب فلا یظهر على غیبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول فإنه یسلک من بین یدیه ومن خلفه رصداً ، لیعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لدیهم وأحصى کل شیء عددا. الجن ۲۶ ـ ۲۸



مهمة نبینا صلى الله علیه وآله فی التبلیغ



والذی یتصل بموضوعنا مباشرةً هو تبلیغ نبینا محمد صلى الله علیه وآله فقد قال تعالى عن مهمته ومسؤولیته: وأطیعوا الله وأطیعوا الرسول واحذروا، فإن تولیتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبین. المائدة ـ ۹۲





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۲

قل أطیعوا الله وأطیعوا الرسول فإن تولوا فإنما علیه ما حمل وعلیکم ما حملتم. وإن تطیعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبین. النور ـ ۵۴

فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما علیک البلاغ والله بصیر بالعباد. آل عمران ـ ۲۰

فإن أعرضوا فما أرسلناک علیهم حفیظاً إن علیک إلا البلاغ. الشورى ـ ۴۸

فقد أرسل الله نبینا صلى الله علیه وآله على أساس نظام الرسالة والتبلیغ الإلهی، الذی أرسل به جمیع الأنبیاء علیهم السلام وهو قاعدة: إقامة الحجة وإتمامها على الناس، وعدم إجبارهم على العمل. وهذا هو معنى ( فإنما علیک البلاغ ) فقط، وفقط!

وهذا هو معنى قوله صلى الله علیه وآله: أمرت أن أقاتل الناس حتى یقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منی دماءهم وأموالهم.

فالإجبار الذی جاء به النبی صلى الله علیه وآله هو إجبار أهل الکتاب على التعایش مع المسلمین ، ولیس على الدخول فی الإسلام، وإجبار المشرکین الوثنیین على الدخول فی الإطار العام للإسلام .. وما عداه متروکٌ للأمة، داخل هذا الإطار، یطیع منها من یطیع، ویعصی من یعصی، ویهتدی منها من یهتدی، ویضل من یضل .. والمحاسب هو الله تعالى .

ومن الطبیعی إذن، أن تحتاج مهمة التبلیغ الى حمایة للنبی صلى الله علیه وآله حتى یؤدیها وإلا فإن قبائل قریش الذین یدرکون خطر دعوته على نفوذهم وآلهتهم، سرعان ما یدبرون قتله، أو تشویه سمعته وعزله، وحجب الناس عن سماع صوته.

ورغم أن الألطاف الإلهیة على أنبیائه علیهم السلام کثیرة ومتنوعة، وما خفی عنا منها أعظم مما عرفناه، أو ما یمکن أن یبلغه فهمنا .. لکن سنته سبحانه فی الرسل أن یترک حمایتهم للأسباب ( الطبیعیة ) مضافاً الى تلک الألطاف.

ولا یوجد دلیلٌ واحدٌ على ما ذکروه من ضمان الله تعالى عصمة نبیه صلى الله علیه وآله من الجرح والقتل، وأنواع الأذى التی قد یتعرض لها.. وقد تقدمت النصوص الدالة على استمرار حراسته صلى الله علیه وآله الى آخر حیاته، ونضیف هنا ما رواه الجمیع من أنه صلى الله علیه وآله کان یطلب من قبائل العرب تأمین هذه الحمایة حتى یبلغ رسالة ربه.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۳

ـ ففی سیرة ابن هشام: ۲|۲۳ عن ربیعة بن عباد، قال:

إنی لغلامٌ شاب مع أبی بمنى ورسول الله صلى الله علیه وسلم یقف على منازل القبائل من العرب فیقول: یا بنی فلان إنی رسول الله إلیکم یأمرکم أن تعبدوا الله ولا تشرکوا به شیئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بی وتصدقوا بی وتمنعونی حتى أبین عن الله ما بعثنی به. انتهى. ورواه الطبری فی تاریخه: ۲|۸۳، وابن کثیر فی سیرته: ۲|۱۵۵

ـ وقال الیعقوبی فی تاریخه: ۲|۳۵:

وکان رسول الله یعرض نفسه على قبائل العرب فی کل موسم، ویکلم شریف کل قوم، لایسألهم إلا أن یؤووه ویمنعوه، ویقول: لا أکره أحداً منکم، إنما أرید أن تمنعونی مما یراد بی من القتل، حتى أبلغ رسالات ربی، فلم یقبله أحد، وکانوا یقولون: قوم الرجل أعلم به! انتهى.

کذلک نصت المصادر على أنه صلى الله علیه وآله طلب البیعة من الانصار، على حمایته وحمایة أهل بیته مما یحمون أنفسهم وأهلیهم .. ففی سیرة ابن هشام: ۲|۳۸: فتکلم رسول الله صلى الله علیه وسلم فتلا القرآن، ودعا الى الله، ورغب فی الإسلام ثم قال: أبایعکم على أن تمنعونی مما تمنعون منه نساءکم وأبناءکم. قال فأخذ البراء بن معرور بیده، ثم قال: نعم والذی بعثک بالحق نبیا لنمعنک مما نمنع منه أزرنا، فبایعنا یا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة ورثناها کابرا عن کابر.

ـ ورواه فی تاریخ الطبری : ۲|۹۲، وأسد الغابة: ۱|۱۷۴، وعیون الأثر: ۱|۲۱۷، وسیرة ابن کثیر: ۲|۱۹۸، ورواه أحمد: ۳|۴۶۱، وقال عنه فی مجمع الزوائد: ۶|۴۴: رواه أحمد والطبرانی بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحیح غیر ابن اسحق وقد صرح بالسماع. ورواه فی کنز العمال: ۱|۳۲۸، و ۸|۲۹







--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۴

الى هنا یتسق الموضوع .. فقد طلب النبی صلى الله علیه وآله الحمایة لتبلیغ رسالة ربه على سنة الله تعالى فی من مضى من الأنبیاء علیهم السلام وحصل علیها من الأنصار ، ونصره الله تعالى وهزم أعداءه من المشرکین والیهود، وشملت دولته شبه الجزیرة العربیة والیمن والبحرین وساحل الخلیج، وامتدت الى أطراف الشام، وصار جیش الإسلام یهدد الروم فی الشام وفلسطین .. وها هو صلى الله علیه وآله فی السنة العاشرة یودع المسلمین فی حجة الوداع، ویتلقى سورة المائدة ویتلقى فیها آیة تأمره بالتبلیغ وتطمئنه بالعصمة من الناس!!

فما عدا مما بدا، حتى نزل الأمر بالتبلیغ فی آخر التبلیغ ، وصار النبی صلى الله علیه وآله الآن وهو قائد الدولة القویة، بحاجة الى حمایة وعصمة من الناس!!

إن الباحث ملزمٌ هنا أن یستبعد حاجة النبی صلى الله علیه وآله الى الحمایة المادیة، لأن الله تعالى أراد أن تجری بالأسباب الطبیعیة، ووفرها على أحسن وجه .. فلا بد أن تکون العصمة فی الآیة من نوع الحمایة المعنویة.

والباحث ملزمٌ ثانیاً، أن یفسر الأمر بالتبلیغ فی الآیة بأنه تبلیغُ موضوعٍ ثقیلٍ على الناس .. وأن یفسر الناس الذین یثقل علیهم ذلک بالمنافقین من المسلمین، لأنه لم یبق أمرٌ ثقیلٌ على الکفار إلا وبلغه لهم، کما أنه لم یبلغهم أمراً بارزاً بعد نزول الآیة.

وبهذا لا یبقى معنى للعصمة النازلة من عند الله تعالى، إلا العصمة من الطعن فی نبوته، إذا بلغهم أن الحکم من بعده فی أهل بیته صلى الله علیه وآله.

فبذلک فقط یتسق معنى الآیة ویکون معناها:

یأیها الرسول: إنما أنت رسول مبلغ، ولست مسؤولاً عن النتیجة وما یحدث، بل هو من اختصاص ربک تعالى .

بلغ ما أنزل الیک من ربک: وأمرک به جبرئیل فی علی، وحاولت تبلیغه مرات فی حجة الوداع، فشوش المنافقون علیک.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۵

وإن لم تفعل فما بلغت رسالته: ولم تکمل إقامة الحجة لربک، لأن ولایة عترتک لیست أمراً شخصیاً یخصک، وإن ظنه المنافقون کذلک، بل هی جزءٌ لا یتجزأ من هذه الرسالة الخاتمة الموحدة، وإذا انتفى الجزء انتفى الکل.

والله یعصمک من الناس: من طعن قریش بنبوتک بسبب هذا التبلیغ ، وإن کان ثقیلاً علیها .. فسوف یمنعها الله أن ترفض نبوتک بسببه .. وسوف تمر المسألة بسلام ولا یکون تشویش علیک فی التبلیغ ولا ردة .. وبذلک تکون بلغت عن ربک، وأتممت له الحجة على أمتک .. ولکن علیاً سوف یحتاج الى قتالها على تأویل القرآن کما قاتلتها أنت على تنزیله!

إن الله لا یهدی القوم الکافرین: الذین یظلمون عترتک من بعدک، ویظلمون الأمة بذلک، ویبدلون نعمة الله کفراً، ویحلون الأمة دار البوار!



البحث الخامس

قریش هی السبب فی حاجة نبینا صلى الله علیه وآله الى عصمة إضافیة



تدل الآیة الکریمة والنصوص العدیدة على أن تبلیغ النبی صلى الله علیه وآله لرسالة ربه فی عترته علیهم السلام کان من شأنه أن یحدث زلزلة فی الأمة وتهدیداً لنبوته صلى الله علیه وآله !

فما هو السبب، وما هی الظروف التی کانت قائمة؟ !

إن مصدر الخطر على ترتیب النبی صلى الله علیه وآله لأمر الخلافة من بعده، کان محصوراً فی قریش وحدها.. فلا قبائل العرب غیر قریش، ولا الیهود، ولا النصارى. . یستطیعون التدخل فی هذا الموضوع الداخلی وإعطاء الرأی فیه، فضلاً عن عرقلة تبلیغه أو تنفیذه!

والظاهر أن النبی صلى الله علیه وآله کان آیساً من إمکانیة تنفیذ هذا الموضوع، بدلیل أنه کان یخشى ظهور الردة من مجرد تبلیغه بشکل صریح ورسمی!!

والسبب فی ذلک طبیعة قریش وترکیبتها القبلیة!




قریش منجم الفراعنة



زعماء قریش الذین واجهوا النبی صلى الله علیه وآله ـ إذا صحت أنسابهم الى إسماعیل علیه السلام ـ فإنهم یکونون ذریة إسماعیل الفاسدة، وقد جمعوا بین صفات الیهود المعقدة من أبناء عمهم إسحاق، وبین غطرسة رؤساء القبائل الصحراویة الخشنة!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۸

وقریش، باستثناء بنی هاشم والقلیل القلیل من غیرهم، منجماً للتکبر! فقد حکم الله سبحانه على زعمائها بأنهم فراعنة تماماً، بالجمع لا بالمفرد، فقال تعالى: إنا أرسلنا إلیکم رسولاً شاهدا علیکم کما أرسلنا الى فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبیلا. المزمل ـ ۱۵ ـ ۱۶

وقال رسول الله صلى الله علیه وآله عن عدد منهم لما وقف على قتلى بدر:

جزاکم الله من عصابة شراً! لقد کذبتمونی صادقاً وخونتمونی أمیناً.

ثم التفت الى أبی جهل بن هشام، فقال: إن هذا أعتى على الله من فرعون! إن فرعون لما أیقن بالهلاک وحِّدَ الله، وهذا لما أیقن بالهلاک دعا باللات والعزى!!

( حلیة الأبرار: ۱|۱۲۷، أمالی الطوسی: ۱|۳۱۶، وعنه البحار: ۱۹|۲۷۲ ح ۱۱ وکذا فی مجمع الزوائد: ۶|۹۱ ) .

ـ وروى ابن هشام فی: ۱|۲۰۷ قول أبی جهل:

تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطینا، حتى إذا تحاذینا على الرکب، وکنا کفرسی رهان قالوا: منا نبیٌّ یأتیه الوحی من السماء، فمتى ندرک مثل هذه! والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه! انتهى. ورواه فی عیون الأثر: ۱|۱۴۶، وابن کثیر فی سیرته: ۱|۵۰۶.

ـ وفی تفسیر القمی: ۱|۲۷۶

قال رسول الله صلى الله علیه وآله لقریش: إن الله بعثنی أن أقتل جمیع ملوک الدنیا وأجرَّ الملک الیکم، فأجیبونی الى ما أدعوکم الیه تملکوا بها العرب، وتدین لکم بها العجم، وتکونوا ملوکاً فی الجنة. فقال أبو جهل: اللهم إن کان هذا الذی یقوله محمد هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو آتنا بعذاب ألیم، حسداً لرسول الله صلى الله علیه وآله ، ثم قال: کنا وبنو هاشم کفرسی رهان، نحمل إذا حملوا، ونطعن إذا طعنوا، ونوقد إذا أوقدوا، فلما استوى بنا وبهم الرکب، قال قائل منهم: منا نبی! لا نرضى بذلک أن یکون فی بنی هاشم، ولا یکون فی بنی مخزوم!!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۳۹

ـ وقال الأبشیهی فی المستطرف: ۱|۵۸

قال معاویة لرجل من الیمن: ما کان أجهل قومک حین ملکوا علیهم أمرأة! فقال: أجهلُ من قومی قومک الذین قالوا حین دعاهم رسول الله صلى الله علیه وآله : اللهم إن کان هذا الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب ألیم، ولم یقولوا: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک، فاهدنا الیه.

ـ وقال البیاضی فی الصراط المستقیم: ۳|۴۹

قال معاویة: فضل الله قریشاً بثلاث: وأنذر عشیرتک الأقربین، ونحن الأقربون. وإنه لذکرٌ لک ولقومک، ونحن قومه. لإیلاف قریش، ونحن قریش.

فقال رجلٌ أنصاری: على رسلک یامعاویة، قال الله: وکذب به قومک، وأنت من قومه. إذا قومک عنه یصدون، وأنت من قومه. إن قومی اتخذوا هذا القرآن مهجورا، وأنت من قومه!! فهذه ثلاثٌ بثلاث، ولو زدتنا لزدناک!! فأفهمه. انتهى.

وفرعون وقومه عندما أخذهم الله بالسنین، طلبوا من موسى علیه السلام أن یدعو لهم ربه.. ولکن رسول الله صلى الله علیه وآله دعا ربه على قریش فأخذهم الله بالسنین، وأصیبوا بالفقر والقحط، حتى أکلوا العلهز. . وما استکانوا لربهم وما یتضرعون!!

ـ قال الحاکم فی المستدرک: ۲|۳۹۴

عن ابن عباس قال: جاء أبو سفیان الى رسول الله صلى الله علیه وآله فقال: یا محمد أنشدک الله والرحم، قد أکلنا العلهز! یعنی الوبر والدم، فأنزل الله عز وجل: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استکانوا لربهم وما یتضرعون. هذا حدیث صحیح الإسناد، ولم یخرجاه. انتهى.

ولکن أتباع الخلافة الأمویة لا یعجبهم هذا الحدیث، ولا یفسرون به الآیة، ویقولون إن القرشیین خضعوا لربهم وتضرعوا، ودعا لهم الرسول صلى الله علیه وآله!! فانظرالى ما قاله ابن کثیر فی البدایة والنهایة: ۶|۱۰۱.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۰

لما دعا على قریش حین استعصت أن یسلط الله علیها سبعاً کسبع یوسف، فأصابتهم سنة حصدت کل شیء، حتى أکلوا العظام والکلاب والعلهز. ثم أتى أبو سفیان یشفع عنده فی أن یدعو الله لهم، فدعا لهم فرفع ذلک عنهم!! . انتهى.

ومشکلة ابن کثیر أنه یحب رائحة أبی سفیان، وإلا فهو مؤلفٌ فی السیرة، یعرف أن مجىَ أبی سفیان کان بعد أن أشفق النبی صلى الله علیه وآله على حالة قریش، وأرسل الیهم بأحمال من المواد الغذائیة وبعض الأموال، لعلهم یستکینوا لله تعالى ویؤمنوا به وبرسوله، فاغتنموا لفتة القلب النبوی الرحیم، وبعثوا أبا سفیان بمشروع ( صلح ) مع النبی صلى الله علیه وآله من نوع مشاریع السلام الإسرائیلیة فی عصرنا، فرفضه النبی صلى الله علیه وآله وذهب أبو سفیان الى علی وفاطمة علیهما السلام یرجوهما التوسط الى النبی صلى الله علیه وآله فلم یقبلا، وعرض علیهم أن یکون هذا ( الصلح ) باسم الحسن والحسین علیهما السلام حتى یکون فخراً لهما فی العرب، فقالا: إنا لا نجیر أحداً على رسول الله صلى الله علیه وآله!!

ـ قال فی معجم البلدان: ۳|۴۵۸

والعلهز: دم القراد والوبر، یلبک ویشوى ویؤکل فی الجدب! وقال آخرون: العلهز دم یابس یدق مع أوبارالإبل فی المجاعات. وأنشد بعضهم:



وإن قرى قحطان قرفٌ وعلهزٌ * فأقبح بهذا ویحَ نفسک من فعلِ!




قبائل قریش



وکانت قریش أکثر من عشرین قبیلة منها:

بنو هاشم بن عبد مناف

بنو أمیة بن عبد شمس

بنو عبد الدار بن قصی

بنو مخزوم بن یقظة بن مرة

بنو زهرة بن کلاب

بنو أسد بن عبد العزى





--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۱

بنو الحارث بن فهر بن مالک

بنو عامر بن لؤى

بنو سهم بن عمرو

بنو جمح بن عمرو

بنو أنمار بن بغیض

بنو تیم بن مرة بن کعب

بنو عدی بن کعب... الخ.

ولکن الفعل والتأثیر کان للقبائل المهمة، والزعماء المهمین، وهم بضع قبائل، والباقون تبعٌ لهم الى حد کبیر. . فقد وصف ابن هشام اجتماع دار الندوة الذی بحث فیه قادة القبائل ( مشکلة نبوة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ) فقال فی ۲|۳۳۱: وقد اجتمع فیها أشراف قریش:

من بنی عبد شمس: عتبة بن ربیعة، وشیبة بن ربیعة، وأبو سفیان بن حرب.

ومن بنی نوفل بن عبد مناف: طعیمة بن عدی، وجبیر بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل.

ومن بنی عبد الدار بن قصی: النضر بن الحارث بن کلدة.

ومن بنی أسد بن عبد العزى: أبوالبختری بن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحکیم بن حزام.

ومن بنی مخزوم: أبو جهل ابن هشام.

ومن بنی سهم: نبیه ومنبه ابنا الحجاج.

ومن بنی جمح: أمیة بن خلف.

ومن کان معهم وغیرهم ممن لا یعد من قریش، فقال بعضهم لبعض:

إن هذا الرجل قد کان من أمره ما قد رأیتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علینا فیمن قد اتبعه من غیرنا، فأجمعوا فیه رأیاً.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۲

قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم: إحبسوه فی الحدید، وأغلقوا علیه باباً، ثم تربصوا به...الخ.

ـ وقال فی: ۲|۴۸۸ مسمیاً المنفقین على جیش المشرکین فی بدر:

وکان المطعمون من قریش ثم من بنی هاشم بن عبد مناف: العباس بن عبد المطلب بن هاشم.

ومن بنی عبد شمس بن عبد مناف: عتبة بن ربیعة بن عبد شمس.

ومن بنی نوفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وطعیمة بن عدی بن نوفل، یعتقبان ذلک.

ومن بنی أسد بن عبد العزى: أبا البختری بن هشام بن الحارث بن أسد، وحکیم بن حزام بن خویلد بن أسد، یعتقبان ذلک.

ومن بنی عبد الدار بن قصی: النضر بن الحارث بن کلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار. انتهى.

والیک هذا الترتیب الذی رتبه الخلیفة عمر لقبائل قریش، فی سجل الدولة لتوزیع العطاءات، فإنه یدل على ترکیبة قبائلها، وتمیز بنی هاشم علیهم:

ـ قال البیهقی فی سننه: ۶|۳۶۴:

عن الشافعی وغیره، أن عمر رضی الله عنه لما دوَّن الدواوین قال: إبدأ ببنی هاشم، ثم قال: حضرت رسول الله صلى الله علیه وسلم یعطیهم وبنی المطلب... فوضع الدیوان على ذلک، وأعطاهم عطاء القبیلة الواحدة.

ثم استوت له عبد شمس ونوفل فی جذم النسب، فقال: عبد شمس إخوة النبی صلى الله علیه وسلم لأبیه وأمه دون نوفل، فقدمهم، ثم دعا بنی نوفل یتلونهم.

ثم استوت له عبد العزى وعبد الدار، فقال فی بنی أسد بن عبد العزى أصهار النبی صلى الله علیه وسلم، وفیهم أنهم من المطیبین... فقدمهم على بنی عبد الدار، ثم دعا بنی عبد الدار یتلونهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۳

ثم انفردت له زهرة فدعاها تلو عبد الدار.

ثم استوت له تیمٌ ومخزوم، فقال فی بنی تیم إنهم من حلف الفضول والمطیبین وفیهما کان رسول الله صلى الله علیه وسلم، وقیل ذکر سابقةً، وقیل ذکر صهراً فقدمهم على مخزوم.

ثم دعا مخزوم یتلونهم.

ثم استوت له سهمٌ وجمحٌ وعدیُّ بن کعب، فقیل له إبدأ بعدی فقال بل أقر نفسی حیث کنت، فإن الاسلام دخل وأمرنا وأمر بنی سهم واحد، ولکن انظروا بنی جمح وسهم، فقیل قدم بنی جمح.

ثم دعا بنی سهم، وکان دیوان عدی وسهم مختلطاً کالدعوة الواحدة، فلما خلصت الیه دعوته کبر تکبیرة عالیة، ثم قال: الحمد لله الذى أوصل الیَّ حظی من رسوله.

ثم دعا بنی عامر بن لؤی، قال الشافعی: فقال بعضهم إن أبا عبیدة بن عبد الله بن الجراح الفهری لما رأى من تقدم علیه قال: أکل هؤلاء تدعو أمامی؟ !

فقال: یا أبا عبیدة، إصبر کما صبرتُ أو کلم قومک فمن قدمک منهم على نفسه لم أمنعه، فأما أنا وبنو عدی فنقدمک إن أحببت على أنفسنا.

قال فقدم معاویة بعدُ بنی الحارث بن فهر، فصل بهم بین بنی عبد مناف وأسد بن عبد العزى.

وشجر بین بنی سهم وعدی شىَ فی زمان المهدی فافترقوا، فأمر المهدی ببنی عدی فقدموا على سهم وجمح، للسابقة فیهم.




وقد اعترف الجمیع بأن فرع هاشم کانوا متمیزین على بقیة الفروع فی فکرهم وسلوکهم، متفوقین فی فعالیتهم وقیمهم. . وأن جمهور القبائل والملوک کانوا




--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۴

یحترمونهم احتراماً خاصاً. . حتى حسدهم زعماء قریش، وتحالفوا ضدهم من أیام هاشم وعبد المطلب.

فقد رتب هاشم ( رحلة الصیف ) الى الشام وفلسطین ومصر لقبائل قریش کلها، فسافر فی الصحاری والدول، وفاوض رؤساء القبائل، والملوک، الذین تمر فی مناطقهم قوافل قریش، وعقد معهم جمیعاً معاهداتٍ بعدم الغارة على قوافل قریش وضمان سلامتها.

وقد فرحت قبائل قریش بهذا الإنجاز، وبادرت الى الإستفادة منه، ولکنها حسدت هاشماً، وتمنى زعماؤها لو أن ذلک تم على یدهم، وکان فخره لهم.

وقد توفی هاشم مبکراً فی إحدى سفراته فی أرض غزة، فی ظروف من حق الباحث أن یشک فیها!

ولکن بیت هاشم لم ینطفىَ بعده، فسرعان ماظهر ولده عبد المطلب، وساد فی قومه، وواصل مآثر أبیه، فرتب لقریش رحلة الشتاء الى الیمن، وعقد معاهداتٍ لحمایة قوافلها مع کل القبائل التی تمر علیها ومع ملک الیمن، وفاز بفخرها کما فاز أبوه بفخر رحلة الصیف.




وعلى الصعید المعنوی، کانت قبائل قریش ترى أن بنی هاشم وعبد المطلب یباهون دائماً بانتمائهم الى إسماعیل، واتباعهم لملة ابراهیم، کأنهم وحدهم أبناء إسماعیل وابراهیم علیهما السلام.

وتفاقم الأمر عندما أخذ عبد المطلب یدعی الإلهام عن طریق الرؤیا الصادقة، وأخبرهم بأن الله تعالى أمره بحفر زمزم التی جفت وانقرضت من قدیم، فحفرها ونبع ماؤها بإذن الله تعالى، ووجد فیها غزالین من ذهب، فزین بذهبهما باب الکعبة ففاز بمأثرةٍ جدیدة وصار ـ بسبب شحة الماء فی مکة ـ ساقی الحرم والحجیح!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۵

ثم طمأن الناس عند غزو الحبشة للکعبة، بأن الجیش لن یصل الیها، وأن الله تعالى سیتولى دفعهم، فصدقت نبوءته، وأرسل الله علیهم طیراً أبابیل ترمیهم بحجارة من سجیل، فجعلهم کعصف مأکول.

ثم وضع عبد المطلب للناس مراسم وسنناً، کأنه نبی أو ممهد لنبی، فجعل الطواف سبعاً وکان بعض العرب یطوفون بالبیت عریانین لأن ثیابهم لیست حلالاً، فحرم عبد المطلب ذلک. ونهى عن قتل الموؤودة. وأوجب الوفاء بالنذر، وتعظیم الاشهر الحرم. وحرم الخمر. وحرم الزنا ووضع الحد علیه، ونفى البغایا ذوات الرایات الى خارج مکة. وحرم نکاح المحارم. وأوجب قطع ید السارق. وشدد على القتل، وجعل دیته مئة من الإبل.

وقد عظمت مکانة عبد المطلب فی قریش وفی قبائل العرب، وکان زعماء قریش یأکلهم الحسد منه! حتى جروه مرتین الى المنافرة والإحتکام الى الکهان فنصره الله علیهم بکرامة جدیدة، وتعاظمت مکانته أکثر!

ولعل أکثر ما أثار زعماء قریش فی آخر أیام عبد المطلب، أنه ادعى أنه مثل جده ابراهیم علیه السلام ، ونذر أن یذبح أحد أولاده قرباناً لرب الکعبة. . الخ.

وما أن استراح زعماء قریش من عبد المطلب، حتى ظهر ولده أبو طالب وساد فی قومه وفی قریش والعرب، وأخذ مکانة أبیه وجده، وواصل سیرة أبیه عبد المطلب ومقولاته.

وفی أیام أبی طالب وقعت المصیبة على زعماء قریش عندما ادعى ابن أخیه محمد صلى الله علیه وآله النبوة، وطلب منهم الإیمان به وإطاعته!

وزاد من خوفهم أن عدداً من بنی هاشم وبنی المطلب آمنوا بنبوته، وأعلن عمه أبو طالب حمایته لابن أخیه النبی صلى الله علیه وآله لیبلغ رسالة ربه بکامل حریته، وهدد قریشاً بالحرب إن هی مست منه شعرة، ووقف فی وجه مؤامراتها، وأطلق قصائده فی




--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۶

فضح زعماءها فسارت بشعره الرکبان یمدح فیه محمداً صلى الله علیه وآله ، ویهجو زعماء قریش حتى أنه سمى زعیم مخزوم أبا الحکم ( أحیمق مخزوم ) کما سماه ابن أخیه محمد ( أبا جهل )!!

ونشط الزعماء القرشیون فی مقاومة النبوة بأنواع الإغراءات والتهدیدات لأبی طالب وابن أخیه محمد صلى الله علیه وآله. . ففشلوا!

ثم اتخذوا قراراً باضطهاد المسلمین الذین تطالهم أیدیهم، فهرب أکثرهم الى الحبشة. . وفشل زعماء قریش!

ثم اتخذوا قراراً بالإجماع وضموا الیهم بنی کنانة، بعزل کل بنی هاشم ومقاطعتهم مقاطعة تامة شاملة، وحصروهم فی شعبهم ثلاث سنوات أو أربع. . فأفشل الله محاصرتهم بمعجزة!

وما أن فقد بنو هاشم رئیسهم أبا طالب، حتى اتحد زعماء قریش قراراً بالإجماع بقتل محمد صلى الله علیه وآله ، الذی بقی بزعمهم بلا حامٍ ولا ناصر. . فأفشل الله کیدهم ونقل رسوله الى المدینة التی أسلم أکثر أهلها!

وحاول القرشیون أن یضغطوا على أهل المدینة بالإغراء والوعید، والیهود. . ولکنهم فشلوا، لأن المدینة صارت فی ید النبی صلى الله علیه وآله وهی تقع على طریق شریانهم التجاری، وتهددهم بقطع تجارتهم مع الشام ومنطقتها!

فقرروا دخول الحرب مع ابن بنی هاشم، وحاربوه فی بدر، وأحد، والخندق. . ففشلوا!

وحاربوه بالیهود، واستنصروا علیه بالفرس والروم. . ففشلوا!

وما هو إلا أن فاجأهم محمد صلى الله علیه وآله فی السنة الثامنة من هجرته. . ودخل علیهم عاصمتهم مکة، بجیش من جنود الله لا قبل لهم به. فاضطروا أن یعلنوا إلقاء سلاحهم، والتسلیم للنبی صلى الله علیه وآله !





--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۷

وقام أهل مکة سماطین ینظرون الى دخول رسول الله صلى الله علیه وآله والى جیشه. .

وتقدم برایة الفتح بین یدیه شابٌّ أنصاری من قبیلة الخزرج الیمانیة، هو عبد الله بن رواحة، وهو یقول للفراعنة:



خلـُّـوا بنی الکـفار عن سبیلِهِ * فالیـوم نضربْکم علـى تنزیلهِ

ضرباً یـزیـل الهام عن مَقِیلِهِ * ویـذهـلُ الـخلیـلَ عن خلیله


یا رب إنـی مـؤمـن بقیله


فقال عمر بن الخطاب: یابن رواحة، أفی حرم الله وبین یدی رسول الله، تقول الشعر!!

فقال له رسول الله صلى الله علیه وآله : مهْ یا عمر، فو الذی نفسی بیده، لکلامه هذا أشد علیهم من وقع النبل ) ! ( البیهقی فی سننه: ۱۰|۲۲۸، ونحوه الترمذی: ۴|۲۱۷، والذهبی فی سیر أعلام النبلاء: ۱|۲۳۵ )

فعمر یرید أن یخفف على زعماء قریش وقع هزیمتهم، ولا یتحداهم فی عاصمتهم. . ولا ننسى أن عمر من قبیلة عدی الصغیرة، وأنه نشأ على احترام زعماء قریش وإکبارهم.

ولکن الرؤیة النبویة أن هؤلاء الفراعنة لا یفهمون إلا لغة السیوف والسهام، وأن عمل عبد الله بن رواحة عملٌ صحیحٌ، وقیمته عالیةٌ عند الله تعالى، لأنه أشد على أعداء الله من وقع النبل!!




وأعلن الرسول صلى الله علیه وآله الأمان لقریش، وجمع زعماءهم فی المسجد الحرام وسیوف جنود الله فوق رؤوسهم. . وشرح لهم تکبرهم وتجبرهم وتکذیبهم لآیات الله ومعجزاته، وعداءهم لله ورسوله، واضطهادهم لبنی هاشم والمسلمین، وحروبهم ومکائدهم ضد الإسلام ورسوله. .





--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۸

ـ قال الطبری فی تاریخه: ۲|۳۳۷:

عن قتادة السدوسی أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قام قائماً حین وقف على باب الکعبة ثم قال:

لا إله الا إلله وحده لا شریک له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

ألا کل مأثرةٍ أو دمٍ أو مالٍ یدَّعى، فهو تحت قدمیَّ هاتین، إلا سدانة البیت وسقایة الحاج...

یا معشر قریش: إن الله قد أذهب عنکم نخوة الجاهلیة وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم خلق من تراب. ( یا أیها الناس إنا خلقناکم من ذکر وأنثى وجعلناکم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أکرمکم عند الله أتقاکم ) . . الآیة.

یا معشر قریش ویا أهل مکة: ماترون أنی فاعلٌ بکم؟ !

قالوا: خیراً، أخ کریم، وابن أخ کریم.

ثم قال: إذهبوا فأنتم الطلقاء.

فأعتقهم رسول الله صلى الله علیه وسلم، وقد کان الله أمکنه من رقابهم عنوةً، وکانوا له فَیْأً، فبذلک یسمى أهل مکة الطلقاء. انتهى.

لقد خیرهم صلى الله علیه وآله بین إعلان إسلامهم أو القتل: فأعلنوا إسلامهم، فقال لهم: إذهبوا فأنتم الطلقاء، وذلک یعنی أنه منَّ علیهم بحیاتهم، مع أنهم یستحقون أن یتخذهم عبیداً، أو یقتلهم!!

ویعنی أن إعلان إسلامهم الشکلی، لم یرفع جواز استرقاقهم أو قتلهم!



ومما صادفته فی تصفحی، ما ارتکبه الشیخ ناصر الدین الألبانی من تعصبٍ مفضوح للقرشیین، حیث ضعف هذا الحدیث! فقال فی سلسلة أحادیثه الضعیفة




--------------------------------------------------------------------------------

۱۴۹

۳|۳۰۷ برقم ۱۱۶۳: ضعیف. رواه ابن إسحاق فی السیرة ۴|۳۱ ـ ۳۲، وعنه الطبری فی التاریخ ۳|۱۲۰، ونقله الحافظ ابن کثیر فی البدایة والنهایة ۴|۳۰۰ ـ ۳۰۱، ساکتاً علیه. وهذا سندٌ ضعیف مرسل، لأن شیخ ابن إسحاق فیه لم یسمَّ، فهو مجهول. ثم هو لیس صحابیاً، لأن ابن إسحاق لم یدرک أحداً من الصحابة، بل هو یروی عن التابعین وأقرانه، فهو مرسل، أو معضل. انتهى.

وکأن هذا المحدث لم یطلع على وجود هذا الحدیث ومؤیداته فی المصادر الأخرى، ولم یر المحدثین والفقهاء وهم یرسلونه إرسال المسلمات. .

وما أدری هل هو جهلٌ بالتاریخ والحدیث الى هذا الحد. . أم حبٌّ للقرشیین ومحاولةٌ لتخلیصهم من صفة الرق الشرعیة للرسول وآله صلى الله علیه وآله؟! فإن مسألة الطلقاء ثابتة مشهورة عند جمیع الفرق، واسم ( الطلقاء ) کالعلم لأکثر قریش، وهو کثیرٌ فی مصادر الحدیث، وقد دخلت أحکامه فی فقه المذاهب.

ـ فقد روى البخارى فی صحیحه: ۵|۱۰۵ ـ ۱۰۶

قال لما کان یوم حنین التقى هوازن ومع النبی صلى الله علیه وسلم عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا...

ـ وفی مسلم: ۳|۱۰۶: ومعه الطلقاء فأدبروا عنه حتى بقی وحده!!

ونحوه فی: ۵|۱۹۶ ونحوه فی مسند أحمد: ۳|۱۹۰ و ۲۷۹

والصحیح أنه لم یثبت معه إلا بنو هاشم.

ـ وفی مسند أحمد: ۴|۳۶۳: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: المهاجرون والأنصار أولیاء بعضهم لبعض، والطلقاء من قریش والعتقاء من ثقیف بعضهم أولیاء بعض، الى یوم القیامة.

وقد صححه الحاکم فی المستدرک: ۴|۸۰، وقال عنه فی مجمع الزوائد: ۱۰|۱۵:

رواه أحمد والطبرانی بأسانید، وأحد أسانید الطبرانی رجاله رجال الصحیح، وقد جوده رضی الله عنه وعنا، فإنه رواه عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن یزید بن عبد الرحمن بن هلال العبسی، عن جریر وموسى بن عبد الله بن هلال العبسی.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۰

ـ وقال الشافعی فی کتاب الأم: ۷|۳۸۲

قال الأوزاعی: فتح رسول الله صلى الله علیه وسلم مکة عنوة، فخلى بین المهاجرین وأرضهم ودورهم بمکة، ولم یجعلها فیئاً.

قال أبو یوسف رحمه الله: إن رسول الله صلى الله علیه وسلم عفا عن مکة وأهلها وقال:

من أغلق علیه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبی سفیان فهو آمن، ونهى عن القتل إلا نفراً قد سماهم، إلا أن یقاتل أحدٌ فیقتل، وقال لهم حین اجتمعوا فی المسجد: ما ترون أنی صانعٌ بکم؟ قالوا: خیراً، أخ کریم، وابن أخ کریم.

قال: إذهبوا فأنتم الطلقاء. ولم یجعل شیئاً قلیلاً ولا کثیراً من متاعهم فیئاً. وقد أخبرتک أن رسول الله صلى الله علیه وسلم لیس فی هذا کغیره، فهذا من ذلک، وتفهَّم فیما أتاک عن النبی صلى الله علیه وسلم، فإن لذلک وجوهاً ومعانی. انتهى.

وراجع أیضاً مغنی ابن قدامة: ۷|۳۲۱، ومبسوط السرخسی: ۱۰|۳۹، ومسند أحمد: ۳ | ۲۷۹، وسنن البیهقی: ۶|۳۰۶، و: ۸|۲۶۶ و: ۹|۱۱۸، وکنز العمال: ۱۲|۸۶.

ـ وفی کنز العمال: ۵|۷۳۵: قال لهم عمر: إن هذا الأمر لایصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء، فإن اختلفتم فلا تظنوا عبد الله بن أبی ربیعة عنکم غافلاً ـ ابن سعد. انتهى.

وکذلک الأمر فی مصادرنا:

ـ ففی نهج البلاغة شرح الشیخ محمد عبده: ۳|۳۰ فی جواب علی علیه السلام لمعاویة:

وزعمت أن أفضل الناس فی الإسلام فلانٌ وفلانٌ، فذکرت أمراً إن تم اعتزلک کله، وإن نقص لم تلحقک ثلمته.

وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس؟ ! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمییز بین المهاجرین الأولین، وترتیب درجاتهم، وتعریف طبقاتهم.

هیهات، لقد حنَّ قدحٌ لیس منها، وطفق یحکم فیها من علیه الحکم لها.

ألا تربع أیها الإنسان على ظلعک، وتعرف قصور ذرعک، وتتأخر حیث أخرک




--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۱

القدر، فما علیک غلبة المغلوب، ولا لک ظفر الظافر. . وإنک لذهاب فی التیه رواغ عن القصد.

ـ وفی الکافی: ۳|۵۱۲

من أسلم طوعاً ترکت أرضه فی یده... وما أخذ بالسیف فذلک الى الإمام یقبِّله بالذی یرى کما صنع رسول الله صلى الله علیه وآله بخیبر... وقال: إن أهل الطائف أسلموا وجعلوا علیهم العشر ونصف العشر، وإن أهل مکة دخلها رسول الله صلى الله علیه وآله عنوةً فکانوا أسراء فی یده، فأعتقهم وقال: إذهبوا فأنتم الطلقاء.




قریش بعد فتح مکة



ماذا فعلت قریش بعد أن اضطر بقیة فراعنتها وألوف الطلقاء من أتباعهم الى الدخول فی الإسلام؟؟

من الطبیعی أن مشاعر الغیظ والکبریاء القرشی بقیت محتدمةً فی قلوب أکثرهم إن لم نقل کلهم. . ولکن فی المقابل ظهر فیهم منطقٌ یقول: إن دولة محمد دولتنا.. فمحمد أخٌ کریمٌ، وابن أخٍ کریم، ودولته دولة قریش، وعزه عزها وفخره فخرها، فهو مهما کان ابن قریش الرحیم، ودولته أوسعُ من دولة قریش وأقوى، والمجال أمام زعمائها مفتوحٌ من داخل هذه الدولة، فلماذا نحاربها، ولماذا نترکها بأیدی الغرباء من الأوس والخزرج الیمانیین! .

أما مسألة من یرث دولة محمد بعده، فهی مسألةٌ قابلةٌ للعلاج، وهی على کل حال مسألةٌ قرشیةٌ داخلیة!!

من البدیهی عند الباحث أن یفهم أن قریشاً وجهت جهودها لمرحلة ما بعد محمد صلى الله علیه وآله وأن الهدف الأهم عندها کان: منع محمد أن یرتب الأمر من بعده لبنی هاشم، ویجمع لهم بین النبوة والخلافة على حد تعبیر قریش!

فالنبوة لبنی هاشم، ولکن خلافة محمد یجب أن تکون لقریش غیر بنی هاشم!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۲

لکن رغم وجود هذا المنطق، فإن النصوص واعترافات بعض زعمائهم تدل على أنهم کانوا یعملون على کل الجبهات الممکنة! وأن أکثریتهم کانوا یائسین من أن یشرکهم محمد فی حکم دولته، لأنه یعمل بجدٍّ لترکیز حکم عترته من بعده. .

لذلک اتجه تفکیرهم بعد فتح مکة الى اغتیال النبی صلى الله علیه وآله . . وسرعان ما حاولوا تنفیذ ذلک فی حنین. .!!

إن فراعنة قریش کفراعنة الیهود أبناء عمهم، فهم لا یعرفون الوفاء، بل کأنهم إذا لم یغدروا بمن عفا عنهم وأحسن الیهم، یصابون بالصداع!!

لقد اعلنوا إسلامهم، وادعوا أنهم ذهبوا مع النبی صلى الله علیه وآله لیساعدوه فی حربه مع قبیلتی هوازن وغطفان، وکان عددجیشهم ألفین، وعدد جیش النبی صلى الله علیه وآله الذی فتح مکة عشرة آلاف، وعندما التقوا بهوازن فی حنین انهزموا من أول رشق سهام، وسببوا الهزیمة فی صفوف المسلمین فانهزموا جمیعاً، کما حدث فی أحد!

وثبت النبی صلى الله علیه وآله ومعه بنو هاشم فقط، کالعادة، وقاتلوا بشدةٍ مع مئة رجعوا الیهم مئة من الفارین حتى ردوا الحملة، ثم رجع المسلمون الفارون. . وکتب الله النصر.

وفی أثناء هزیمة المسلمین، قامت قریش بعدة محاولاتٍ لقتل النبی صلى الله علیه وآله!

نکتفی منها بذکر ما نقله زعیم بنی عبد الدار النضیر بن الحارث، الذی سیأتی ذکره فی تفسیر الآیة الثالثة! ونقله عنه محب له ولقریش ولبنی أمیة هو ابن کثیر فقال فی سیرته: ۳|۶۹۱:

کان النضیر بن الحارث بن کلدة من أجمل الناس، فکان یقول: الحمد لله الذی من علینا بالإسلام، ومن علینا بمحمد صلى الله علیه وسلم، ولم نمت على ما مات علیه الآباء، وقتل علیه الإخوة وبنو العم.

ثم ذکر عداوته للنبی صلى الله علیه وسلم وأنه خرج مع قومه من قریش الى حنین، وهم على دینهم بعد، قال: ونحن نرید إن کانت دائرة على محمد أن نغیر علیه، فلم یمکنا ذلک.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۳

فلما صار بالجعرانة فوالله إنی لعلى ما أنا علیه، إن شعرت إلا برسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: أنضیر؟

قلت: لبیک.

قال: هل لک الى خیر مما أردت یوم حنین مما حال الله بینک وبینه؟

قال: فأقبلت إلیه سریعاً.

فقال: قد آن لک أن تبصر ما کنت فیه توضع!

قلت: قد أدری أن لو کان مع الله غیره لقد أغنى شیئاً، وإنی أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له.

فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: اللهم زده ثباتاً.

قال النضیر: فوالذی بعثه بالحق لکأن قلبی حجرٌ ثباتاً فی الدین، وتبصرة بالحق. فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: الحمد لله الذی هداه. انتهى.

وأنت تلاحظ أن هذه الکلام یتضمن إقراراً من هذا الزعیم القرشی على نفسه، وإقرار الإنسان على نفسه حجة. . وأنه یتضمن ادعاء منه بإیمانه بالله تعالى، فقد ذکر أنه تشهده الشهادة الأولى فقط، ولم یذکر الثانیة!

ولکن الدعوى لا تثبت بادعاء صاحبها بدون شهادة غیره!

ومهما یکن فقد اعترف زعیم بنی عبد الدار أصحاب رایة قریش التی یصدر حاملها الأوامر لألفی مسلح فی حنین، بأن إعلان إسلامهم فی مکة کان کاذباً، وبأنه کل زعماء قریش کانوا متفقین على قتل النبی صلى الله علیه وآله ، وأنهم حاولوا محاولاتٍ فی حنین ولم یتوفقوا. . فقد أحبط الله تعالى خططهم، وکشف لنبیه صلى الله علیه وآله نوایاهم!!

بل تدل أحادیث السیرة، على أن زعماء قریش لم یملکوا أنفسهم عند انهزام المسلمین فی حنین فی أول الأمر، فأظهروا کفرهم الراسخ، وفضحوا أنفسهم!

ـ ففی سیرة ابن هشام: ۴|۴۶

قال ابن اسحاق: فلما انهزم الناس، ورأى من کان مع رسول الله صلى الله علیه




--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۴

وسلم من جفاة أهل مکة الهزیمة، تکلم رجالٌ منهم بما فی أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفیان بن حرب: لا تنتهی هزیمتهم دون البحر، وإن الأزلام لَمَعَهُ فی کنانته! وصرخ جبلة بن الحنبل ـ قال ابن هشام کلدة بن الحنبل ـ وهو مع أخیه صفوان بن أمیة مشرکٌ فی المدة التی جعل له رسول الله صلى الله علیه وسلم: ألا بطل السحر الیوم!

قال ابن اسحاق: وقال شیبة بن عثمان بن أبی طلحة أخو بنی عبد الدار: قلت الیوم أدرک ثأری من محمد، وکان أبوه قتل یوم أحد، الیوم أقتل محمداً، قال:

فأدرت برسول الله لأقتله، فأقبل شىَ حتى تغشى فؤادی فلم أطلق ذاک، وعلمت أنه ممنوعٌ منی!! انتهى.

وهذا آخر من أصحاب رایة جیش قریش المسلمة، یعترف بأنه فی حنین عند الهزیمة أو بعدها ( دار ) مرة أو مراتٍ حول النبی صلى الله علیه وآله لیقتله!

إن الناظر فی مقومات شخصیات زعماء قریش، وتفکیرهم واهتماماتهم، یصل الى أن قناعة بأن عنادهم بلغ حداً أنهم اتخذوا قراراً بأن یکذبوا بکل الآیات والمعجزات التی یأتیهم بها محمد صلى الله علیه وآله ، ویکفروا بکل القیم والأعراف الإنسانیة التی یدعو الیها ویعاملهم بها. . وأن لا یدخلوا فی دینه إلا فی حالتین لا ثالثة لهما:

إذا کان السیف فوق رؤوسهم!

أو صارت دولة محمد وسلطانه بأیدیهم!

لقد حاربوا هذا الدین ونبیه صلى الله علیه وآله بکل الوسائل حتى عجزوا وانهزموا. .

ثم واصلوا تآمرهم ومحاولاتهم اغتیال النبی صلى الله علیه وآله حتى عجزوا. .

ثم جاؤوا یشترطون الشروط مع النبی صلى الله علیه وآله لیأخذوا سهماً من دولته فعجزوا. .

ثم جاؤوا یدعون أنهم أصحاب الحق فی دولة نبیهم صلى الله علیه وآله لأنه من قبائل قریش!!!

ـ قال فی مناقب آل أبی طالب: ۲|۲۳۹

قال الشریف المرتضى فی تنزیه الأنبیاء: إن النبی صلى الله علیه وآله لما نص على أمیر المؤمنین




--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۵

بالإمامة فی ابتداء الأمر، جاءه قوم من قریش وقالوا له: یا رسول الله إن الناس قریبوا عهد بالإسلام لا یرضون أن تکون النبوة فیک والإمامة فی ابن عمک علی بن أبی طالب. . فلو عدلت به الى غیره، لکان أولى!

فقال لهم النبی صلى الله علیه وآله : ما فعلت ذلک لرأیی فأتخیر فیه، لکن الله تعالى أمرنی به وفرضه علیَّ.

فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلک مخافة الخلاف على ربک، فأشرک معه فی الخلافة رجلاً من قریش ترکن الناس الیه، لیتم لک أمرک، ولا تخالف الناس علیک. فنزلت الآیة: لئن أشرکت لیحبطن عملک ولتکونن من الخاسرین.

عبد العظیم الحسنی عن الصادق علیه السلام فی خبر: قال رجل من بنی عدی اجتمعت الیَّ قریش، فأتینا النبی فقالوا: یارسول الله إنا ترکنا عبادة الأوثان واتبعناک، فأشرکنا فی ولایة علی فنکون شرکاء، فهبط جبرئیل على النبی فقال: یا محمد لئن أشرکت لیحبطن عملک. . الآیة. انتهى. ( والحدیث الأول فی تنزیه الأنبیاء|۱۶۷ )






قریش تتمحور حول زعامة سهیل بن عمرو



رغم خیانات زعماء قریش بعد فتح مکة وتآمرهم، فقد حاول الرسول صلى الله علیه وآله أن یستقطبهم، فأکرمهم وتألفهم وأعطاهم أکثر غنائم المعرکة، وأطمعهم بالمستقبل إن هم أسلموا وحسن إسلامهم. . الخ.

لقد أمر الله رسوله صلى الله علیه وآله أن یقاوم عُقَدهم بنور الحلم، وظلماتهم بنور الإحسان. .!!

وفی هذه الفترة تراجعت زعامة أبی سفیان، ولم یبق منها إلا ( أمجاد ) حربه مع محمد صلى الله علیه وآله ، فشخصیة أبی سفیان تصلح للزعامة فی الحرب فقط وفی التجارة، ولا تصلح فی السلم للزعامة والعمل السیاسی، لذلک تراه بعد أن انکسر فی فتح مکة ذهب الى المدینة وطلب منصباً من محمد صلى الله علیه وآله فعینه جابیاً للزکاة من بعض القبائل!!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۶

أما الزعیم الذی یجید العمل لمصلحة قریش المنکسرة عسکریاً. . فقد وجدته قریش فی سهیل بن عمرو، العقل السیاسی المفکر والمخطط. .

وسرعان ما صار سهیل محوراً لقریش، ووارثاً لقیادة زعمائها الذین قتلهم محمد أو أماتهم رب محمد صلى الله علیه وآله.

وسهیل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود، هو فی نظر قریش: قرشی أصیل. ولئن کان من بنی عامر بن لؤی، الذین هم أقل درجة من بنی کعب بن لؤی ( سیرة ابن هشام: ۲|۴۸۹ ) ، ولکنه صاحب تاریخ مع محمد، فهو من الزعماء الذین فاوضوا أبا طالب بشأنه.

وهو من أعضاء دار الندوة الذین قرروا مقاطعة بنی هاشم.

وهو من الذین ائتمروا على قتله عندما ذهب الى الطائف، وقرروا نفیه من مکة، وهددوه بالقتل إن هو دخلها، ورفضوا أن یجیروه حتى یستطیع الدخول الى مکة وتبلیغ رسالة ربه.. ففی تاریخ الطبری: ۲|۸۲: أن النبی صلى الله علیه وآله قال للأخنس بن شریق: ائت سهیل بن عمرو فقل له إن محمداً یقول لک: هل أنت مجیری حتى أبلغ رسالات ربی؟ فأتاه فقال له ذلک، قال فقال: إن بنی عامر بن لؤی لا تجیر على بنی کعب! انتهى.

وهو من الزعماء الذین واصلوا العمل لقتل محمد بعد وفاة أبی طالب، حتى أنجاه الله منهم بالهجرة.

وهو أحد الذین حبسوا المسلمین وعذبوهم على إسلامهم، ومن المعذبین على یده ولده أبو جندل.

وهو أحد قادة المشرکین فی بدر، وأحد أثریائهم الذین کانوا یطعمون الجیش.

وهو أحد الذین کانوا یؤلمون قلب رسول الله صلى الله علیه وآله بفعالیاتهم الخبیثة، فلعنهم الله تعالى وطردهم من رحمته، وأمر رسوله أن یلعنهم، ویدعو علیهم فی صلاته.

وهو أحد المنفقین أموالهم على تجهیز الناس لحرب النبی صلى الله علیه وآله فی أحد والخندق وغیرهما.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۷

ـ قال فی سیر أعلام النبلاء: ۱|۱۹۴

یکنى أبا یزید، وکان خطیب قریش وفصیحهم ومن أشرافهم... وکان قد أسر یوم بدر وتخلص. قام بمکة وحض على النفیر، وقال: یال غالب أتارکون أنتم محمداً والصباة یأخذون عیرکم! من أراد مالاً فهذا مال، ومن أراد قوة فهذه قوة.

وکان سمحاً جواداً مفوهاً.

وقد قام بمکة خطیباً عند وفاة رسول الله صلى الله علیه وسلم، بنحو من خطبة الصدیق بالمدینة فسکنهم!! وعظم الإسلام. انتهى.

وهو الذی انتدبته قریش لمفاوضة محمد صلى الله علیه وآله فی الحدیبیة، وقد أجاد المفاوضة وشدد علیه بالشروط، ولم یقبل أن یکتب فی المعاهدة ( رسول الله ) ووقع الصلح معه نیابة عن کل قریش.

وهو المعروف عند قریش بأنه سیاسی حکیم، أکثر من غیره من فراعنتها.

وهو أخیراً من أئمة الکفر الذین أمر الله رسوله صلى الله علیه وآله بقتالهم! وإعلانه الإسلام تحت السیف لا یغیر من آیات الله شیئاً! ففی تفسیر الصنعانی: ۱|۲۴۲: عن قتادة فی قوله ( وقاتلوا أئمة الکفر... ) هو أبو سفیان بن حرب، وأمیة بن خلف، وعتبه بن ربیعة، وأبو جهل، وسهیل بن عمرو. انتهى.

وقد اختار سهیل بن عمرو البقاء فی مکة بعد فتحها ودخولها تحت حکم النبی صلى الله علیه وآله ولم یهاجر الى المدینة کبعض الطلقاء، ولم یطلب من محمد منصباً، لأن کبرباءه القرشی وتاریخه فی الصراع مع النبی صلى الله علیه وآله یأبیان علیه ذلک!!

ولکنه قبل هدیة النبی صلى الله علیه وآله فی حنین وکانت مئة بعیر، بینما کان رفضها فی أیام القحط والسنوات العجاف التی حدثت على قریش بدعاء النبی صلى الله علیه وآله ثم أشفق علیهم وأرسل الیهم مساعدة، وکانت أحمالاً من المواد الغذائیة، فقبلها أکثرهم وکان سهیل ممن رفضوها!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۸

إنه تاریخٌ طویلٌ مشرقٌ عند القرشییین، وإن کان أسود عند الله تعالى ورسوله صلى الله علیه وآله!! ومن أجل هذا النسب وهذا التاریخ والصفات، اجتمعت حوله قریش بعد فتح مکة، وانضوت تحت زعامته!




وکان النبی صلى الله علیه وآله قد عین حاکماً لمکة بعد فتحها، هو عتاب بن أسید الأموی وحعل معه أنصاریاً، ولکن قریشاً کانت تفضل علیه سهیلاً، وتسمع کلامه أکثر منه!

والدلیل على ذلک أنه بعد وفاة النبی صلى الله علیه وآله ارتدت قریش عن الإسلام، وخاف حاکمها عتاب أن یقتلوه فاختبأ مع أنه قرشی أموی. . وبعد أیام وصلهم خبر یطمئنهم ببیعة أبی بکر التیمی، وأن أحداً من بنی هاشم لن یحکم بعد محمد صلى الله علیه وآله فاطمأن سهیل بن عمرو، وخطب فی قریش بنفس خطبة أبی بکر فی المدینة، والتی مفادها أنه من کان یعبد محمداً فإن إلَهه قد مات، ونحن لا نعبد محمداً، بل هو رسولٌ بلغ رسالته ومات، وهو ابن قریش وسلطانه سلطان قریش، وقد اختارت قریش حاکماً لنفسها بعده وهو أبو بکر، فاسمعوا له وأطیعوا.

لقد طمأنهم سهیل بأن الأمر بید قریش، ولیس بید بنی هاشم والأنصار الیمانیة الذین ( یعبدون ) محمداً، فلماذا الرجوع عن الإسلام!

فأطاعته قریش وانتهى مشروع الردة!

وأصدر سهیل أمره لعتاب الحاکم من قبل النبی صلى الله علیه وآله : أخرج من مخبئک، واحکم مکة باسم الزعیم القرشی غیر الهاشمی أبی بکر بن أبی قحافة التیمی!

( راجع سیرة ابن هشام: ۴|۱۰۷۹، وفیها: فتراجع الناس وکفوا عما هموا به، وظهر عتاب بن أسید ) .




سهیل بن عمرو یحاول الإستقلال!



اقتنعت قریش بعد فتح مکة أن العمل العلنی ضد محمد صلى الله علیه وآله محکوم بالفشل. .




--------------------------------------------------------------------------------

۱۵۹

فرکزت جهودها على العمل السیاسی المتقن، والعمل السری الصامت، لإبعاد عترته عن الحکم، وجعله فی قریش. .

ولکن المشکلة عندها أن النبی صلى الله علیه وآله یسیر قدماً فی ترتیب الأمر من بعده لعلی. . ومن بعده للحسن والحسین، أولاد بنته فاطمة. . وقریش لا تطیق علیاً ولا أحداً من بنی هاشم. . لذلک قرر قادتها وفی مقدمتهم سهیل بن عمرو أن یقوموا بأنشطة متعددة، منها محاولة جریئة مع النبی صلى الله علیه وآله . . فقد کتبوا الیه ثم جاؤوه وفداً برئاسة سهیل بن عمرو، طالبین الیه أن یرد ( الیهم ) عدداً من أبنائهم وعبیدهم، الذین ترکوا مکة أو مزارعهم فی الطائف، وهاجروا الى النبی صلى الله علیه وآله لیتفقهوا فی الدین، کما تنص الآیة القرآنیة!

قال سهیل للنبی صلى الله علیه وآله نحن الیوم حلفاؤک، وقد انتهت الحرب بیننا وتصالحنا، وأنا الذی وقعت الصلح السابق معک فی الحدیبیة!

وهؤلاء أولادنا وعبیدنا هربوا منا وجاؤوک، ولم یأتوک لیتفقهوا فی الدین کما زعموا، ثم إن کانت هذه حجتهم فنحن نفقههم فی الدین، فأرجعهم الینا!!

ومعنى هذا الطلب البسیط من زعیم قریش الجدید: أن قریشاً حتى بعد فتح مکة واضطرارها الى خلع سلاحها وإسلامها تحت السیف. . ترید من النبی صلى الله علیه وآله الإعتراف بأنها وجودٌ سیاسیٌّ مستقل، فی مقابل النبی صلى الله علیه وآله ودینه ودولته!!

ـ روى الترمذی فی: ۵|۲۹۸

عن ربعی بن حراش قال: أخبرنا علی بن أبی طالب بالرحبة فقال: لما کان یوم الحدیبیة خرج إلینا ناس من المشرکین فیهم سهیل بن عمرو وأناس من رؤساء المشرکین، فقالوا یارسول الله: خرج إلیک ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، ولیس لهم فقه فی الدین، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضیاعنا، فارددهم إلینا فإن لم یکن لهم فقه فی الدین سنفقههم.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۰

فقال النبی صلى الله علیه وسلم: یامعشر قریش لتنتهن أو لیبعثن الله علیکم من یضرب رقابکم بالسیف على الدین، قد امتحن الله قلوبهم على الإیمان! قالوا من هو یارسول الله؟

فقال له أبو بکر: من هو یارسول الله؟

وقال عمر: من هو یارسول الله؟

قال هو خاصف النعل، وکان أعطى علیاً نعله یخصفها. هذا حدیث حسن صحیح غریب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حدیث ربعی عن علی.

ـ وروى أبو داود: ۱|۶۱۱

عن ربعی بن حراش عن علی بن أبی طالب قال: خرج عبدانٌ الى رسول الله صلى الله علیه وسلم، یعنی یوم الحدیبیة قبل الصلح، فکتب إلیه موالیهم فقالوا: یا محمد والله ما خرجوا إلیک رغبة فی دینک، وإنما خرجوا هرباً من الرق!

فقال ناسٌ: صدقوا یا رسول الله ردهم إلیهم!

فغضب رسول الله صلى الله علیه وسلم وقال: ما أراکم تنتهون یا معشر قریش حتى یبعث الله علیکم من یضرب رقابکم على هذا!

وأبى أن یردهم وقال: هم عتقاء الله عز وجل. انتهى.

ولا یغرک ذکر الحدیبیة فی الحدیث، فهذا من أسالیب الرواة القرشیین فی التزویر فالحادثة وقعت بعد فتح مکة، ولو کانت قبله لطالب سهیلٌ النبی صلى الله علیه وآله بالوفاء لهم بشرطهم، لأنهم شرطوا على النبی صلى الله علیه وآله فی صلح الحدیبیة أن یرد الیهم من یأتیه منهم، ولا یردون الیه من یأتیهم من المسلمین!

ولو کانت قبل فتح مکة، لکانت مطالبةً بشرطهم، وما استحقت هذا الغضب النبوی الشدید، وهو لا یغضب إلا بحق، ولا یغضب إلا لغضب الله تعالى، ولا یرضى إلا بما یرضی الله تعالى!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۱

ولو کانت قبل فتح مکة وقبل ( دخول ) قریش فی الإسلام لما قالوا فی مطالبتهم بأولادهم وعبیدهم المهاجرین ( سنفقههم ) فهذا لا یقوله إلا الطلقاء الذین یدعون الاسلام وفقه الإسلام!

کما أن بعض الروایات قد صرحت بأن الحادثة کانت بعد فتح مکة!

ـ قال الحاکم فی المستدرک: ۲|۱۳۸

عن ربعی بن حراش عن علی رضی الله عنه قال: لما افتتح رسول الله صلى الله علیه وآله مکة، أتاه ناس من قریش فقالوا: یا محمد إنا حلفاؤک وقومک، وإنه لحق بک أرقاؤنا لیس لهم رغبة فی الإسلام، وإنما فروا من العمل فارددهم علینا!

فشاور أبا بکر فی أمرهم فقال: صدقوا یا رسول الله!

فقال لعمر ما ترى؟ فقال مثل قول أبی بکر.

فقال رسول الله صلى الله علیه وآله : یامعشر قریش لیبعثن الله علیکم رجلاً منکم امتحن الله قلبه للایمان، فیضرب رقابکم على الدین!

فقال أبو بکر: أنا هو یا رسول الله؟

قال: لا.

قال عمر: أنا هو یا رسول الله؟

قال: لا، ولکنه خاصف النعل فی المسجد، وقد کان ألقى نعله الى علی یخصفها.. هذا حدیث صحیح على شرط مسلم ولم یخرجاه.

وروى نحوه فی ۴|۲۹۸، وصححه على شرط مسلم وفیه ( لما افتتح رسول الله صلى الله علیه وآله مکة أتاه ناس من قریش... یا معشر قریش لتقیمن الصلاة ولتؤتن الزکاة أو لأبعثن علیکم رجلاً فیضرب أعناقکم على الدین، ثم قال: أنا، أو خاصف النعل، قال علی: وأنا أخصف نعل رسول الله صلى الله علیه وآله ) انتهى. ورواه فی کنز العمال: ۱۳|۱۷۴، وقال: ( ش وابن جریر، ک، ویحیى بن سعید فی إیضاح الإشکال ) .

فی هذه الحادثة الخطیرة حقائق مهمة وکبیرة:

الأولى: أنهم جاؤوا الى النبی صلى الله علیه وآله الى المدینة.. وهذا یعنی أنهم بعد فتح مکة وخضوعهم وإعلانهم الإسلام تحت السیف، وعتق النبی صلى الله علیه وآله لرقابهم، وما فعلوه فی حرب حنین.. جاؤوا الى ( محمد ) فی عاصمته یطالبونه بالإعتراف العملی باستقلالهم السیاسی.. وهی وقاحةٌ ما فوقها وقاحة! !

صلى الله علیه وآله وقالوا له صلى الله علیه وآله ( یا محمد ) کما رأیت فی صحیح الحاکم على شرط مسلم! وکما فی سنن أبی داود: ۱|۶۱۱ ولکن روایة الترمذی جعلتها ( یارسول الله )!

وقد مر مایدل على أن الحادثة کانت فی المدینة ففی مسند أحمد: ۳|۸۲

عن أبی سعید الخدری قال: کنا جلوساً ننتظر رسول الله صلى الله علیه وسلم، فخرج علینا من بعض بیوت نسائه، قال: فقمنا معه فانقطعت نعله، فتخلف علیها علی یخصفها، فمضى رسول صلى الله علیه وسلم ثمتَ ومضینا معه، ثم قام ینتظره وقمنا معه، فقال: إن منکم من یقاتل على تأویل هذا القرآن کما قاتلت على تنزیله! ! فاستشرفنا وفینا أبو بکر وعمر فقال: لا، ولکنه خاصف النعل! قال فجئنا نبشره قال: وکأنه قد سمعه. انتهى. وقال عنه فی مجمع الزوائد: ۹|۱۳۳ ( رواه أحمد ورجاله رجال الصحیح غیر فطر بن خلیفة، وهو ثقة ). انتهى.

الثانیة: أنهم اعتبروا أن فتح مکة ( ودخولهم ) فی الإسلام لا یعنی خضوعهم للنبی صلى الله علیه وآله وذوبانهم فی الأمة الإسلامیة، بل هو تحالف مع النبی صلى الله علیه وآله ضد أعداء دولته من القبائل التی لم تدخل تحت سیطرتها، والى حد ما ضد الروم والفرس. فهو تحالف الند للند، وإن کان تم بفتح مکة بقوة السیف! !

وقد عملوا بزعمهم بهذا التحالف، فحاربوا معه صلى الله علیه وآله فی حنین، فعلیه الآن أن یعترف بکیانهم القرشی المستقل! وقد اختاروا أول مطلب لهم أو علامة على ذلک: أن یعید هؤلاء الفارین الیه من أبنائهم وعبیدهم! یعیدهم من دولته الى دولتهم! !





--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۳

الثالثة: أن القرشیین الذین هاجروا مع النبی صلى الله علیه وآله ـ ماعدا بنی هاشم ـ وافقوهم على ذلک! فهذا أبو بکر بن أبی قحافة التیمی، وعمر بن الخطاب العدوی یؤیدان مطلب قریش مئة بالمئة! !

وتتفاوت الروایات هنا فی التصریح فی موافقة أبی بکر وعمر على مطلب قریش فبعضها کما رأیت فی روایة الحاکم الصحیحة ینص على أن أبا بکر قال ( صدقوا یا رسول الله! ) وقال عمر مثل قوله: صدقوا یارسول الله ردهم الیهم! !

وبعضها لا تذکر تصدیقهما لمطلب قریش وشهادتهما بأنه حق، بل تقتصر على سؤالهما إن کانا هما الذین سیبعثهما الله ورسوله لتأدیب قریش! کما فی روایة الترمذی المتقدمة، وکما فی مستدرک الحاکم: ۳|۱۲۲، وکما فی مجمع الزوائد: ۹|۱۳۴ و: ۵|۱۸۶، وقال ( رواه أبو یعلى ورجاله رجال الصحیح ).

وقد غیر بعض الرواة القرشیین ( الأذکیاء ) اسم الشیخین الى ( ناس ) رسول الله صلى الله علیه وسلم!! وکذا فی کنز العمال: ۱۰|۴۷۳ وقال الهندی عن مصادره: أبو داود وابن جریر وصححه، ق ض ).

وبعضهم حذفوا اسم أبی بکر وعمر کلیاً من الحادثة! کما رأیت فی سنن أبی داود، وکما فی کنز العمال: ۱۱|۶۱۳، حیث رواه بعدة روایات عن أحمد، وعن مصادر متعددة، ولیس فیه ذکر لأبی بکر وعمر!

الرابعة: یتساءل الباحث ما هی العلاقة التی کانت تربط أبا بکر وعمر بسهیل بن عمرو، ولماذا أیدا مطلب قریش المفضوح؟!

ویتساءل: مادام النبی صلى الله علیه وآله فهم خطة القرشیین وغضب ورفض مطلبهم وهددهم بالحرب ثانیة، بل وعدهم بها.. فلماذا استشار أبا بکر وعمر فی الموضوع؟!

على أی حال، إن أقل ما تدل علیه النصوص: أن زعامة قریش کانت متمثلةً فی ذلک الوقت بهؤلاء الأربعة، الذین جمعتهم هذه الحادثة وهم:





--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۴

رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله علیه وآله.

وسهیل بن عمرو العامری، زعیم المشرکین بالأمس وزعیم قریش الیوم.

وأبو بکر التیمی وعمر العدوی، الممثلان لقبیلتین صغیرتین لا وزن لهما فی قریش، ولکن لشخصیتیهما وزناً مهماً لصحبتهما للنبی صلى الله علیه وآله وقد أیدا مطلب سهیل!

ولا بد للباحث أن یفترض علاقةً واتفاقاً مسبقاً بین وفد قریش وبین الشیخین، بل یفهم من بعض الروایات أن سهیلاً ووفد قریش نزلوا فی المدینة فی ضیافة عمر، ثم جاء وأبو بکر معهم الى النبی صلى الله علیه وآله لمساعدتهم على مطلبهم.

الخامسة: تضمن الموقف النبوی من الحادثة أربعة عناصر:

الأول، الغضب النبوی من تفکیر قریش الکافر ووقاحتها، وقد ذکرته الروایات ولم تصفه بالتفصیل.

الثانی، یأس النبی صلى الله علیه وآله من أن تصلح قریش ویحسن إسلامها، بل یأسه من أن تترک قریش تعقید بنی عمها إسحاق وفرعنتهم، وتخضع للحق، إلا بقوة السیف!!

ففی عدد من روایات الحادثة کما فی الحاکم: ۲|۱۲۵ ( فقال: ما أراکم تنتهون یا معشر قریش حتى یبعث الله علیکم من یضرب رقابکم على هذا ) أی على الإسلام! وکذا رواه أبو داود : ۱|۶۱۱، والبیهقی فی سننه: ۹|۲۲۹، وکنز العمال: ۱۰|۴۷۳! وهو تصریح بأنهم لم یسلموا ، ولن یسلموا إلا تحت السیف!!

الثالث، تهدیدهم بسیف الله تعالى ورسوله صلى الله علیه وآله علی بن أبی طالب علیه السلام الذی ترتعد منه فرائصهم، لأنهم ذاقوا منه الأمرین، فقد قتل مجموع المسلمین فی حروبهم مع قریش نصف أبطالها، وقتل علی وحده نصفهم أو أکثر!

ونلاحظ هنا أن النبی صلى الله علیه وآله کنَّى عن ذلک الشخص الذی سیبعثه الله على قریش فیضرب أعناقهم على الدین، بأنه أنا أو رجل منی ( مجمع الزوائد: ۹|۱۳۳ ) ثم سماه عندما سأله أبو بکر وعمر عنه فقال ( أنا أو خاصف النعل ـ کنز العمال: ۷|۳۲۶ وغرضه من التکنیة ثم التسمیة، أن لا تتصور قریش أن المسألة بعیدة فتطمع فی مشروعها!




--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۵

بل ینبغی أن تحتمل أن الأمر قد یصدر غداً الى علی بغزو مکة وقتل فراعنة قریش!

وغرضه صلى الله علیه وآله من تعبیر ( منی ) أن یبین مکانة علی علیه السلام، وأن تعلم قریش أنه مؤمنٌ وأنه هاشمی من ذلک الفرع الذی ما زالت تحسده، وتموت منه غیضاً! !

فلو أنه صلى الله علیه وآله قال لهم: إن علیاً سیقاتل قریشاً على تأویل القرآن بعد ربع قرن، کما قاتلتها أنا على تنزیله بالأمس، لطمعت قریش وقالت: إذن عندنا فرصة ربع قرن من الزمان، ولکل حادثٍ حدیث!

بل روى فی مجمع الزوائد حدیثاً قال عنه: رواه الطبرانی ورجاله رجال الصحیح: أن علیاً علیه السلام کان یعلن فی زمان النبی صلى الله علیه وآله تهدیده لقریش، ولکل من یفکر بالردة، بأنه سوف یقاتلهم الى آخر نفس، وهو عملٌ وقائی بتوجیه النبی صلى الله علیه وآله لمنع قریش أن تفکر بالردة! قال فی مجمع الزوائد: ۹|۱۳۴

وعن ابن عباس أن علیاً کان یقول فی حیاة رسول الله صلى الله علیه وسلم: إن الله عز وجل یقول: أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابکم، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى. والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل علیه حتى أموت. لا والله.. إنی لأخوه، وولیه، وابن عمه، ووارثه، فمن أحق به منی ؟!

ـ وروى فی نفس المکان حدیثاً آخر ینص على أن النبی صلى الله علیه وآله هدد قریشاً بعلی علیه السلام بعد فتح مکة مباشرةً، قال: وعن عبد الرحمن بن عوف قال: لما افتتح رسول الله صلى الله علیه وسلم مکة انصرف الى الطائف فحاصرها سبع عشرة أو ثمان عشرة لم یفتتحها، ثم أوغل روحةً أو غدوةً، ثم نزل ثم هجَّرَ فقال:

یا أیها الناس إنی فرطٌ لکم وأوصیکم بعترتى خیراً، وإن موعدکم الحوض. والذی نفسی بیده لیقیموا الصلاة، ولیؤتوا الزکاة، أو لأبعثن الیهم رجلاً منی، أو لنفسی، فلیضربن أعناق مقاتلیهم، ولیسبین ذراریهم.

قال فرأى الناس أنه أبو بکر أو عمر، وأخذ بید علی فقال: هذا هو. رواه أبو یعلى وفیه طلحة بن جبر، وثقه ابن معین فی روایة، وضعفه الجوزجانی، وبقیة رجاله ثقات.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۶

الرابع: أن النبی صلى الله علیه وآله حکم بکفر أصحاب هذا الطلب، ولعمری إن مجرد طلبهم کافٍ لإثبات ذلک. ویؤکده الغضب النبوی وقوله صلى الله علیه وآله ( ما أراکم تنتهون یا معشر قریش ) وقوله بأن الله سیبعث علیهم رجلاً یضرب أعناقهم على الدین، مما یدل على أنهم لیسوا علیه. بل لا یسکتون عنه إلا تحت السیف! !

ولکن الفقهاء یریدون دلیلاً أکثر لمساً، وقد أعطاهم إیاه النبی صلى الله علیه وآله فأبى أن یرد علیهم عبیدهم المملوکین، وأخبرهم أنه أعتقهم فصاروا عتقاء الله تعالى!

فلو کان هؤلاء الطلقاء مسلمین، وکانت ملکیتهم محترمة، فکیف یجوز للنبی صلى الله علیه وآله أن یعتدی على ملکیتهم، وهو أتقى الأتقیاء، وهو القائل: لایحل مال امرىَ مسلم إلا بطیب نفسه.. والقائل: إن أموالکم ودماءکم علیکم حرام.. الخ.




أثر هذه الحادثة على قریش



الظاهر أن هذه الحادثة کانت آخر محاولات قریش لانتزاع اعتراف النبی صلى الله علیه وآله باستقلالها السیاسی، ولو بصیغة التحالف معه صلى الله علیه وآله، أو بصیغة الحکم الذاتی تحت لواء دولته! فهل سکتت قریش بعد هذه الحادثة؟

الذین یقرؤون التاریخ المکتوب بحبر الخلافة القرشیة، والإسلام المفصل بمقصات رواتها.. یقولون: من المؤکد أن قریشاً تابت بعد هذه الحادثة، وأسلم زعماؤها وأتباعهم وحسن إسلامهم، وتصدقوا وأعتقوا وحجوا، وأکثروا من الصوم والحج والصلاة!

ولکن النبی صلى الله علیه وآله قال ( ما أراکم تنتهون یا معشر قریش )! ! وطبیعة قریش، وطینة زعامتها تؤکد أنهم واصلوا العمل على کل الجبهات الممکنة! !

نعم.. لقد رأت قریش أن حدیدة النبی صلى الله علیه وآله حامیة، وأن التفکیر بالإستقلال السیاسی عنه صلى الله علیه وآله تفکیرٌ خاطىَ، وأن محمداً لا یقعقع له بالشنان، فهو من علیاء هاشم وذروة شجعانها، ومعه ابن عمه قَتَّال قریشٍ ومجندل أبطالها، ومعه الأوس والخزرج، الذین تجرؤوا لأول مرة فی تاریخهم على حرب قریش..





--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۷

لقد تراجع عند قریش منطق الإستقلال السیاسی عن محمد صلى الله علیه وآله، وتأکد عندها المنطق القائل إن دولة محمد شملت کل المنطقة، وهی تتحفز لمقارعة الروم والفرس، وقد وعد محمد المسلمین بذلک وتطلعوا الیه.. فلا معنى لأن تطالبه قریش بحکم مکة ومن أطاعها من قبائل العرب!

إنه لا بد من التأقلم مع الوضع الجدید، والعمل الجاد بالسیاسة وبالعنف المنظم، لکی ترث قریش کل دولة محمد! صلى الله علیه وآله

فمحمد من قریش، وقریش أولى بسلطان ابنها، ولا کلام للأنصار الیمانیة، ولا لغیرهم من القبائل.

أما مسألة بنی هاشم الذین یسمیهم محمد صلى الله علیه وآله العترة والقربى، وتنزل علیه فیهم آیات القرآن، ویصدر فیهم الأحادیث، ویجعل لهم خمس میزانیة الدولة.. فلا بد من معالجة أمرهم بأی طریقة ممکنة!

نعم.. هذا ما وصلت الیه قریش التی أعتقها النبی صلى الله علیه وآله من القتل والرق!

وهذا ماجازته به فی حیاته صلى الله علیه وآله !

وقد ساعدها علیه من ساعدها من أصحابه! !




الخلیفة عمر یشهد بفساد قریش!



ـ قال الطبری فی تاریخه: ۳|۴۲۶:

عن الحسن البصری قال: کان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قریش من المهاجرین الخروج فی البلدان، إلا بإذنٍ وأجل، فشکوه، فبلغه، فقام فقال: ألا إنی قد سننت الإسلام سن البعیر، یبدأ فیکون جذعاً، ثم ثنیاً ثم رباعیاً ثم سدیساً، ثم بازلاً، ألا فهل ینتظر بالبازل إلا النقصان.

ألا فإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قریشاً یریدون أن یتخذوا مال الله مغویاتٍ دون عباده ألا فأما وابن الخطاب حیٌّ فلا، إنی قائمٌ دون شعب الحرة، آخذٌ بحلاقیم قریش




--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۸

وحجزها أن یتهافتوا فی النار! ! انتهى. ورواه فی کنز العمال: ۱۳|۷۵، وفی تاریخ المدینة لابن شبة: ۲|۷۷۹، وفیه ( ألا وإنی آخذٌ بحلاقیم قریش عند باب الحرة أن یخرجوا على أمة محمد فیکفروهم ). انتهى. ونحوه فی: ۲|۴۰۱ .

وهذا الموقف من الخلیفة عمر یتضمن عدة أمور، نکتفی بالإشارة الیها:

فهو أولاً، کلام زعیمٍ لا یشک أحدٌ فی ولائه لقریش، لأنه حمل رایة قریش وأحقیتها بخلافة النبی صلى الله علیه وآله فی مقابل الأنصار وبنی هاشم، وخاض صراعاتٍ شدیدة، حتى خلَّص الخلافة من عترة النبی صلى الله علیه وآله وقدمها على طبقٍ الى قبائل قریش!

وهو ثانیاً، شهادةٌ منه بحق المهاجرین القرشیین بأنهم أناسٌ مضلون، یجب أن یحبسوا فی المدینة حتى لا یضلوا المسلمین ویخرجوهم من الإسلام! !

وإذا کان حال القرشیین المسلمین المهاجرین هذا، فما هو حال الطلقاء ؟!

وهو ثالثاً، یتضمن تصوراً لانتهاء الإسلام فی مدةٍ قلیلة، وکأن الإسلام دورةٌ سیاسیة تمر على الجزیرة والمناطق التی امتد الیها، ثم تنتهی!

وقد ثبت عن الخلیفة عمر أنه کان یرى أنه سوف لا تمر سنین طویلة حتى تأخذ الأمم الأخرى مناطق المسلمین بما فیها مکة، ویهجرها أهلها وتخرب! !

ولعله اقتنع بهذا الرأی من کعب الأحبار.. وهو بحثٌ خارجٌ عن موضوعنا.







--------------------------------------------------------------------------------

۱۶۹



الفصـل الثانـی


آیـة الأمر بالتبلیـغ

نص الآیة مع سیاقها



* وقالت الیهود ید الله مغلولة، غلت أیدیهم ولعنوا بما قالوا، بل یداه مبسوطتان ینفق کیف یشاء، ولیزیدن کثیرا منهم ما أنزل إلیک من ربک طغیاناً وکفراً، وألقینا بینهم العداوة والبغضاء الى یوم القیامة، کلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ویسعون فی الأرض فساداً، والله لا یحب المفسدین.

* ولو أن أهل الکتاب آمنوا واتقوا لکفرنا عنهم سیئاتهم ولأدخلناهم جنات النعیم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجیل وما أنزل إلیهم من ربهم لأکلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. منهم أمة مقتصدة وکثیر منهم ساء ما یعملون.

* یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله یعصمک من الناس، إن الله لا یهدی القوم الکافرین.

* قل یا أهل الکتاب لستم على شیء حتى تقیموا التوراة والإنجیل وما أنزل إلیکم من ربکم، ولیزیدن کثیراً منهم ما أنزل إلیک من ربک طغیاناً وکفراً، فلا تأس على القوم الکافرین.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۰

* إن الذین آمنوا والذین هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله والیوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوفٌ علیهم ولا هم یحزنون.

* لقد أخذنا میثاق بنی إسرائیل وأرسلنا إلیهم رسلاً، کلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم فریقاً کذبوا وفریقاً یقتلون. المائدة ۶۴ ـ ۷۰




مکان الآیة فی القرآن


إذا قلنا بحجیة السیاق القرآنی، فلا بد أن نأخذ فی تفسیرالآیة أمرین:

الأول، أنها من سورة المائدة التی هی آخر سورة نزلت من القرآن.

والثانی، أنها وقعت فی وسط آیات تتحدث عن أهل الکتاب.

والنتیجة: أن الآیة تقول للنبی صلى الله علیه وآله : بلغ ولا تخف أهل الکتاب، فنحن متکفلون بعصمتک منهم، فلن یستطیعوا أن یضروک.

ولکن هذا التفسیر لا یقبله علماء المسلمین، لا السنة منهم ولا الشیعة، لأنه صلى الله علیه وآله لم یبلغ الیهود والنصارى فی الشهرین اللذین عاشهما بعد الآیة شیئاً إضافیاً بارزاً ولأن خطرهم علیه عند نزولها کان قد زال، وقد خضعوا لحکمه.

وبذلک ینفتح البحث للسؤال عن مکان الآیة، وهل أن هذا مکانها من الأصل؟ أم أنها وضعت هنا باجتهاد أحد الصحابة؟

نحن لا نقبل القول بوقوع تحریف فی کتاب الله تعالى، معاذ الله، لکن ورد أن الصحابة بعد النبی صلى الله علیه وآله قد اجتهدوا فی وضع آیاتٍ فی سور من القرآن.. والظاهر أن وضع هذه الآیة هنا من اجتهاداتهم، أو من المصادفات.




أقوال العلماء السنیین



اختلف المفسرون والفقهاء السنیون فی سبب نزول الآیة وفی تفسیرها، على أقوال عدیدة، أهمها سبعة أقوال، أحدها موافقٌ لتفسیر أهل البیت علیهم السلام، وستة مخالفة.. ونورد فیما یلی الأقوال المخالفة مع مناقشاتها:





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۱




القول الأول



أنها نزلت فی أول البعثة، حیث خاف النبی صلى الله علیه وآله على نفسه فامتنع عن تبلیغ الاسلام، أو تباطأ! فهدده الله تعالى وطمأنه.. فقام النبی صلى الله علیه وآله بالتبلیغ!

وهذا یعنی أن الآیة نزلت قبل ۲۳ سنة من نزول سورة المائدة!

وقد ذکر الشافعی هذا التفسیر بصیغة ( یقال ) مما یدل على أنه غیر مطمئن الیه قال فی کتاب الأم: ۴|۱۶۸:

قال الشافعی رحمه الله: ویقال والله تعالى أعلم: إن أول ما أنزل الله علیه: إقرأ باسم ربک الذى خلق، ثم أنزل علیه بعدها ما لم یؤمر فیه بأن یدعو إلیه المشرکین، فمرت لذلک مدة. ثم یقال: أتاه جبریل علیه السلام عن الله عز وجل بأن یعلمهم نزول الوحی علیه ویدعوهم الى الإیمان به فکبر ذلک علیه وخاف التکذیب وأن یتناول، فنزل علیه: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس. فقال یعصمک من قتلهم أن یقتلوک حین تبلغ ما أنزل إلیک ما مر به، فاستهزأ به قوم فنزل علیه: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشرکین. إنا کفیناک المستهزئین. انتهى.

ویکفی للرد على هذا القول:

أولا، أن الآیة فی سورة المائدة، وقد عرفت أنها آخر مانزل من القرآن أو على الأقل من آخر ما نزل، بینما یدعی هذا القول أن الآیة من أوائل مانزل! !

وثانیاً، أن الشافعی قد ضعف هذا الوجه، لأنه نقله بصیغة یقال ویقال، ولم ینسبه الى النبی صلى الله علیه وآله، بل لم یتبناه.

وثالثاً، أنه لا یمکن قبول هذه التهمة السیئة للنبی صلى الله علیه وآله بأنه تلکأ أو امتنع عن تبلیغ رسالات ربه، بسبب خوفه من التکذیب والأذى والقتل، حتى جاءه التهدید الإلَهی بالعذاب، والتأمین من الأذى، فتحرک وبلغ! !

فهذا التصور لا یناسب شخصیة المسلم العادی، فضلاً عن النبی المعصوم صلى الله علیه وآله الذی هو أعظم الناس إیماناً وشجاعةً.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۲

کما تعارضه الآیات التی تصف حرصه صلى الله علیه وآله على تبلیغ الرسالة، وهدایة الناس أکثر مما فرض الله تعالى علیه.




روایات ( یقال ) التی ذکرها الشافعی


ـ قال السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۲۹۸

أخرج أبو الشیخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: إن الله بعثنی برسالة فضقت بها ذرعاً، وعرفت أن الناس مکذبی فوعدنی لإبلغن أولیعذبنی، فأنزل: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک. ( وکذا فی أسباب النزول: ۱|۴۳۸)

وأخرج ابن جریر عن ابن جریج قال: کان النبی صلى الله علیه وسلم یهاب قریشاً فأنزل الله: والله یعصمک من الناس، فاستلقى ثم قال: من شاء فلیخذلنی، مرتین أو ثلاثاً.

وأخرج عبد بن حمید وابن جریر وابن أبی حاتم وأبو الشیخ عن مجاهد قال: لما نزلت: بلغ ما أنزل الیک من ربک، قال: یا رب إنما أنا واحدٌ کیف أصنع یجتمع علی الناس؟! فنزلت: وإن لم تفعل فما بلغت رسالته! . انتهى.

ـ ورواه الواحدی فی أسباب النزول: ۱|۱۳۹، والطبری فی تفسیره: ۶|۱۹۸ ـ وقال النیسابوری فی الوسیط: ۲|۲۰۸: وقال الأنباری: کان النبی صلى الله علیه وآله یجاهر ببعض القرآن أیام کان بمکة، ویخفی بعضه إشفاقاً على نفسه من شر المشرکین الیه والى أصحابه.. . انتهى.

ویکفی لرد هذه الروایات مضافاً الى أن الآیة جزء من سورة المائدة التی نزلت قبیل وفاته صلى الله علیه وآله، أنها روایات غیر مسندة، بل هی قولٌ للحسن البصری ومجاهد وابن جریح وأمثالهم، لا أکثر. وستعرف أن الحسن البصری یقصد رسالةً معینة، وأنه أخذ هذا التعبیر من خطبة النبی صلى الله علیه وآله فی یوم الغدیر، وخاف أن یرویها على حقیقتها!




روایات ( یقال ) تتحول الى رأی یتبناه العلماء!


مع أن المفسرین یعرفون أن الآیة نزلت فی أواخر حیاة النبی صلى الله علیه وآله، ویعرفون أن تفسیرها بحدث فی أوائل البعثة إنما هو قول مفسرین من متفقهة التابعین فی العصر




--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۳

الأموی، أو روایات ضعیفة السند. لکن مع ذلک.. تراهم یفسرونها بهذا الوجه ویقدمون نزول الآیة جهاراً نهاراً ۲۳ سنة! ویزداد تعجبک عندما ترى منهم مفسرین محترمین مثل الزمخشری والفخر الرازی!

والسبب فی ذلک أنهم یریدون الفرار من تفسیرها ببیعة الغدیر، ولا یجدون مفراً إلا بأحد أمرین:

إما تفسیرها بأول البعثة والقول بأن النبی صلى الله علیه وآله خاف وتباطأ فی تبلیغ الرسالة فهدده الله تعالى وطمأنه بالعصمة من الناس! وإما تفسیرها بروایات رفع الحراسة المزعومة التی لایؤیدها التاریخ، ولا یساعد علیها نص الآیة، کما سترى.

ـ قال الزمخشری فی الکشاف: ۱|۶۵۹

والله یعصمک: عِدَةٌ من الله بالحفظ والکلاءة، والمعنى: والله یضمن لک العصمة من أعدائک.. .

فإن قلت: أین ضمان العصمة، وقد شُجَّ فی وجهه یوم أحد ؟!... قلت المراد: أنه یعصمه من القتل! .

وروی عن رسول الله صلى الله علیه وآله : بعثنی الله برسالته فضقت ذرعاً، فأوحى الله الی إن لم تبلغ رسالاتی عذبتک، وضمن لی العصمة فقویت. انتهى. ونحوه فی الوسیط: ۲|۲۰۸

ـ وقال الرازی فی تفسیره: ۶ جزء ۱۲|۴۸ ـ ۵۰

یا أیها الرسول بلغ.. . روی عن الحسن عن النبی صلى الله علیه وآله قال: إن الله بعثنی برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس یکذبونی، والیهود والنصارى، وقریش یخوفونی فلما أنزل الله هذه الآیة، زال الخوف بالکلیة.. ..

فی قوله: والله یعصمک من الناس سؤال: وهو کیف یجمع بین ذلک وبین ما روی أنه شج وجهه، وکسرت رباعیته.

والجواب من وجهین: أحدهما أن المراد یعصمه من القتل.. . وثانیها: أنها نزلت بعد یوم أحد. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۴

ومما یلاحظ على الرازی أنه قد لم یراعِ الأمانة فی النقل، فقد حشر فی نقله عن الحسن البصری الیهود والنصارى، لأنه یرید تفسیر الآیة بالعصمة من الیهود والنصارى، ویبعدها عن قریش! ! ولا نلومه على حبه لقریش ولجده أبی بکر بن أبی قحافة، ولکن نطالبه بالأمانة العلمیة! فقد تتبعت المصادر التی نقلته عن البصری فلم أجد ذکراً للیهود والنصارى! وستعرف أن البصری أخذ روایته من حدیث الغدیر! !

وقد شت ابن کثیر کثیراً، فزاد على الرازی وغیره، قال فی البدایة: ۳|۵۳:

روى ابن أبی حاتم فی تفسیره، عن أبیه، عن الحسن بن عیسى بن میسرة الحارثی، عن عبدالله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث قال: قال علی: لما نزلت هذه الآیة: وأنذر عشیرتک الأقربین، قال لی رسول الله صلى الله علیه وسلم: إصنع لی رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبناً، وادع لی بنی هاشم، فدعوتهم وإنهم یومئذ لأربعون غیر رجل، أو أربعون ورجل، فذکر القصة نحو ما تقدم، الى أن قال: وبدرهم رسول الله صلى الله علیه وسلم الکلام فقال: أیکم یقضی عنی دینی ویکون خلیفتی فی أهلی؟ قال فسکتوا وسکت العباس خشیة أن یحیط ذلک بماله، قال: وسکتُّ أنا لسن العباس.

ثم قالها مرة أخرى فسکت العباس، فلما رأیت ذلک، قلت: أنا یا رسول الله! قال: أنت.. .

ومعنى قوله فی هذالحدیث: من یقضی عنی دینی ویکون خلیفتی فی أهلی، یعنی إذا مت، وکأنه صلى الله علیه وسلم خشی إذا قام بإبلاغ الرسالة الى مشرکی العرب أن یقتلوه، فاستوثق من یقوم بعده بما یصلح أهله، ویقضی عنه، وقد أمنه الله من ذلک فی قوله تعالى: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس. الآیة.

والمقصود أن رسول الله صلى الله علیه وسلم استمر یدعو الى الله تعالى لیلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، لا یصرفه عن ذلک صارف، ولا یرده عن ذلک راد، ولا یصده




--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۵

عنه ذلک صاد، یتبع الناس فی أندیتهم ومجامعهم ومحافلهم وفی المواسم ومواقف الحج.. . انتهى. وذکره بلفظه تقریباً فی السیرة: ۱|۴۶۰

ویلاحظ أنه خلط فی کلامه کثیراً، وتعصب أکثر..

فقد بتر حدیث ( أنذر عشیرتک الأقربین ) وحذف منه اختیار النبی صلى الله علیه وآله خلیفته من عشیرته الأقربین بأمر ربه تعالى، وأورد بدله حدیثاً محرفاً، وفسر الحدیث المحرف بأن النبی صلى الله علیه وآله کان یخاف أن یقتله القرشیون، فطلب من بنی هاشم شخصاً یکون خلیفته فی أهله ویقضی دینه، فقبل ذلک علی علیه السلام، ثم انتفت الحاجة الى ذلک بنزول الآیة! !

لقد تجاهل ابن کثیر أن النبی صلى الله علیه وآله کان مأموراً فی تلک المرحلة بدعوة عشیرته الأقربین فقط، ولم یکن مأموراً بعدُ بدعوة قریش وبقیة الناس! فلا محل لما حبکته الروایة من خوفه من القتل والأذى!

ثم إن ابن کثیر تفرد بربط آیة العصمة بآیة الأقربین، ولم أجد أحداً سبقه الیه، ولا ذکر من أین أخذه ؟!

وکأن المهم عنده أن یحرِّف کلام النبی صلى الله علیه وآله فی حدیث الدار ونصه على أن علیاً أخوه ووزیره وخلیفته من بعده! ویبعد الآیة عن سورة المائدة ویوم الغدیر! !

وهذا قلیلٌ من کثیر من عمل ابن کثیر، وإلیک الحدیث الذی بتره:

ـ قال الأمینی فی الغدیر: ۱|۲۰۷:

وها نحن نذکر لفظ الطبری بنصه حتى یتبین الرشد من الغی:

قال فی تاریخه: ۲|۲۱۷ من الطبعة الأولى:

إنی قد جئتکم بخیر الدنیا والآخرة، وقد أمرنی الله تعالى أن أدعوکم إلیه، فأیکم یوازرنی على هذا الأمر على أن یکون أخی ووصیی وخلیفتی فیکم؟

قال: فأحجم القوم عنها جمیعاً، وقلت ـ وإنی لأحدثهم سناً وأرمصهم عیناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً ـ: أنا یا نبی الله أکون وزیرک علیه.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۶

فأخذ برقبتی ثم قال: إن هذا أخی ووصیی وخلیفتی فیکم، فاسمعوا له وأطیعوا قال: فقام القوم یضحکون ویقولون لأبی طالب: قد أمرک أن تسمع لابنک وتطیع.

ـ وقال الأمینی: ۲|۲۷۹:

وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفرالاسکافی المتکلم المعتزلی البغدادی المتوفى ۲۴۰ فی کتابه نقض العثمانیة، وقال: إنه روی فی الخبر الصحیح.

ورواه الفقیه برهان الدین فی أنباء نجباء الأبناء|۴۶ ـ ۴۸

وابن الأثیر فی الکامل ۲|۲۴

وأبو الفدا عماد الدین الدمشقی فی تاریخه ۱|۱۱۶

وشهاب الدین الخفاجی فی شرح الشفا للقاضی عیاض ۳|۳۷ ( وبتر آخره ) وقال: ذکر فی دلایل البیهقی وغیره بسند صحیح.

والخازن علاء الدین البغدادی فی تفسیره|۳۹۰

والحافظ السیوطی فی جمع الجوامع کما فی ترتیبه ۶|۳۹۲ نقلاً عن الطبری

وفی|۳۹۷، عن الحفاظ الستة: ابن إسحاق، وابن جریر، وابن أبی حاتم، وابن مردویة، وأبی نعیم، والبیهقی.

وابن أبی الحدید فی شرح نهج البلاغة ۳|۲۵۴. انتهى.

ثم شکا صاحب الغدیر من تحریف الذین حرفوا الحدیث لإرضاء قریش، ومنهم الطبری، الذی رواه فی تفسیره بنفس سنده المتقدم فی تاریخه، لکنه أبهم کلام النبی صلى الله علیه وآله فی حق علی علیه السلام، فقال: ثم قال: إن هذا أخی وکذا وکذا. وتبعه على ذلک ابن کثیر فی البدایة والنهایة: ۳|۴۰، وفی تفسیره: ۳|۳۵۱. انتهى.




القول الثانی



أنها نزلت فی مکة قبل الهجرة بدون تحدید، فاستغنى بها النبی صلى الله علیه وآله عن حراسة عمه أبی طالب، أو عمه العباس!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۷

وهذا القول هو المشهور فی مصادر السنیین، وروایاته نوعان: نوعٌ نص على تاریخ نزولها تصریحاً أو تلویحاً، وأنه فی مکة.

ونوعٌ لم یصرح بذلک ولم یربط نزولها بحراسة أبی طالب أو العباس، ولکنه ربطه بإلغاء النبی صلى الله علیه وآله لحراسته فحملناه علیه، لأن أصله روایة الترمذی عن عائشة، وقد فهم منها البیهقی وغیره أنها تقصد مکة، کما ستعرف.

فالنوع الأول : کالذی رواه السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۲۹۸ ـ ۲۹۹، قال:

أخرج ابن مردویة والضیاء فی المختارة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله علیه وسلم: أی آیة أنزلت من السماء أشد علیک؟

فقال: کنت بمنى أیام الموسم، واجتمع مشرکوا العرب وأفناء الناس فی الموسم فنزل علی جبریل فقال: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس. قال فقمت عند العقبة فنادیت: یا أیها الناس من ینصرنی على أن أبلغ رسالة ربی ولکم الجنة ؟ أیها الناس قولوا لا إلَه إلا الله، وأنا رسول الله إلیکم، وتنجوا، ولکم الجنة.

قال فما بقی رجل ولا امرأة ولا صبی إلا یرمون علی بالتراب والحجارة، ویبصقون فی وجهى، ویقولون کذاب صابىَ، فعرض علی عارضٌ فقال: یا محمد إن کنت رسول الله فقد آن لک أن تدعو علیهم، کما دعا نوح على قومه بالهلاک، فقال النبی صلى الله علیه وسلم: اللهم اهد قومی فإنهم لا یعلمون، وانصرنی علیهم أن یجیبونی الى طاعتک، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه.

قال الأعمش: فبذلک تفتخر بنو العباس.. ..

وأخرج ابن مردویة عن جابر بن عبد الله قال: کان رسول الله صلى الله علیه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من یکلؤه، حتى نزلت والله یعصمک من الناس، فذهب لیبعث معه، فقال: یا عم إن الله قد عصمنی لا حاجة لی الى من تبعث! !

وأخرج الطبرانی وأبو الشیخ وأبو نعیم فی الدلائل وابن مردویة وابن عساکر عن




--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۸

ابن عباس، قال: کان النبی صلى الله علیه وسلم یحرس، وکان یرسل معه عمه أبو طالب کل یوم رجالاً من بنی هاشم یحرسونه، فقال: یاعم إن الله عصمنی لا حاجة الى من تبعث! انتهى. والروایة فی معجم الطبرانی الکبیر: ۱۱|۲۰۵

ـ وفی مجمع الزوائد: ۷|۱۷:

قوله تعالى: والله یعصمک من الناس، عن أبی سعید الخدری قال: کان عباس عم رسول الله صلى الله علیه وسلم فیمن یحرسه، فلما نزلت: والله یعصمک من الناس، ترک رسول الله صلى الله علیه وسلم الحرس. رواه الطبرانی فی الصغیر والأوسط وفیه عطیة العوفی وهو ضعیف.

وعن ابن عباس قال: کان النبی صلى الله علیه وسلم یحرس، وکان یرسل معه عمه أبوطالب کل یوم رجالاً من بنی هاشم، حتى نزلت هذه الآیة: یاأیها الرسول بلغ ماأنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس، فأراد عمه أن یرسل معه من یحرسه، فقال: یا عم إن الله قد عصمنی من الجن والإنس.

رواه الطبرانی وفیه النضربن عبد الرحمن وهو ضعیف.

والنوع الثانی : أصله ما رواه الترمذی فی سننه: ۴|۳۱۷: عن عائشة قالت: کان النبی صلى الله علیه وسلم یُحرس، حتى نزلت هذه الآیة: والله یعصمک من الناس، فأخرج رسول الله صلى الله علیه وسلم رأسه من القبة، فقال لهم: یا أیها الناس انصرفوا، فقد عصمنی الله. هذا حدیث غریب.

وروى بعضهم هذا الحدیث عن الجریری، عن عبد الله بن شقیق قال: کان النبی صلى الله علیه وسلم یحرس، ولم یذکروا فیه عن عائشة. انتهى.

ـ ورواه الحاکم فی المستدرک: ۲|۳۱۳ عن عائشة أیضاً وقال عنه: هذا حدیث صحیح الإسناد، ولم یخرجاه. انتهى.

والظاهر أن حدیث عائشة یقصد أن الآیة نزلت فی مکة أیضاً ومعنى ( فأخرج رأسه من القبة ) أی من الخیمة التی کان فیها، وقال لحراسه انصرفوا.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۷۹

ویؤید ذلک أن البیهقی رواه فی سننه: ۹|۸ وعقب علیه بقول الشافعی المتقدم فقال: قال الشافعی: یعصمک من قتلهم أن یقتلوک حتى تبلغهم ما أنزل الیک فبلغ ما أمر به فاستهزأ به قوم فنزل: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشرکین إنا کفیناک المستهزئین. انتهى.

ویؤیده أیضاً أن المراغی نقل فی تفسیره: ۲ جزء ۴|۱۶۰ روایة السیوطی الأولى عن ابن مردویة عن ابن عباس، وروایة الطبرانی أیضاً ثم قال: روى الترمذی وأبو الشیخ .... أن النبی صلى الله علیه وآله کان یحرس فی مکة قبل نزول هذه الآیة.. .

وکذلک ذکر غیره، مع أنه لا یوجد فی روایة عائشة فی الترمذی ما یدل على أنها تقصد مکة، فلعل کلمة فی مکة حذفت من نسخة الترمذی الفعلیة!

ـ وقال السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۲۹۱ عن حدیث عائشة:

وأخرج عبد بن حمید والترمذی وابن جریر وابن المنذر وابن أبی حاتم وأبو الشیخ والحاکم وأبو نعیم والبیهقی کلاهما فی الدلائل، وابن مردویة، عن عائشة.. .

وروى السیوطی عدة روایات بنفس مضمونه عن غیر عائشة، وبعضها قد یفهم منه أن نزول الآیة فی المدینة، فجعلناه فی القول الثالث.

قال فی الدر المنثور: ۲|۲۹۸ ـ ۲۹۹: وأخرج الطبرانی وابن مردویة عن أبی سعید الخدری قال: کان العباس عم النبی صلى الله علیه وسلم فیمن یحرسه فلما نزلت: والله یعصمک من الناس، ترک رسول الله صلى الله علیه وسلم الحرس.

وأخرج أبو نعیم فی الدلائل عن أبی ذر قال: کان رسول الله صلى الله علیه وسلم لا ینام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل، حتى نزلت آیة العصمة: والله یعصمک من الناس. انتهى.

وقد أخذ بهذا القول کثیر من المفسرین والمؤلفین فی السیرة فقد ذکره الزمخشری فی الکشاف: ۱|۶۵۹، وکأنه قبله، وکذلک فعل الرازی فی تفسیره: ۶ جزء ۱۲|۵۰! مع أنهما




--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۰

قالا کما رأیت بنزول الآیة فی مکة! وبذلک یکونا حملا حدیث عائشة على أول البعثة، کما حملا قول الحسن البصری وأمثاله!

ـ وقد أخذ بهذا القول أیضاً السهیلی فی الروض الأنف: ۲|۲۹۰، والقسطلانی فی إرشاد الساری: ۵|۸۶، وابن العربی فی شرح الترمذی: ۶ جزء ۱۱ |۱۷۴، والعینی فی عمدة القاری۷ جزء ۱۴|۹۵، وابن جزی فی التسهیل: ۱ |۲۴۴، والنویری فی نهایة الإرب: ۸ جزء ۱۶|۱۹۶، و ۱۹ جزء ۱۸|۳۴۲، والنیسابوری فی الوسیط: ۲|۲۰۹، والدمیری فی حیاة الحیوان: ۱|۷۹.. وغیرهم، وغیرهم.

ـ وممن أخذ بهذا القول صاحب السیرة الحلبیة: ۳|۳۲۷ وقد اغتنم فرصة الآیة وارتباطها بحراسة النبی صلى الله علیه وآله لإثبات فضیلة لأبی بکر بن أبی قحافة فقال: حراسه صلى الله علیه وآله قبل أن ینزل علیه قوله تعالى: والله یعصمک من الناس.. .. سعد بن معاذ حرسه لیلة یوم بدر، وفی ذلک الیوم لم یحرسه إلا أبو بکر شاهراً سیفه حین نام بالعریش. انتهى.

وبذلک ناقض صاحب الحلبیة نفسه وجاء بدلیل على ضد مراده، لأن إلغاء الحراسة إذا کان قبل الهجرة، فلم تبق حاجة لحراسة أبی بکر وغیره فی بدر!

على أن الظاهر أنه لم یکن للمسلمین عریشٌ فی بدر! وقد روى الحاکم روایة وصححها على شرط مسلم، تذکر أن ثلث المسلمین حرسوا النبی صلى الله علیه وآله فی بدر، وهو أمر معقول، لأن المسلمین نزلوا بالعدوة القصوى وهی منطقة مکشوفة. قال الحاکم: ۲|۳۲۶: عن عبادة ابن الصامت رضی الله عنه قال سألته عن الأنفال، قال: فینا یوم بدر نزلت، کان الناس على ثلاث منازل، ثلثٌ یقاتل العدو، وثلث یجمع المتاع ویأخذ الأسارى وثلث عند الخیمة یحرس رسول الله صلى الله علیه وآله، فلما جمع المتاع اختلفوا فیه.. .. فجعله الى رسول الله صلى الله علیه وآله فقسمه على السواء. انتهى.

ویدل على بطلان هذا القول: أولاً، ما تقدم فی القول الأول.

ثانیاً: نفس روایات القول الثالث وغیره، التی تنص على أن إلغاء الحراسة المزعوم حصل فی المدینة، ولیس فی مکة.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۱

ثالثاً، أن عمدة روایاته روایة القبة عن عائشة، وروایة حراسة العباس.. أما الروایات الأخرى فکلها غیر مسندة، وغرض بعضها تقلیل دور أبی طالب فی نصرة النبی صلى الله علیه وآله کما هو واضحٌ، وأنه صلى الله علیه وآله کان مستغنیاً فی مکة عن حراسة أبی طالب.

کما یلاحظ فی الروایة الأولى أنها ترید إثبات فضیلة للعباس بأنه کان حارس النبی صلى الله علیه وآله فی مکة بدل أبی طالب، وأنه هو الذی عصم الله به رسوله من الناس!

وقد کان دور العباس قبل الهجرة دوراً عادیاً مثل بقیة بنی هاشم الذین تضامنوا مع النبی صلى الله علیه وآله وتحملوا معه حصار الشعب، ولم یعرف عنهم أنهم أسلموا، ولم یهاجروا معه الى المدینة مثل علی وحمزة.

ومن المعروف أن العباس قد أسر فی بدر وأسلم عند فکاک الأسرى.

هذا مضافاً الى تضعیف الهیثمی وغیره لهذه الروایة، وما تشاهده من ضعف متنها ورکته.

ثالثاً: ما سیأتی فی إثبات استمرار حراسته صلى الله علیه وآله ونفی کل مایدل على إلغائها ومن ذلک روایة القبة، وسیأتی قول الألبانی بعدم صحة نسبتها الى عائشة.




القول الثالث



أنها نزلت فی المدینة بدون تاریخ! فقد روى السیوطی عدة روایات تربط نزول الآیة بإلغاء النبی صلى الله علیه وآله للحراسة، ولیس فیها أن ذلک کان فی مکة أو فی المدینة، ولکن یفهم من نص بعضها أو رواة بعضها، أن نزولها کان فی المدینة.

ـ قال فی الدر المنثور: ۲|۲۹۸ ـ ۲۹۹:

وأخرج الطبرانی وابن مردویة عن عصمة بن مالک الخطمی قال: کنا نحرس رسول الله صلى الله علیه وسلم باللیل، حتى نزلت: والله یعصمک من الناس فترک الحرس.

وأخرج ابن جریر وأبو الشیخ عن سعید بن جبیر قال: لما نزلت: یا أیها الرسول




--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۲

الى قوله: والله یعصمک من الناس، قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: لا تحرسونی، إن ربی قد عصمنی.

وأخرج ابن جریر وابن مردویة عن عبد الله بن شقیق أن رسول الله صلى الله علیه وسلم کان یعتقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت: والله یعصمک من الناس، فخرج فقال: یا أیها الناس إلحقوا بملاحقکم، فإن الله قد عصمنی من الناس.

وأخرج عبد بن حمید وابن جریر وأبو الشیخ عن محمد بن کعب القرظی أن رسول الله صلى الله علیه وسلم ما زال یحارسه أصحابه، حتى أنزل الله: والله یعصمک من الناس، فترک الحرس حین أخبره أنه سیعصمه من الناس.

وأخرج عبد بن حمید وابن مردویة عن الربیع بن أنس قال: کان النبی صلى الله علیه وسلم یحرسه أصحابه، حتى نزلت هذه الآیة: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک الآیة.. . انتهى.

ـ ورواه ابن شبة فی تاریخ المدینة: ۱|۳۰۱، عن عبد الله بن شقیق وعن محمد بن کعب القرظی. ورواه الطبری فی تفسیره: ۶|۱۹۹، عن عبد الله بن شقیق. وابن سعد فی الطبقات: ۱ جزء ۱|۱۱۳. والبیهقی فی دلائل النبوة: ۲|۱۸۰.

ویدل على بطلان هذا القول وغیره من الأقوال التی ربطت نزول الآیة بالحراسة:

أن من المجمع علیه فی أحادیث سیرته صلى الله علیه وآله أنه کان یطلب من قبائل العرب أن تحمیه وتمنعه مما یراد به من القتل، لکی یبلغ رسالة الله عز وجل، وقد بایعه الأنصار بیعة العقبة على أن یحموه ویحموا أهل بیته مما یحمون منه أنفسهم وأهلیهم.. فلو أن آیة العصمة نزلت فی مکة، لما احتاج الى شیء من ذلک!

وسنذکر فی آخر البحث أحادیث طلب النبی صلى الله علیه وآله من الأنصار أن یحموه ویحرسوه، وبیعتهم على ذلک!

ثم.. إن مصادر الحدیث والتفسیر والتاریخ ملیئة بالروایات التی ذکرت حراسة النبی صلى الله علیه وآله وأنها کانت فی مکة والمدینة، خاصة فی الحروب، الى آخر حیاته صلى الله علیه وآله !





--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۳

ولذا یجب رفض کل الروایات التی زعمت أنه ألغى الحراسة قبل هذا التاریخ، لأنها تدعی إلغاءها فی السلم والحرب والسفر والحضر!

وقد تقدمت فی روایة الحاکم أن ثلث المسلمین کانوا یحرسونه صلى الله علیه وآله فی بدر!

وقد روى أحمد: ۲|۲۲۲ أن رسول الله صلى الله علیه وسلم عام غزوة تبوک قام من اللیل یصلی فاجتمع وراءه رجال من أصحابه یحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف الیهم فقال لهم.. . الخ.

ورواه فی کنز العمال: ۱۲|۴۳۰، عن مسند عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال عنه فی مجمع الزوائد: ۱۰|۳۶۷: رواه أحمد ورجاله ثقات. انتهى.

وغزوة تبوک کانت فی آخر سنة من حیاته صلى الله علیه وآله.

وفی الفصول التی عقدها المحدثون، وکتَّاب السیرة لحراسته صلى الله علیه وآله وقصصها، وحراسه وأسمائهم وقصصهم.. ما یکفی لرد هذه المقولة!

والعجیب أنک ترى بعضهم یذکر کل ذلک عن الحراسة، ثم یقول إنه صلى الله علیه وآله ألغى الحراسة بعد نزول الآیة فی مکة قبل الهجرة، أو بعد الهجرة! وکأنه حلف یمیناً أن یبعد آیة العصمة من الناس عن یوم الغدیر! !

ـ قال صاحب عیون الأثر فی: ۲|۴۰۲

حرسه یوم بدر حین نام فی العریش: سعد بن معاذ، ویوم أحد: محمد بن مسلمة، ویوم الخندق: الزبیر بن العوام. وحرسه لیلة بنى بصفیة: أبو أیوب الأنصاری بخیبر، أو ببعض طریقها، فذکر أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: اللهم احفظ أبا أیوب کما بات یحفظنی. وحرسه بوادی القرى: بلال، وسعد بن أبی وقاص، وذکوان بن عبد قیس. وکان على حرسه عباد بن بشر، فلما نزلت: والله یعصمک من الناس، ترک الحرس! !. انتهى.

وقد حاول أن یجیب على حراستهم للنبی صلى الله علیه وآله فی تبوک، ففسر نص الحراسة بأنه یعنی انتظارهم انتهاء صلاته!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۴

قال فی: ۱|۱۱۹: وفی حدیث عمرو بن شعیب: فاجتمع رجال من أصحابه یحرسونه حتى إذا صلى.. . والمراد والله أعلم: ینتظرون فراغه من الصلاة! وأما حرس رسول الله صلى الله علیه وسلم من المشرکین، فقد کان انقطع منذ نزلت: والله یعصمک من الناس، وذلک قبل تبوک. والله أعلم. انتهى.

ولکنه تفسیر مخالفٌ لنص الروایة فی الحراسة!

وعلى کل حال، فإن هذا القول بنزول الآیة فی المدینة یرد القول الأول الذی جعل تاریخ نزول الآیة فی مکة!

والنتیجة أن دعوى إلغائه صلى الله علیه وآله للحراسة لا دلیل علیها من سیرته صلى الله علیه وآله، بل الدلیل على خلافها، وأن بنی هاشم کانوا یحرسونه فی مکة حتى هجرته، ثم کانوا هم وبقیة أصحابه یحرسونه فی المدینة، الى آخر عمره الشریف.

وفی اعتقادی أن نفس محاولة تفسیر الآیة بإلغاء الحراسة دلیلٌ على صحة تفسیر أهل البیت علیهم السلام بأن الآیة تقصد العصمة من الإرتداد، فترى مخالفیهم یصرون على تفسیرها بالعصمة الحسیة ویقعون فی التناقض مع الواقع!




القول الرابع



أنها نزلت فی المدینة فی السنة الثانیة للهجرة بعد حرب أحد.

ـ قال السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۲۹۱: وأخرج ابن أبی شیبة وابن جریر عن عطیة بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بنی الحارث بن الخزرج الى رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: یا رسول الله إن لی موالی من یهود کثیر عددهم، وإنی أبرأ الى الله ورسوله من ولایة یهود، وأتولى الله ورسوله.

فقال عبد الله بن أبی: إنی رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولایة موالی.

فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم لعبدالله بن أبی: أبا حباب أرأیت الذی نفست به من ولاء یهود على عبادة، فهو لک دونه!

قال: إذن أقبل، فأنزل الله: یا أیها الذین آمنوا لا تتخذوا الیهود والنصارى أولیاء بعضهم أولیاء بعض، الى أن بلغ الى قوله: والله یعصمک من الناس... انتهى.

ویکفی فی الدلالة على بطلان هذا القول ما تقدم فی الحراسة، ویضاف الیه أن روایته من کلام عطیة بن سعد ولم یسندها الى النبی صلى الله علیه وآله، والآیات المذکورة فیها هی الآیات ۱ الى ۶۷ من سورة المائدة، ولم یقل أحدٌ إن هذا الآیات نزلت فی قصة ولاء ابن سلول للیهود، الذی توفی قبل نزول سورة المائدة!



القول الخامس



أنها نزلت على أثر محاولة شخص اغتیال النبی صلى الله علیه وآله ، وقد تناقضت روایاتهم فی ذلک، فذکر بعضها أن الحادثة کانت فی غزوة بنی أنمار المعروفة بذات الرقاع، وأن شخصاً جاء الى النبی صلى الله علیه وآله بقصد اغتیاله وطلب منه أن یعطیه سیفه لیراه، فأعطاه النبی صلى الله علیه وآله إیاه بکل سهولة. .! أو کان علقه وغفل عنه، أو دلى رجلیه فی البئر الخ.

ـ قال السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۲۹۸ ـ ۲۹۹

وأخرج ابن أبی حاتم عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول الله صلى الله علیه وسلم بنی أنمار نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبینا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجلیه! فقال غورث بن الحرث: لأقتلن محمداً، فقال له أصحابه: کیف تقتله؟ قال أقول له أعطنى سیفک، فإذا أعطانیه قتلته به!

فأتاه فقال: یامحمد أعطنی سیفک أشِمْهُ، فأعطاه إیاه فرعدت یده، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: حال الله بینک وبین ما ترید، فأنزل الله: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک، الآیة.

وأخرج ابن جریر عن محمد بن کعب القرظی قال: کان رسول الله صلى الله علیه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظلیلة فیقیل تحتها، فأتاه أعرابی فاخترط سیفه ثم قال: من یمنعک منی؟ قال: الله، فرعدت ید الأعرابی وسقط السیف منه،




--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۶

قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه فأنزل الله: والله یعصمک من الناس!

وأخرج ابن حبان وابن مردویة عن أبی هریرة قال: کنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله علیه وسلم فی سفر ترکنا له أعظم دوحة وأظلها فینزل تحتها، فنزل ذات یوم تحت شجرة، وعلق سیفه فیها فجاء رجل فأخذه فقال: یا محمد من یمنعک منی؟ فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: الله یمنعنی منک، ضع عنک السیف فوضعه، فنزلت: والله یعصمک من الناس. انتهى.

وقال بعضهم: إن شخصاً أراد اغتیال النبی صلى الله علیه وآله فقبضوا علیه: ففی الدر المنثور: ۲| ۲۹۹: أتی النبی صلى الله علیه وسلم برجل فقیل هذا أراد أن یقتلک! فقال له النبی صلى الله علیه وسلم: لم ترع، ولو أردت ذلک لم یسلطک الله علی. . انتهى.




ومما یدل على بطلان هذا القول وأن الآیة لم تنزل فی قصة غورث أو شبهها:

أولاً، أن غزوة ذات الرقاع أو بنی أنمار کانت فی السنة الرابعة من الهجرة ( سیرة ابن هشام: ۳|۲۲۵ ) وهو تاریخٌ قبل نزول سورة المائدة بسنوات، کما أن بعض روایاتها بلا تاریخ، وبعضها غیر معقول!

ثانیاً، أن المصادر الأساسیة التی روت قصة غورث وغزوة ذات الرقاع، لم تذکر نزول آیة العصمة فیها، بل ذکر أکثرها تشریع صلاة الخوف والحراسة المشددة على النبی صلى الله علیه وآله حتى فی الصلاة، وهو کافٍ لرد روایة نزول الآیة فیها!

أما ابن هشام فقد ذکر أن الآیة التی نزلت فی قصة غورث هی قوله تعالى: یا أیها الذین آمنوا اذکروا نعمة الله علیکم إذ هم قوم أن یبسطوا الیکم أیدیهم فکف أیدیهم عنکم... ( سیرة ابن هشام: ۳|۲۲۷، تحقیق السقا ) ولکن ذلک لا یصح، لأن تلک الآیة من سورة المائدة أیضاً!

وأما البخاری وغیره فقد رووا فیها تشریع صلاة الخوف وتشدید الحراسة!





--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۷

ـ قال فی صحیحه: ۵|۵۳:

عن جابر بن عبد الله رضی الله عنهما أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله علیه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله علیه وسلم قفل معه، فأدرکتهم القائلة فی واد کثیر العضاه، فنزل رسول الله صلى الله علیه وسلم وتفرق الناس فی العضاه یستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله علیه وسلم تحت سمرة فعلق بها سیفه، قال جابر فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله علیه وسلم یدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابی جالس، فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم: إن هذا اخترط سیفی وأنا نائم فاستیقظت وهو فی یده صلتاً! فقال لی من یمنعک منی؟ قلت له: الله، فها هو ذا جالسٌ، ثم لم یعاقبه رسول الله صلى الله علیه وسلم.

عن أبى سلمة عن جابر قال: کنا مع النبی صلى الله علیه وسلم بذات الرقاع فإذا أتینا على شجرة ظلیلة ترکناها للنبی صلى الله علیه وسلم، فجاء رجل من المشرکین وسیف النبی صلى الله علیه وسلم معلقٌ بالشجرة، فاخترطه فقال له: تخافنی؟ فقال لا. قال فمن یمنعک منی؟ قال الله. فتهدده أصحاب النبی صلى الله علیه وسلم، وأقیمت الصلاة، فصلى بطائفة رکعتین ثم تأخروا وصلى بالطائفة الاخرى رکعتین.

وقال مسدد عن أبی عوانة عن أبی بشر: اسم الرجل غورث بن الحرث. انتهى.

ـ وروى الحاکم نحوه: ۳|۲۹، وذکر فیه أیضاً أن النبی صلى الله علیه وآله صلى بعد الحادثة صلاة الخوف بالحراسة المشددة! وقال عن الحدیث: هذا حدیث صحیح على شرط الشیخین ولم یخرجاه. وکذلک روى أحمد قصة غورث فی: ۳|۳۶۴، و۳۹۰، وذکر فیها صلاة الخوف ولم یذکر نزول الآیة! وراجع أیضاً: ۴|۵۹، ورواها الهیثمی فی مجمع الزوائد: ۹ من|۸، وفیها تفصیلاتٌ کثیرة ولیس فیها ذکر نزول الآیة!!

ـ وروى الکلینی صیغة معقولة لقصة غورث، قال فی الکافی: ۸|۱۲۷:

أبان عن أبی بصیر، عن أبی عبد الله علیه السلام قال: نزل رسول الله صلى الله علیه وآله فی غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفیر واد، فأقبل سیل فحال بینه وبین أصحابه، فرآه رجل





--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۸

من المشرکین والمسلمون قیام على شفیر الوادی ینتظرون متى ینقطع السیل، فقال رجل من المشرکین لقومه: أنا أقتل محمداً، فجاء وشد على رسول الله صلى الله علیه وآله بالسیف ثم قال: من ینجیک منی یامحمد؟ فقال: ربی وربک، فنسفه جبرئیل عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله صلى الله علیه وآله وأخذ السیف، وجلس على صدره وقال: من ینجیک منی یا غورث؟ فقال: جودک وکرمک یا محمد! فترکه، فقام وهو یقول: والله لأنت خیر منی وأکرم. انتهى.

وهکذا لا تجد أثراً فی هذه المصادر لنزول الآیة فی ذات الرقاع، أو فی قصة غورث، بل تلاحظ أن النبی صلى الله علیه وآله صلى بعد الحادثة بالحراسة المشددة! فهل صار إلغاء الحراسة عند أصحاب هذا القول، أن النبی صلى الله علیه وآله لم یطمئن قلبه فأمر بتشدید الحراسة؟!

ومن تخبطهم فی قصة غورث وآیة التبلیغ، ما تراه من الرد والبدل بین ابن حجر والقرطبی، فقد قال القرطبی إن کون النبی وحده فی القصة یدل على عدم حراسته حینذاک، وأن الآیة نزلت قبلها!!

فأجابه ابن حجر: لا، فالآیة نزلت یومذاک فألغى الحرس، أما قبلها فکان أحیاناً یضغف إیمانه فیتخذ الحرس، وأحیاناً یقوى فیلغیه، وفی قصة غورث کان بلا حراسة لقوة إیمانه یومذاک!!

ـ قال فی فتح الباری: ۸|۲۷۵۲

قوله باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والإستظلال بالشجر.

ذکر فیه حدیث جابر الماضی قبل بابین من وجهین، وهو ظاهر فیما ترجم له، وقد تقدمت الإشارة الى مکان شرحه.

قال القرطبی: هذا یدل على أنه صلى الله علیه وسلم کان فی هذا الوقت لا یحرسه أحدٌ من الناس، بخلاف ما کان علیه فی أول الأمر، فإنه کان یحرس حتى نزل قوله تعالى: والله یعصمک من الناس.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۸۹

قلت: قد تقدم ذلک قبل أبواب، لکن قد قیل إن هذه القصة سبب نزول قوله تعالى: والله یعصمک من الناس، وذلک فیما أخرجه بن أبی شیبة من طریق محمد بن عمرو عن أبی سلمة عن أبی هریرة قال: کنا إذا نزلنا طلبنا للنبی صلى الله علیه وسلم أعظم شجرة وأظلها فنزل تحت شجرة، فجاء رجل فأخذ سیفه فقال: یا محمد من یمنعک منی؟ قال: الله، فأنزل الله: والله یعصمک من الناس، وهذا إسناد حسن. فیحتمل إن کان محفوظاً أن یقال: کان مخیراً فی اتخاذ الحرس، فترکه مرةً لقوة یقینه فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآیة، ترک ذلک. انتهى.

فاعجب لابن حجر الذی لم یلتفت الى أن الآیة من سورة المائدة التی نزلت سنة عشر، وأن غزوة ذات الرقاع سنة أربع، وأن مجىَ أبی هریرة الى المدینة سنة سبع، وغفل عن تشدید الحراسة وصلاة الخوف فی ذات الرقاع، وهو مع ذلک یشرح روایة البخاری فی صلاة الخوف!!

وما ذلک إلا لأن ذهنه مملوء بما زرَّقوه فیه من ربط آیة العصمة بالحراسة، لإبعادها عن الغدیر!!

وأخیراً، فقد تقدمت روایات حراسة النبی صلى الله علیه وآله فی تبوک، وهی بعد غزوة ذات الرقاع بنحو ست سنوات، ونضیف الیها هنا حراسته فی فتح مکة الذی کان بعد هذه الحادثة، بنحو أربع سنوات، فقد روى البخاری أن المسلمین کانوا یحرسون النبی صلى الله علیه وآله حینئذ! قال فی صحیحه: ۵|۹۱: عن هشام عن أبیه قال: لما سار رسول الله صلى الله علیه وسلم عام الفتح فبلغ ذلک قریشاً، خرج أبو سفیان بن حرب وحکیم بن حزام وبدیل بن ورقاء یلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله علیه وسلم، فأقبلوا یسیرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنیران کأنها نیران عرفة، فقال أبو سفیان ما هذه، لکأنها نیران عرفة؟! فقال بدیل بن ورقاء: نیران بنى عمرو! فقال أبو سفیان عمرو أقل من ذلک! فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله علیه وسلم، فأدرکوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله صلى الله علیه وسلم... انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۰

ونضیف الى ذلک أسطوانة الحراسة التی مازالت فی المسجد النبوی الشریف، والتی عرفت بهذا الاسم فی عام الوفود، وهو السنة التاسعة کما فی سیرة ابن هشام: ۴ | ۲۱۴، تحقیق السقا.




القول السادس



لم یعین أصحابه تاریخ نزول الآیة، ولا ربطوها بالحراسة، ولکنهم قالوا إنها عامة تؤکد على النبی صلى الله علیه وآله وجوب تبلیغ الرسالة، وإلا فإنه لم یبلغها!

ـ ففی الدر المنثور: ۲|۲۹۹: وأخرج عبد بن حمید وابن جریر وابن المنذر وابن أبی حاتم وأبو الشیخ عن قتادة فی الآیة قال: أخبر الله نبیه صلى الله علیه وسلم أنه سیکفیه الناس ویعصمه منهم، وأمره بالبلاغ، وذکر لنا أن نبی الله صلى الله علیه وسلم قیل له: لو احتجبت فقال: والله لا یدع الله عقبی للناس ما صاحبتهم. انتهى.

وهذا القول یشبه القول الأول، ویرد علیه ما تقدم، وأن روایاته غیر مسندة، وأنه لا ینطبق على معنى الآیة، ولا یکفی لتصحیح القضیة الشرطیة فیها، کما ستعرف.




القول الموافق لرأی لأهل البیت علیهم السلام



ـ قال فی الدر المنثور: ۲|۲۹۸: وأخرج ابن أبی حاتم وابن مردویه وابن عساکر عن أبی سعید الخدری قال: نزلت هذه الآیة: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک، على رسول الله صلى الله علیه وسلم یوم غدیر خم فی علی بن أبی طالب.

وأخرج ابن مردویه عن ابن مسعود قال: کنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله علیه وسلم: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک ـ أن علیاً مولى المؤمنین ـ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله یعصمک من الناس! انتهى.

ـ المعیار والموازنة|۲۱۳

وعن جابر بن عبد الله وعبد الله بن العباس الصحابیین قالا: أمر الله محمداً أن ینصب علیاً للناس ویخبرهم بولایته، فتخوف رسول الله أن یقولوا حابى ابن عمه




--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۱

وأن یطعنوا فی ذلک علیه، فأوحى الله إلیه: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک.

فقام رسول الله بولایته یوم غدیر خم. انتهى. وقال فی هامشه:

وروى السیوطی فی الدر المنثور عن الحافظ ابن مردویه وابن عساکر بسندیهما عن أبی سعید الخدری قال: لما نصب رسول الله صلى الله علیه وسلم علیاً یوم غدیر خم فنادى له بالولایة هبط جبرئیل علیه بهذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم...

أقول: ورواه أیضاً بأسانید الحافظ الحسکانی فی الحدیث ۲۱۱ وتوالیه من شواهدالتنزیل ۱ | ۱۵۷. ورواه أیضاً ابن عساکر فی الحدیث ( ۵۸۵ ـ ۵۸۶ ) من ترجمة أمیرالمؤمنین علیه السلام من تاریخ دمشق: ۲|۸۵ ط ۱.

وقد روى الخطیب والحافظ الحسکانی وابن عساکر وابن کثیر والخوارزمی وابن المغازلی بأسانید عن أبی هریرة قال: من صام یوم ثمانی عشر من ذی الحجة کتب له صیام ستین شهراً، وهو یوم غدیر خم لما أخذ النبی صلى الله علیه وسلم بید علی بن أبی طالب، فقال: ألست ولی المؤمنین؟ قالوا: بلى یا رسول الله. قال: من کنت مولاه فعلی مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لک یا ابن أبی طالب، أصبحت مولای ومولى کل مسلم، فأنزل الله عز وجل: الیوم أکملت لکم دینکم....

ومن أراد المزید فعلیه بما ألفه علماء المسلمین فی هذا الحدیث قرناً بعد قرن مثل رسالة الحافظ ابن عقدة، وحدیث الغدیر للطبری المفسر والمورخ الشهیر، وحدیث الغدیر للحافظ الدارقطنی، والذهبی، وعبید الله الحسکانی، ومسعود السجستانی وغیرهم. وعلیک بکتاب الغدیر، وحدیث الغدیر من کتاب عبقات الأنوار، فإن فیهما ما تشتهیه الأنفس. انتهى.

ـ وفی تفسیر المیزان: ۶|۵۴

وعن تفسیر الثعلبی قال قال جعفر بن محمد: معنى قوله: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک، فی فضل علی، فلما نزلت هذه أخذ النبی صلى الله علیه وآله بید علی فقال: من کنت مولاه فعلی مولاه.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۲

وعنه بإسناده عن الکلبی عن أبی صالح عن ابن عباس فی هذه الآیة قال: نزلت فی علی بن أبی طالب، أمر الله النبی صلى الله علیه وآله أن یبلغ فیه فأخذ بید علی فقال: من کنت مولاه فعلی مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.

ـ وفی الغدیر: ۱|۲۱۴

نزلت هذه الآیة الشریفة یوم الثامن عشر من ذی الحجة ن سنة حجة الوداع ( ۱۰هـ ) لما بلغ النبی الأعظم صلى الله علیه وآله غدیر خم، فأتاه جبرئیل بها على خمس ساعات مضت من النهار فقال: یا محمد إن الله یقرؤک السلام ویقول لک: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک ـ فی علی ـ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، الآیة. وکان أوائل القوم وهم مائة ألف أو یزیدون قریباً من الجحفة فأمر أن یرد من تقدم منهم ویحبس من تأخر عنهم فی ذلک المکان، وأن یقیم علیاً علیه السلام علماً للناس، ویبلغهم ما أنزل الله فیه، وأخبره بأن الله عز وجل قد عصمه من الناس.

وما ذکرناه من المتسالم علیه عند أصحابنا الإمامیة، غیر أنا نحتج فی المقام بأحادیث أهل السنة فی ذلک. انتهى.

وقد ذکر الأمینی رحمه الله ثلاثین مؤلفاً من السنیین رووا أن الآیة نزلت فی ولایة علی علیه السلام نذکر عدداً منهم باختصار:

۱ ـ الحافظ أبو جعفر محمد بن جریر الطبری المتوفى ۳۱۰، أخرج بإسناده فی کتاب ( الولایة ) فی طرق حدیث الغدیر، عن زید بن أرقم قال: لما نزل النبی صلى الله علیه وسلم بغدیر خم فی رجوعه من حجة الوداع، وکان فی وقت الضحى وحر شدید، أمر بالدوحات فقمَّت، ونادى الصلاة جامعة، فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلی: بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس....

۲ ـ الحافظ ابن أبی حاتم أبو محمد الحنظلی الرازی المتوفى ۳۲۷.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۳

۳ ـ الحافظ أبو عبد الله المحاملی المتوفى ۳۳۰، أخرج فی أمالیه بإسناده عن ابن عباس...

۴ ـ الحافظ أبو بکر الفارسی الشیرازی المتوفى ۴۰۷، روى فی کتابه ما نزل من القرآن فی أمیرالمؤمنین، بالإسناد عن ابن عباس...

۵ ـ الحافظ ابن مردویه المولود ۳۲۳ والمتوفى ۴۱۶، أخرج بإسناده عن أبی سعید الخدری أنها نزلت یوم غدیر خم فی علی بن أبی طالب، وبإسناد آخر عن ابن مسعود أنه قال: کنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله علیه وسلم یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک ـ أن علیاً مولى المؤمنین...

۶ ـ أبو إسحاق الثعلبی النیسابوری المتوفى ۴۲۷، روى فی تفسیره الکشف والبیان. .

۷ ـ الحافظ أبو نعیم الإصبهانی المتوفى ۴۳۰، روى فی تألیفه: ما نزل من القرآن فی علی....

۸ ـ أبو الحسن الواحدی النیسابوریالمتوفى ۴۶۸، روى فی أسباب النزول|۱۵۰ ....

۹ ـ الحافظ أبو سعید السجستانی المتوفى ۴۷۷، فی کتاب الولایة بإسناده من عدة طرق عن ابن عباس....

۱۰ ـ الحافظ الحاکم الحسکانی أبو القاسم روى فی شواهد التنزیل لقواعد التفصیل والتأویل، بإسناده عن الکلبی عن أبی صالح عن ابن عباس، وجابر....

۱۱ ـ الحافظ أبو القاسم ابن عساکر الشافعی المتوفى ۵۷۱، أخرج بإسناده عن أبی سعید الخدری....

۱۲ ـ أبوالفتح النطنزی أخرج فی الخصائص العلویة، بإسناده عن الإمامین محمد بن علی الباقر وجعفر بن محمد الصادق...

۱۳ ـ أبو عبد الله فخر الدین الرازی الشافعی المتوفى ۶۰۶، قال فی تفسیره الکبیر ۳





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۴

| ۶۳۶: العاشر: نزلت الآیة فی فضل علی، ولما نزلت هذه الآیة أخذ بیده وقال: من کنت مولاه فعلی مولاه....

۱۴ ـ أبو سالم النصیبی الشافعی المتوفى ۶۵۲، فی مطالب السؤول|۱۶...

۱۵ ـ الحافظ عز الدین الرسعنی الموصلی الحنبلی المولود ۵۸۹....

۱۶ ـ شیخ الإسلام أبوإسحاق الحموینی المتوفى ۷۲۲، أخرج فی فراید السمطین عن مشایخه الثلاثة: السید برهان الدین إبراهیم بن عمر الحسینی المدنی، والشیخ الإمام مجد الدین عبدالله بن محمود الموصلی، وبدرالدین محمد بن محمد بن أسعد البخاری، بإسناد هم عن أبی هریرة: أن الآیة نزلت فی علی.

۱۷ ـ السید علی الهمدانی المتوفى ۷۸۶، قال فی مودة القربی: عن البراء بن عازب رضی الله عنه قال: أقبلت مع رسول الله صلى الله علیه وسلم فی حجة الوداع، فلما کان بغدیر خم نودی الصلاة جامعة، فجلس رسول الله صلى الله علیه وسلم تحت شجرة وأخذ بید علی، وقال: ألست أولى بالمؤمنین من أنفسهم؟

قالوا: بلى یا رسول الله.

فقال: ألا من أنا مولاه فعلی مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فلقیه عمر رضی الله عنه فقال: هنیئاً لک یا علی بن أبی طالب، أصبحت مولای ومولى کل مؤمن ومؤمنة. وفیه نزلت: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک. الآیة.

۱۸ ـ بدرالدین بن العینی الحنفی المولود ۷۶۲ والمتوفى ۸۵۵، ذکره فی عمدة القاری فی شرح صحیح البخارى ۸|۵۸۴ فی قوله تعالى: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل. عن الحافظ الواحدی....




الوهابیون وحدیث الغدیر



من العجیب أن یبقى القول الموافق لأهل البیت علیهم السلام فی سبب نزول آیة التبلیغ حیاً فی مصادر إخواننا السنیین، لأنه ینسف الأسس التی بذل القرشیون جهودهم لیقنعوا بها المسلمین فی مسألة الإمامة والخلافة بعد النبی صلى الله علیه وآله !





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۵

ولهذا السبب تجد النواصب یغیظهم وجود حدیث الغدیر، وحدیث هذه الآیة وأمثاله، ویودون لو أن شیئاً منها لم یکن موجوداً فی الصحاح والمصادر. . وتراهم بدل أن یبحثوها بحثاً علمیاً على ضوء القرآن والمتفق علیه من السنة. . یکیلون التهم والسباب للشیعة وعلمائهم لأنهم اطلعوا علیها، وأخرجوها لهم من مصادرهم!!

قال الشیخ الألبانی فی سلسلة الأحادیث االصحیحة ۵|۶۴۴:

عصمته فی من الناس.

کان یحرس حتى نزلت هذه الآیة: والله یعصک من الناس، فأخرج رسول الله فی رأسه من القبة، فقال لهم: یاأیها الناس انصرفوا فقد عصمنی الله ) .

أخرجه الترمذی: ۲|۱۷۵، وابن جریر: ۶|۱۹۹، والحاکم: ۲|۳، من طریق الحارث بن عبید عن سعید الجریری، عن عبد بن شقیق، عن عائثة قالت: فذکره.

وقال الترمذی: حدیث غریب. وروى بعضهم هذا الحدیث عن الجریری عن عبد الله بن شقیق قال: کان النبی یحرس. . ولم یذکروا فیه: عن عائشة.

قلت: وهذا أصح، لأن الحارث بن عبید ـ وهو أبو قدامة الأیادی ـ فیه ضعف من قبل حفظه، أشار إلیه الحافظ بقوله: صدوق یخطىَ.

وقد خالفه بعض الذین أشار إلیهم الترمذی، ومنهم إسماعیل ابن علیة الثقة الحافظ، رواه ابن جریر بإسنادین عنه عن الجریری به مرسلاً.

قلت: فهو صحیح مرسلاً، وأما قول الحاکم عقب المسند عن عائشة: صحیح الإسناد فمردود، لما ذکرنا، وإن تابعه الذهبی.

نعم الحدیث صحیح، فإن له شاهداً من حدیث أبی هریرة قال:

کان رسول الله صلى الله علیه وآله إذا نزل منزلاً نظروا أعظم شجرة یرونها فجعلوها للنبی فینزل تحتها وینزل أصحابه بعد ذلک فی ظل الشجر، فبینما هو نازل تحت شجرة وقد علق السیف علیها إذ جاء أعرابی فأخذ السیف من الشجرة ثم دنا من النبی وهو نائم فأیقظه، فقال: یا محمد من یمنعک منی اللیلة؟ فقال النبی صلى الله علیه وآله: الله. فأنزل الله: یا





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۶

أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تقعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس. الآیة. أخرجه ابن حبان فی صحیحه ۱۷۳۹ موارد وابن مردویه کما فی ابن کثیر ۶| ۱۹۸، من طریقین عن حماد بن سلمة: حدثنا محمد بن عمروعن أبی سلمة عنه. قلت. وهذا إسناد حسن. وذکر له ابن کثیر شاهداً ثانیاً من حدیث جابر رواه ابن أبی حاتم.

وله شاهدان آخران عن سعید بن جبیر ومحمد بن کعب القرظی مرسلاً.

واعلم أن الشیعة یزعمون ـ خلافاً للأحادیث المتقدمة ـ أن الآیة المذکورة نزلت یوم غدیر خم فی علی رضی الله عنه ویذکرون فی ذلک روایات عدیدة مراسیل ومعاضیل أکثرها، ومنها عن أبی سعید الخدری ولایصح عنه کما حققته فی الضعیفة ( ۴۹۲۲ ) والروایات الأخرى أشار إلیها عبد الحسین الشیعی فی مراجعاته|۳۸ دون أی تحقیق فی أسانیدها کما هی عادته فی سرد أحادیث کتابه، لأن غایته حشد کل ما یشهد لمذهبه سواء صح أو لم یصح، على قاعدتهم: الغایة تبرر الوسیلة! فکن منه ومن روایاته على حذر، ولیس هذا فقط، بل هو یدلس على القراء ـ إن لم أقل یکذب علیهم ـ فإنه قال فی المکان المشار إلیه فی تخریج أبی سعید هذا المنکر بل الباطل: أخرجه غیر واحد من أصحاب السنن کالإمام الواحدی. .!

ووجه کذبه: أن المبتدئین فی هذا العلم یعلمون أن الواحدی لیس من أصحاب السنن الأربعة، وإنما هو مفسر یروی بأسانیده ما صح وما لم یصح، وحدیث أبی سعید هذا مما لم یصح، فقد أخرجه من طریق فیه متروک شدید الضعف! کما هو مبین فی المکان المشار إلیه من الضعیفة.

وهذه من عادة الشیعة قدیماً وحدیثاً، أنهم یستحلون الکذب على أهل السنة عملاً فی کتبهم وخطبهم، بعد أن صرحوا باستحلالهم للتقیة، کما صرح بذلک الخمینی فی کتابه کشف الأسرار، ولیس یخفى على أحد أن التقیة أخت الکذب ولذلک قال أعرف الناس بهم شیخ الإسلام ابن تیمیة: الشیعة أکذب الطوائف وأنا




--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۷

شخصیاً قد لمست کذبهم لمس الید فی بعض مؤلفیهم، وبخاصة عبد الحسین هذا، والشاهد بین یدیک فإنه فوق کذبته المذکورة أوهم القراء أن الحدیث عند أهل السنة من المسلمات بسکوته عن علته، وادعائه کثرة طرقه.

وقد کان أصرح منه فی الکذب الخمینی فإنه صرح فی الکتاب المذکور|۱۴۹ أن آیة العصمة نزلت یوم غدیر خم بشأن إمامة علی بن أبی طالب، باعتراف أهل السنة، واتفاق الشیعة. کذا قال عامله الله بما یستحق. وسأزید هذا الأمر بیاناً فی الضعیفة، إن شاء الله تعالى. انتهى.

ونقول للباحث الألبانی: أولاً: دع عنک التهم والشتائم وإصدار الأحکام، وتصنیف من هم أصدق الطوائف الإسلامیة ومن هم أکذبها، فإن السنیین والشیعیین فیهم أنواع الناس. . ولکن النواصب لهم حکم خاص. .

ولا تنس أیها الباحث أن ابن تیمیة الذی لم ینصف علی بن أبی طالب علیه السلام لا یمکنه أن ینصف شیعته. . وقد دافعتَ أنت عن علی علیه السلام ورددت ظلم ابن تیمیة وإنکاره حدیث الغدیر ( من کنت مولاه فعلی مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) فصححت الحدیث واعترفت مشکوراً بالحق، وکتبت صفحات فی ذلک فی أحادیثک الصحیحة ۵|۳۳۰ برقم ۱۷۵۰، ثم قلت فی|۳۴۴:

إذا عرفت هذا فقد کان الدافع لتحریر الکلام على الحدیث وبیان صحته: أننی رأیت شیخ الإسلام ابن تیمیة قد ضعَّف الشطر الأول من الحدیث، وأما الشطر الآخر فزعم أنه کذب! وهذا من مبالغاته الناتجة فی تقدیری من تسرعه فی تضعیف الأحادیث قبل أن یجمع طرقها، ویدقق النظر فیها. والله المستعان.

أما ما یذکره الشیعة فی هذا الحدیث وغیره أن النبی صلى الله علیه وآله قال فی علی رضی الله عنه : إنه خلیفتی من بعدی، فلا یصح بوجه من الوجوه، بل هو من أباطیلهم الکثیرة التی دل الواقع التاریخی على کذبها، لأنه لو فرض أن النبی قاله لوقع کما قال لأنه ( وحی یوحى ) والله سبحانه لا یخلف وعده!! انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۸

ونلاحظ أن الشیخ الألبانی تسرع أخیراً وجعل الإخبار التشریعی إخباراً غیبیاً! وشتان ما بینهما. . فلو صح ذلک لانتقض حدیثه الذی صححه وأحکمه، وهو قول النبی صلى الله علیه وآله ( من کنت مولاه فعلی مولاه ) فهو أیضاً ( وحیٌ یوحى ) فوجب على قوله أن یکون علی ولیاً لکل المسلمین وسیداً لهم، وأن یکونوا معه کالعبید کما کانوا مع رسول الله صلى الله علیه وآله . . ولکن ذلک لم یتحقق، بل لقد هاجموا بیت علی وفاطمة علیهما السلام فی الیوم الثانی لوفاة النبی صلى الله علیه وآله أو الثالث، وهددوا المعتصمین بإحراقه علیهم إن لم یخرجوا ویبایعوا. . ثم أجبروا علیاً إجباراً على البیعة کما هو معروف. .

فقوله صلى الله علیه وآله : علیٌّ خلیفتی من بعدی مثل قوله: من کنت مولاه فعلی مولاه، وإذا کان الأول إخباراً عما سیقع فکذلک الثانی، فکیف تحقق عکسه وصار معنى: من کنت سیده فعلی سیده، أنَّ الرعیة أجبروا سیدهم على بیعتهم؟!

إن الإخبار فی الحدیثین تشریعی أیها المحدث، وبیانٌ لتکلیف المسلمین وما یجب علیهم، ولیس هو إخباراً غیبیاً، حتى لا یصح وقوع غیره!

ونقول له ثانیاً: عندما ضعَّفت حدیث سبب نزول آیة ( والله یعصمک من الناس ) هل جمعت طرقه ودققت النظر فیها فقلت ( مراسیل ومعاضیل أکثرها ) ؟

هل رأیت طرق الثعلبی، وأبی نعیم، والواحدی، وأبی سعید السجستانی، والحسکانی، وأسانیدهم؟ فوجدتها کلها مرسلةً أو ضعیفةً أو معضلةً، ووجدت فی رواتها من لم تعتمد أنت علیهم! أم وقعت فیما وقع فیه ابن تیمیة مما انتقدته علیه؟!

على أی حالٍ، لم یفت الوقت، فنرجو أن تتفضل بملاحظة ماکتبناه فی تفسیر الآیة، وأن تدقق الطرق والأسانید التی قدمناها، وتبحثها بموازینک التی تریدها، بشرط أن لا تناقض ماکتبته فی کتبک، ولا تضعِّف راویاً هنا لأنه روى فضیلةً لعلی، وقد اعتمدت علیه وقبلت روایته فی مکان آخر!

ونذکر فیما یلی أسانید مصدرٍ واحد هو: کتاب شواهد التنزیل للحاکم الحسکانی





--------------------------------------------------------------------------------

۱۹۹

عبید الله بن عبد الله بن أحمد العامری القرشی، تلمیذ الحاکم النیسابوری صاحب المستدرک. قال فی کتابه المذکور، بتحقیق المحمودی: ۱|۲۵۰ ـ ۲۵۷:

۲۴۴ ـ أخبرنا أبو عبد الله الدینوری قراءة ( قال: ) حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق ( بن ابراهیم ) السنی قال: أخبرنی عبد الرحمان بن حمدان قال: حدثنا محمد بن عثمان العبسی قال: حدثنا إبراهیم بن محمد بن میمون قال: حدثنا علی بن عابس عن الاعمش عن أبی الجحاف ( داود بن أبی عوف ) عن عطیة: عن أبی سعید الخدری قال: نزلت هذه الآیة فی علی بن أبی طالب: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک ).

۲۴۵ ـ أخبرنا الحاکم أبو عبد الله الحافظ جملة ( قال: أخبرنا ) علی بن عبد الرحمان بن عیسى الدهقان بالکوفة قال: حدثنا الحسین بن الحکم الحبری قال: حدثنا الحسن بن الحسین العرنی قال: حدثنا حبان بن علی العنزی قال: حدثنا الکلبی عن أبی صالح عن ابن عباس فی قوله عز وجل: یا ایها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک الآیة ( قال: ) نزلت فی علی أمر رسول الله صلى الله علیه أن یبلغ فیه فأخذ رسول الله بید علی فقال: من کنت مولاه فعلی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

۲۴۶ ـ رواه جماعة عن الحبری وأخرجه السبیعی فی تفسیره عنه فکأنی سمعته من السبیعی ورواه جماعة عن الکلبی.

وطرق هذا الحدیث مستقصاة فی کتاب دعاء الهداة الى أداء حق الموالاة من تصنیفی فی عشرة أجزاء.

۲۴۷ ـ أخبرنا أبو بکر السکری قال: أخبرنا أبو عمرو المقری قال: أخبرنا الحسن بن سفیان قال: حدثنی أحمد بن أزهر قال: حدثنا عبد الرحمان بن عمرو بن جبلة قال: حدثنا عمر بن نعیم بن عمر بن قیس الماصر قال: سمعت جدی قال: حدثنا عبد الله بن أبی أوفى قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم یقول یوم غدیر خم وتلا هذه




--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۰

الآیة ( یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ثم رفع یدیه حتى یرى بیاض إبطیه ثم قال: ألا من کنت مولاه فعلی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ثم قال: اللهم اشهد.

۲۴۸ ـ أخبرنا عمرو بن محمد بن أحمد العدل بقراءتی علیه من أصل سماع نسخته قال: أخبرنا زاهر بن أحمد قال: أخبرنا أبو بکر محمد بن یحیى الصولی قال: حدثنا المغیرة بن محمد قال: حدثنا علی بن محمد بن سلیمان النوفلی قال: حدثنی أبی قال: سمعت زیاد بن المنذر یقول: کنت عند أبی جعفر محمد بن علی وهو یحدث الناس إذ قام إلیه رجل من أهل البصرة یقال له: عثمان الاعشى ـ کان یروی عن الحسن البصری ـ فقال له: یا ابن رسول الله جعلنی الله فداک إن الحسن یخبرنا أن هذه الآیة نزلت بسبب رجل ولا یخبرنا من الرجل ( یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک ) . فقال: لو أراد أن یخبر به لأخبر به ولکنه یخاف إن جبرئیل هبط على النبی صلى الله علیه وسلم فقال له: إن الله یأمرک أن تدل أمتک على صلاتهم، فدلهم علیها. ثم هبط فقال: إن الله یأمرک أن تدل أمتک على زکاتهم، فدلهم علیها. ثم هبط فقال: إن الله یأمرک أن تدل أمتک على صیامهم، فدلهم. ثم هبط فقال: إن الله یأمرک أن تدل أمتک على حجهم، ففعل. ثم هبط فقال: إن الله یأمرک أن تدل أمتک على ولیهم على مثل ما دللتهم علیه من صلاتهم وزکاتهم وصیامهم وحجهم لیلزمهم الحجة فی جمیع ذاک. فقال رسول الله: یا رب إن قومی قریبو عهد بالجاهلیة، وفیهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلا وقد وتره ولیهم، وإنی أخاف، فأنزل الله تعالى: ( یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) یرید فما بلغتها تامة ( والله یعصمک من الناس ) فلما ضمن الله ( له ) بالعصمة وخوفه أخذ بید علی بن أبی طالب ثم قال: یا أیها الناس من کنت مولاه فعلی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۱

قال زیاد: فقال عثمان: ما انصرفت الى بلدی بشىَ أحب إلی من هذا الحدیث.

۲۴۹ ـ حدثنی علی بن موسى بن إسحاق عن محمد بن مسعود بن محمد قال: حدثنا سهل بن بحر قال: حدثنا الفضل بن شاذان، عن محمد بن أبی عمیر، عن عمر بن أذینة عن الکلبی عن أبی صالح: عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: أمر الله محمداً أن ینصب علیاً للناس لیخبرهم بولایته فتخوف رسول الله صلى الله علیه وسلم أن یقولوا حابا ابن عمه، وأن یطعنوا فی ذلک علیه فأوحى الله إلیه: ( یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک ) الآیة، فقام رسول الله بولایته یوم غدیر خم.

۲۵۰ـ حدثنی محمد بن القاسم بن أحمد فی تفسیره قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علی الفقیه قال: حدثنا أبی قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن عبد الله البرقی عن أبیه عن خلف بن عمار الاسدی عن أبی الحسن العبدی عن الاعمش عن عبایة بن ربعی: عن عبد الله بن عباس عن النبی صلى الله علیه وآله وسلم ( وساق ) حدیث المعراج الى أن قال: وإنی لم أبعث نبیاً إلا جعلت له وزیراً وإنک رسول الله، وإن علیاً وزیرک. قال ابن عباس: فهبط رسول الله فکره أن یحدث الناس بشىَ منها إذ کانوا حدیثی عهد بالجاهلیة، حتى مضى ( من ) ذلک ستة أیام، فأنزل الله تعالى: فلعلک تارک بعض ما یوحى إلیک، فاحتمل رسول الله صلى الله علیه وآله حتى کان یوم الثامن عشر أنزل الله علیه ( یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک ) ثم إن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم أمر بلالاً حتى یؤذن فی الناس أن لا یبقى غداً أحداً إلا خرج الى غدیر خم، فخرج رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم والناس من الغد فقال: یا أیها الناس إن الله أرسلنی إلیکم برسالة، وإنی ضقت بها ذرعاً مخافة أن تتهمونی وتکذبونی حتى عاتبنی ربی فیها بوعید أنزله علی بعد وعید، ثم أخذ بید علی بن أبی طالب فرفعها حتى رأى الناس بیاض إبطیهما ثم قال: أیها الناس الله مولای وأنا مولاکم، فمن کنت مولاه فعلی مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. وأنزل الله ( الیوم أکملت لکم دینکم ) . انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۲




رأی أهل البیت علیهم السلام فی الآیة



ـ فی تفسیر العیاشی: ۱|۳۳۱

عن أبی صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: أمر الله تعالى نبیه محمداً صلى الله علیه وآله أن ینصب علیاً علیه السلام علماً للناس، ویخبرهم بولایته، فتخوف رسول الله صلى الله علیه وآله أن یقولوا حابى ابن عمه، وأن یطعنوا فی ذلک علیه، فأوحى الله الیه: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس. .

ـ وفی الکافی: ۱|۲۹۰:

محمد بن یحیى، عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسین جمیعاً، عن محمد بن إسماعیل بن بزیع، عن منصور بن یونس، عن أبی الجارود، عن أبی جعفر علیه السلام قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام یقول: فرض الله عز وجل على العباد خمساً، أخذوا أربعاً وترکوا واحدة، قلت: أتسمیهن لی جعلت فداک؟

فقال: الصلاة، وکان الناس لا یدرون کیف یصلون، فنزل جبرئیل علیه السلام فقال: یا محمد أخبرهم بمواقیت صلاتهم.

ثم نزلت الزکاة فقال: یا محمد أخبرهم من زکاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم.

ثم نزل الصوم، فکان رسول الله صلى الله علیه وآله إذا کان یوم عاشورا بعث الى ما حوله من القرى فصاموا ذلک الیوم، فنزل شهر رمضان بین شعبان وشوال.

ثم نزل الحج، فنزل جبرئیل علیه السلام فقال: أخبرهم من حجهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزکاتهم وصومهم.

ثم نزلت الولایة.... وکان کمال الدین بولایة علی بن أبی طالب علیه السلام فقال عند ذلک رسول الله صلى الله علیه وآله : أمتی حدیثو عهدٍ بالجاهلیة، ومتى أخبرتهم بهذا فی ابن عمی یقول قائل ویقول قائل، فقلت فی نفسی من غیر أن ینطق به لسانی، فأتتنی عزیمة من الله عز وجل بتلة، أوعدنی إن لم أبلغ أن یعذبنی، فنزلت: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس إن الله لا یهدی




--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۳

القوم الکافرین، فأخذ رسول الله صلى الله علیه وآله بید علی علیه السلام فقال: أیها الناس إنه لم یکن نبی من الأنبیاء ممن کان قبلی إلا وقد عمره الله ثم دعاه فأجابه، فأوشک أن أدعى فأجیب، وأنا مسؤولٌ وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟

فقالوا: نشهد أنک قد بلغت ونصحت وأدیت ما علیک، فجزاک الله أفضل جزاء المرسلین.

فقال: اللهم اشهد، ثلاث مرات.

ثم قال: یا معشر المسلمین هذا ولیکم من بعدی، فلیبلغ الشاهد منکم الغائب.

ـ وفی بحار الأنوار: ۹۴|۳۰۰

ومن الدعوات فی یوم عید الغدیر ما ذکره محمد بن علی الطرازی فی کتابه رویناه بإسنادنا الى عبد الله بن جعفر الحمیری قال: حدثنا هارون بن مسلم عن أبی الحسن اللیثی، عن أبی عبد الله جعفر بن محمد علیهما السلام أنه قال لمن حضره من موالیه وشیعته: أتعرفون یوماً شید الله به الإسلام، وأظهر به منار الدین، وجعله عیداً لنا ولموالینا وشیعتنا؟

فقالوا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، أیوم الفطر هو یا سیدنا؟

قال: لا.

قالوا: أفیوم الأضحى هو؟ قال: لا، وهذان یومان جلیلان شریفان، ویوم منار الدین أشرف منهما وهو الیوم الثامن عشر من ذی الحجة، وإن رسول الله صلى الله علیه وآله لما انصرف من حجة الوداع، وصار بغدیر خم، أمر الله عز وجل جبرئیل علیه السلام أن یهبط على النبی وقت قیام الظهر من ذلک الیوم، وأمره أن یقوم بولایة أمیر المؤمنین علیه السلام وأن ینصبه علماً للناس بعده، وأن یستخلفه فی أمته، فهبط إلیه وقال له: حبیبی محمد إن الله یقرؤک السلام ویقول لک: قم فی هذا الیوم بولایة علی لیکون علماً لأمتک بعدک یرجعون إلیه، ویکون لهم کأنت. فقال النبی صلى الله علیه وآله : حبیبی جبرئیل، إنی أخاف تغیر أصحابی لما قد وتروه، وأن یبدوا ما یضمرون فیه، فعرج وما لبث أن




--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۴

هبط بأمر الله فقال له: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس.

فقام رسول الله صلى الله علیه وآله ذَعِراً مرعوباً خائفاً من شدة الرمضاء وقدماه تشویان، وأمر بأن ینظف الموضع ویقمَّ ما تحت الدوح من الشوک وغیره ففعل ذلک، ثم نادى بالصلاة جامعة فاجتمع المسلمون، وفیمن اجتمع أبو بکر وعمر وعثمان وسائر المهاجرین والأنصار، ثم قام خطیباً، وذکر الولایة فألزمها للناس جمیعاً، فأعلمهم أمر الله بذلک.

ـ وفی دعائم الإسلام للقاضی النعمان المغربی: ۱|۱۴

وروینا عن أبی جعفر محمد بن علی صلى الله علیه أن رجلاً قال له: یابن رسول الله إن الحسن البصری حدثنا أن رسول الله صلى الله علیه وآله قال: إن الله أرسلنی برسالة فضاق بها صدری، وخشیت أن یکذبنی الناس، فتواعدنی إن لم أبلغها أن یعذبنی.

قال له أبو جعفر: فهل حدثکم بالرسالة؟

قال: لا.

قال: أما والله إنه لیعلم ما هی، ولکنه کتمها متعمداً!

قال الرجل: یا بن رسول الله جعلنی الله فداک وما هی؟

فقال: إن الله تبارک وتعالى أمر المؤمنین بالصلاة فی کتابه، فلم یدروا ما الصلاة ولا کیف یصلون، فأمر الله عز وجل محمداً نبیه صلى الله علیه وآله أن یبین لهم کیف یصلون.

فأخبرهم بکل ماافترض الله علیهم من الصلاة مفسراً...

وأمر بالزکاة، فلم یدروا ما هی، ففسرها رسول الله صلى الله علیه وآله وأعلمهم بما یؤخذ من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزرع، ولم یدع شیئاً مما فرض الله من الزکاة إلا فسره لأمته، وبینه لهم.

وفرض علیهم الصوم، فلم یدروا ما الصوم ولا کیف یصومون، ففسره لهم رسول الله صلى الله علیه وآله وبین لهم ما یتقون فی الصوم، وکیف یصومون.

وأمر بالحج فأمر الله نبیه صلى الله علیه وآله أن یفسر لهم کیف یحجون، حتى أوضح لهم ذلک فی سنته.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۵

وأمر الله عز وجل بالولایة فقال: إنما ولیکم الله ورسوله والذین آمنوا الذین یقیمون الصلاة ویؤتون الزکوة وهم راکعون، ففرض الله ولایة ولاة الأمر، فلم یدروا ما هی، فأمر الله نبیه صلى الله علیه وآله أن یفسر لهم ما الولایة، مثلما فسر لهم الصلاة والزکاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلک من الله عز وجل ضاق به رسول الله ذرعاً، وتخوف أن یرتدوا عن دینه وأن یکذبوه، فضاق صدره وراجع ربه فأوحى إلیه: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله یعصمک من الناس، فصدع بأمر الله وقام بولایة أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب صلى الله علیه یوم غدیر خم، ونادى لذلک الصلاة جامعة، وأمر أن یبلغ الشاهد الغائب.

وکانت الفرائض ینزل منها شیء بعد شیء، تنزل الفریضة ثم تنزل الفریضة الأخرى وکانت الولایة آخر الفرائض، فأنزل الله عز وجل: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتى ورضیت لکم الإسلام دینا.

قال أبو جعفر: یقول الله عز وجل: لا أنزل علیکم بعد هذه الفریضة فریضة، قد أکملت لکم هذه الفرائض.

وروینا عن رسول الله صلى الله علیه وآله أنه قال: أوصی من آمن بالله وبی وصدقنی: بولایة علی بن أبی طالب، فإن ولاءه ولائی، أمٌر أمرنی به ربی، وعهدٌ عهده إلیَّ، وأمرنی أن أبلغکموه عنه.

ـ وروى الحدیث الأول فی شرح الأخبار: ۱|۱۰۱، ونحوه فی: ۲|۲۷۶، وفیه:

فقال رسول الله صلى الله علیه وآله : یا جبرائیل أمتی حدیثة عهدٍ بجاهلیة، وأخاف علیهم أن یرتدوا، فأنزل الله عز وجل: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک ـ فی علی ـ فإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله یعصمک من الناس.

فلم یجد رسول الله صلى الله علیه وآله بداً من أن جمع الناس بغدیر خم فقال: أیها الناس إن الله عز وجل بعثنی برسالة فضقت بها ذرعاً فتواعدنی إن لم أبلغها أن یعذبنی، أفلستم تعلمون أن الله عز وجل مولای وأنی مولى المسلمین وولیهم وأولى بهم من أنفسهم؟





--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۶

قالوا: بلى، فأخذ بید علی علیه السلام فأقامه ورفع یده بیده وقال: فمن کنت مولاه فعلی مولاه، ومن کنت ولیه فهذا علی ولیه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حیث دار.

ثم قال أبو جعفر علیه السلام : فوجبت ولایة علی علیه السلام على کل مسلم ومسلمة. انتهى.

ورواه بنحوه فی تفسیر العیاشی: ۱|۳۳۳، وفیه:

کنت عند أبی جعفر محمد بن على علیه السلام بالأبطح وهو یحدث الناس، فقام الیه رجل من أهل البصرة یقال له عثمان الأعشى، کان یروی عن الحسن البصری..الخ. وقد تقدمت بعض روایاته فی آیة إکمال الدین، وهی فی مصادرنا کثیرة وصحیحة.




ملاحظات عامة حول الأقوال المخالفة

الملاحظة الأولى:


مع أن البخاری عقد للآیة فی صحیحه بابین: الأول فی: ۵|۸۸، وروى فیه حدیثاً عن عائشة فی التبلیغ وعدم الکتمان، والثانی فی: ۸|۹، وروى فیه عن الزهری فی التبلیغ، کما روى حدیثین تضمنا الآیة فی: ۶|۵۰، وفی: ۸|۲۱۰، وکذا مسلم: ۱|۱۱۰

. مع هذا فلم یرویا ولا روى غیرهما من أصحاب الصحاح شیئاً فی تفسیر الآیة، ما عدا روایة الترمذی فی الحراسة، والتی قال عنها إنها غریبة.

ونحن لا نرى أن عدم روایتهم لحدیثٍ دلیلاً ولا مؤشراً على ضعفه، فکم من حدیثٍ هو أصح مما فی الصحاح لم یرووه، وکم من حدیثٍ روته الصحاح، وذکر له علماء الجرح والتعدیل عللاً کثیرة.

لکنا نرید القول: إن أصحاب الصحاح حریصون على رد مذهب أهل البیت علیهم السلام ، وهم یعرفون أن آیة التبلیغ هذه یستدل بها أهل البیت وشیعتهم على مذهبهم، فلو کان عندهم روایةٌ قویةٌ فی ردها لرووها وکرروها، حتى لا تبقى روایات الشیعة بلا معارض قوی.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۷

فمن ذلک نستکشف أن سبب ترکهم روایتها لیس ضعف سندها، بل ما رأوه من ضعف متنها، وتعارض صیغها، وورود الإشکالات على کل واحدةٍ منها! فاضطروا الى عدم الرد على روایات الشیعة، وما وافقها من روایات السنة!!

الملاحظة الثانیة:

أن روایات السنیین فی تاریخ نزول الآیة قد غطَّت الثلاث وعشرین سنة، التی هی کل مدة بعثة النبی صلى الله علیه وآله ما عدا حجة الوداع التی نزلت فیها سورة المائدة!

وهو أمر یوجب الشک فی أن الغرض من سعة تلک الروایات واستثنائها تلک الفترة وحدها، هو التهرب من الفترة التاریخیة التی نزلت فیها السورة!

الملاحظة الثالثة:

أن سبب نزول الآیة فی مصادرنا سببٌ واحد، بتاریخ واحد، على نحو الجزم والیقین. أما فی مصادر إخواننا السنیین فأسبابٌ متعددة، بتواریخ متناقضة، وعلماؤهم منها فی شکٍّ وحیرة. وفی روایاتهم ما یوافق قول أهل البیت علیهم السلام وإن لم یقبله خلفاء قریش!

وعندما نواجه من کتاب الله تعالى آیةً یتفق المسلمون على أنها نزلت مرة واحدة فی تاریخ واحد، ونجد أنهم یروون تاریخاً متفقاً علیه، وفیهم أهل بیت نبیهم صلى الله علیه وآله ویروی بعضهم أسباباً أخرى متعارضة مختلفاً فیها. . فإن السبب المجمع على روایته یکون أقوى وأحق بالإتباع والفتوى.




تقییم الأقوال المخالفة على ضوء الآیة



فی الآیة خمس مسائل لا بد من تحدیدها لمعرفة السبب الصحیح فی نزولها:

المسألة الأولى: فی المأمور به فی الآیة:

لا یستقیم معنى الآیة الشریفة إلا بحمل ( أنزل ) فیها على الماضی الحقیقی، لأنها قالت ( بلغ ما أنزل الیک ) ولم تقل: بلغ ما سوف ینزل الیک. . وبیان ذلک:





--------------------------------------------------------------------------------

۲۰۸

أولاً، ظهور الفعل فی الماضی الحقیقی، وعدم وجود قرینةٍ توجب حمله على ما سوف ینزله الله تعالى فی المستقبل. بل لم أجد استعمال ( أنزل ) فی القرآن لما سوف ینزل أبداً، على کثرة وروده فی الآیات.

ثانیاً، أن الآیة نزلت فی آخر شهور نبوته صلى الله علیه وآله، وإذا حملنا الفعل على المستقبل یکون معناها: إنک إن لم تبلغ ما سوف ننزله علیک فی هذه الشهور الباقیة من نبوتک، فإنک لم تبلغ رسالة ربک أبداً! وهو معنى لم تجىء به روایة، ولم یقل به أحدٌ من علماء الشیعة، ولا السنة!

وإذا تعین حمل لفظ ( أنزل الیک ) على الماضی الحقیقی، دلَّ على أن الله تعالى کان أنزل على رسوله أمراً ثقیلاً، وأمره بتبلیغه فکان الرسول یفکر فی ثقله على الناس، وفی کیفیة تبلیغه لهم، فجاءت الآیة لتقول له: لا تتأخر فی التنفیذ، ولا تفکر فی موقف الناس، هل یؤمنون أو یکفرون. . ولکن نطمئنک بأنهم سوف لن یکفروا، وسنعصمک منهم. وهذا هو تفسیر أهل البیت علیهم السلام وما وافقه من أحادیث السنیین.

المسألة الثانیة: فیما یصحح الشرط والمشروط به فی التبلیغ:

وقد اتضح ذلک من المسألة الأولى، وأنه لا معنى لقولک: یا فلان بلغ رسائلی التی سوف أرسلها معک، فإنک إن لم تفعل لم تبلغ رسائلی! لأنه من المعلوم أنه إن لم یفعل، فلم یبلغ رسائلک، ویکون کلامک من نوع قول الشاعر:



وفسر الماء بعد الجهد بالماءِ!

نعم یصح أن تقول له عن رسالة معینة فعلیة أو مستقبلیة: إن هذه الرسالة مهمة وضروریة جداً، وإن لم تبلغها، فإنک لم تبلغ شیئاً من رسائلی!

ـ قال فی تفسیر المیزان: ۶|۴۹:

فالکلام موضوع فی صوره التهدید وحقیقته بیان أهمیه الحکم، وأنه بحیث لو لم یصل الى الناس ولم یراع حقه کان کأن لم یراع حق شیء من أجزاء الدین.

فقوله: وإن لم تفعل فما بلغت، جملة شرطیة سیقت لبیان أهمیه الشرط وجوداً


وعدماً، لترتب الجزاء الأهم علیه وجوداً وعدماً، ولیست شرطیة مسوقة على طبع الشرطیات الدائرة عندنا، فإنا نستعمل إن الشرطیه طبعاً فیما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق الشرط، وحاشا ساحة النبی صلى الله علیه وآله من أن یقدر القرآن فی حقه احتمال أن یبلغ الحکم النازل علیه من ربه، وأن لا یبلغ! انتهى.

المسألة الثالثة: فی نوع تخوف النبی صلى الله علیه وآله وسلم:

ولا بد من القول بأن الخوف الذی کان عند النبی صلى الله علیه وآله کان خوفاً على الرسالة، ولیس على شخصه من القتل أو الأذى، وذلک لعصمته وتقواه وشجاعته صلى الله علیه وآله .

فإن الله تعالى کان أخبر رسوله صلى الله علیه وآله من الأیام الأولى لبعثته، بثقل مسؤولیة النبوة والرسالة، وجسامة تبعاتها .. وکان صلوات الله علیه وآله موطِّناً نفسه على کل ذلک، فلا معنى لأن یقال بأنه تلکأ بعد ذلک أو تباطأ أو امتنع فی أول البعثة، أو فی وسطها أو فی آخرها، حتى جاءه التهدید والتطمین!!

وقد تبین مما تقدم أن الخوف على الرسالة الذی کان یعیشه النبی صلى الله علیه وآله عند نزول الآیة، لیس إلا خوفه من ارتداد الأمة، وعدم قبولها إمامة عترته من بعده.

المسألة الرابعة: فی معنى الناس فی الآیة:

ـ قال الفخر الرازی فی تفسیره : ۶ جزء ۱۲|۵۰:

واعلم أن المراد من ( الناس ) ها هنا الکفار بدلیل قوله تعالى: إن الله لا یهدی القوم الکافرین .. . لا یمکنهم مما یریدون. انتهى.

ولا یمکن قبول ذلک، لأن نص الآیة العصمة من ( الناس ) وهو لفظ أعم من المسلمین والکفار، فلا وجه لحصره بالکفار ..

وقد تصور الرازی أن المعصوم منهم هم الذین لا یهدیهم الله تعالى، وأن المعنى: إن الله سیعصمک من الکفار ولا یهدیهم. ولکنه تصورٌ خاطىَ، لأن ربْط عدم هدایته تعالى للکفار بالآیة یتحقق من وجوه عدیدة.. فقد یکون المعنى: سیعصمک من کل الناس، ولا یهدی من یقصدک بأذى لأنه کافر. أو یکون المعنى: بلغ وسیعصمک الله




--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۰

من الناس، ومن أبى ما تبلغه فهو کافر، ولا یهدیه الله تعالى. وقد ورد شبیه هذا المعنى فی البخاری: ۸|۱۳۹ قال: عن أبی هریرة أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: کل أمتی یدخلون الجنة إلا من أبى! قالوا: یا رسول الله ومن یأبى! قال: من أطاعنی دخل الجنة، ومن عصانی فقد أبى. انتهى.

فإبقاء لفظة ( الناس ) على إطلاقها وشمولها للجمیع، یتناسب مع مصدر الأذى والخطر على النبی صلى الله علیه وآله الذی هو غیر محصور بالکفار، بل یشمل المنافقین من الأمة أیضاً. بل عرفت أن الخطر کاد یکون عند نزول الآیة محصوراً فیهم.

ولکن الرازی یرید إبعاد الذم فی الآیة عن المنافقین، وإبعاد الأمر الإلَهی فیها عن تبلیغ ولایة أمیر المؤمنین علی علیه السلام !

المسألة الخامسة: فی معنى العصمة من الناس:

وقد اتضح مما تقدم أن العصمة الإلَهیة الموعودة فی الآیة، لابد أن تکون متناسبة مع الخوف منهم، ویکون معناها عصمته صلى الله علیه وآله من أن یطعنوا فی نبوته ویتهموه بأنه حابى أسرته واستخلف عترته، وقد کان من مقولاتهم المعروفة أن محمداً صلى الله علیه وآله یرید أن یجمع النبوة والخلافة لبنی هاشم، ویحرم قبائل قریش .. !!

وکأنه صلى الله علیه وآله هو الذی یملک النبوة والإمامة ویعطیهما من جیبه!!

فهذا هو المعنى المتناسب مع خوف الرسول صلى الله علیه وآله وأنه کان یفکر بینه وبین نفسه بما سیحدث من تبلیغه ولایة علی علیه السلام.

فهی عصمةٌ فی حفظ نبوته عند قریش، ولیست عصمةً من القتل أو الجرح أو الأذى، کما ادعت الأقوال المخالفة. ولذلک لم تتغیر حراسته صلى الله علیه وآله بعد نزول الآیة عما قبلها، ولا تغیرت المخاطر والأذایا التی کان یواجهها، بل زادت.

والقدر المتیقن من هذه العصمة حفظ نبوة النبی صلى الله علیه وآله فی الأمة وإن ثقلت علیهم أوامره، وقرروا مخالفته. والغرض منها بقاء النبوة، وتمام الحجة لله تعالى.

وهی غیر العصمة الإلَهیة الأصلیة للرسول صلى الله علیه وآله فی أفعاله وأقواله وکل تصرفاته!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۱

وقد وفى الله سبحانه لرسوله صلى الله علیة وآله بما وعد، فقد أعلن صلى الله علیه وآله فی یوم الغدیر خلافة علی والعترة علیهم السلام ثم أمر أن تنصب لعلی خیمة، وأن یهنؤوه بالولایة الإلَهیة علیهم .. ففعلوا! ولم یخدش أحد منهم فی نبوة النبی صلى الله علیه وآله.

ولکنهم عندما توفی فعلوا مایریدون، وأقصوا علیاً والعترة علیهم السلام ! بل أحرقوا بیتهم وأجبروهم على بیعة صاحبهم!!




مسألتان تتعلقان بآیة العصمة من الناس



یوجد مسألتان ترتبطان بالآیة الشریفة، نتعرض لهما باختصار:

المسألة الأولى: محاربة علی علیه السلام بآیة تبلیغ ولایته:

یشهد جمیع المسلمین للنبی صلى الله علیه وآله بأنه بلغ عن ربه کل ما أمره به، ونصح لأمته، وتحمل أکثر من جمیع الأنبیاء صلى الله علیه وآله.

لکنک تجد فی مصادر السنیین تهمةً للشیعة بأنهم یقولون إن النبی صلى الله علیه وآله کتم أشیاء ولم یبلغها الى الأمة، والعیاذ بالله. ویستدلون لردهم بآیة ( بلغ ما أنزل الیک ) .

ـ قال القرطبی فی تفسیره: ۶|۲۴۳

من قال إن محمداً صلى الله علیه وسلم کتم شیئاً من الوحی فقد کذب الله تعالى یقول: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، وقبح الله الروافض حیث قالوا: إنه صلى الله علیه وسلم کتم شیئاً مما أوحى إلیه کان بالناس حاجة إلیه. انتهى.

ـ وقال القسطلانی فی إرشاد الساری: ۷|۱۰۶

وقال الراغب فیما حکاه الطیبی: فإن قیل: کیف قال: وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، وذلک کقولک إن لم تبلغ فما بلغت!

قیل: معناه وإن لم تبلغ کل ما أنزل الیک، تکون فی حکم من لم یبلغ شیئاً مما أنزل الله، بخلاف ما قالت الشیعة إنه قد کتم أشیاء على سبیل التقیة! . انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۲

والظاهر أن قصة هذه التهمة وبیت القصید فیها هو حدیث عائشة القائل: من زعم أن رسول الله صلى الله علیه وآله کتم شیئاً من کتاب الله، فقد أعظم على الله الفریة. وقد رووه عنها وأکثروا من روایته .. وقصدهم به الرد على علی علیه السلام وتکذیبه!

فقد کان علی علیه السلام یقول إنه وارث علم النبی صلى الله علیه وآله وإن عنده غیر القرآن حدیث النبی صلى الله علیه وآله ومواریثه .. فعنده جامعة فیها کل ما یحتاج الیه الناس حتى أرش الخدش.

وکان یقول إن النبی صلى الله علیه وآله قد أخبره بما سیحدث على عترته من بعده حتى هجومهم على بیته وإحراقه، وإجباره على بیعتهم، وأنه أمره فی کل ذلک بأوامره ..

ونحن الشیعة نعتقد بکل ذلک، وتروی مصادرنا، بل ومصادر السنیین عن مقام علی علیه السلام وقربه من النبی صلى الله علیه وآله ومکانته عنده، وشهاداته صلى الله علیه وآله فی حقه ما یوجب الیقین بأن النبی صلى الله علیه وآله کان مأموراً من الله تعالى أن یعد علیاً إعدادا خاصاً، ویورثه علمه .. مضافاً الى ما أعطى الله علیاً علیه السلام من صفات ومؤهلات وإلهام ..

ونعتقد بأن علیاً علیه السلام طاهرٌ مطهر، صادقٌ مصدق، فی کل ما یقوله ولو کان شهادةً لنفسه وعترته.

قال السیوطی فی الدر المنثور: ۶|۲۶۰

وأخرج ابن جریر، وابن أبی حاتم، والواحدی، وابن مردویة، وابن عساکر، وابن النجاری، عن بریدة قال: قال رسول الله صلى الله علیه وآله لعلی: إن الله أمرنی أن أدنیک، ولا أقصیک، وأن أعلمک، وأن تعی وحقٌّ لک أن تعی. فنزلت هذه الآیة: وتعیها أذن واعیة. انتهى.

ثم ذکر السیوطی روایة أبی نعیم فی الحلیة وفیها: فأنت أذُنٌ واعیةٌ لعلمی. انتهى.

وإذا کان حذیفة بن الیمان صاحب سر النبی صلى الله علیه وآله وهو من أتباع علی علیه السلام ، فإن علیاً هو صاحب أسرار النبی صلى الله علیه وآله وعلومه.

وقد روى الجمیع أنه صلى الله علیه وآله عهد الیه أن یقاتل على تأویل القرآن من بعده، وأخبره أنه سیقاتل الناکثین والقاسطین والمارقین!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۳

بل الظاهر أن وصایا النبی صلى الله علیه وآله لعلی کان بعضها معروفاً فی حیاته، ومن ذلک وصیته له بأن یسجل مظلومیته ویقیم الحجة على القوم، ولا یقاتلهم من أجل الخلافة .. فلو لم یکونوا یعرفون ذلک، لما کانت عندهم جرأة أن یهاجموا علیاً فی بیته بعشرین مسلح أو خمسین، ویقتحموا داره، ثم یلقوا القبض علیه، ویجروه بحمائل سیفه الى البیعة!!

لقد کان علی علیه السلام معجزةً وأسطورةً فی القوة والشجاعة، وفی الهیبة والرعب فی قلوب الناس .. وأکثر الذین هاجموه فی داره کانوا معروفین بالخوف والفرار فی عدة حروب .. ولم یکن أحدٌ منهم ولا من غیرهم یجرأ أن یقف فی وجه علی علیه السلام إذا جرد ذا الفقار!!

ولکنهم کانوا مطمئنین أن إطاعته للنبی صلى الله علیه وآله تغلب شجاعته وغیرته، وأنه سیعمل بالوصیة، ولن یجرد ذا الفقار، حتى لو ضربت الزهراء علیها السلام وأسقط جنینها!!

والحاصل أن الخلافة القرشیة قد ردت أقوال علی بأن عنده مواریث النبی صلى الله علیه وآله وعلمه، ونفت أن یکون النبی صلى الله علیه وآله ورث عترته شیئاً لا علماً ولا أوقافاً ولا مالاً! وبذلک صادر أبو بکر مزرعة فدک، التی کان النبی صلى الله علیه وآله أعطاها الى فاطمة علیها السلام عندما نزل قوله تعالى ( وآت ذا القربى حقه ) !

بل زادت السلطة على نفی کلام علی، وحاولت أن تستفید من آیة الأمر بالتبلیغ التی هی موضوع بحثنا فقالت: من قال إن النبی صلى الله علیه وآله قد بلغه وحده أموراً وأحکاماً، ولم یبلغهاالى الأمة عامة، فقد اتهم النبی صلى الله علیه وآله بأنه قصر فی تبلیغ الأمة، وهو نوع من الکفر به صلى الله علیه وآله !! ومقولة عائشة المتقدمة هی مقولة السلطة فی رد قول علی علیه السلام ..

ـ قال البخاری فی صحیحه: ۵|۱۸۸:

باب یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک. عن عائشة رضی الله عنها قالت: من حدثک أن محمداً صلى الله علیه وآله کتم شیئاً مما أنزل علیه، فقد کذب، والله یقول یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک. الآیة. انتهى. ثم کرر البخاری ذلک فی: ۶|۵۰ و۸|۲۱۰، ومسلم: ۱|۱۰، والترمذی: ۴|۳۲۸ .. . وغیرهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۴

ولکن هذه العملیة من السلطة تتضمن مغالطتین: فی توسیع معنى المأمور بتبلیغه وفی توسیع معنى المأمور بتبلیغهم!

کما تتضمن تحریفاً لمقولة علی علیه السلام وشیعته!

فلیس کل شیء قاله الله تعالى لرسوله أوجب علیه أن یبلغه .. فإن علوم النبی صلى الله علیه وآله وما أوحى الله الیه، وما ألهمه إیاه، وما شاهده فی إسرائه ومعراجه .. أوسع مما بلغه لعامة الناس، بأضعافٍ مضاعفة، ولا یمکن أن یوجب الله تعالى علیه تبلیغها، لأن الناس لا یطیقونها حتى لو کانوا مؤمنین!

ولا کل شیء أمره أن یبلغه، أمره أن الى کل الناس بدون استثناء .. فهناک أمورٌ عامةٌ لکل الناس، وقد بلغها لهم، وأمور خاصةٌ لأناسٍ خاصین مؤمنین أو کافرین، وقد بلغها لأصحابها، مثل قوله تعالى ( قل لهم فی أنفسهم قولاً بلیغا ) .. الخ.

ولم یقل علیٌّ علیه السلام ولا أحدٌ من شیعته إن النبی صلى الله علیه وآله لم یبلغ، بل قالوا إنه کلم الناس على قدر عقولهم، وعلى قدر تحملهم وتقبلهم، وأنه لذلک بلغ علیاً علیه السلام أکثر من غیره واستودعه علومه، کما أمره الله تعالى ..

ولیس فی هذا تهمة بعدم التبلیغ، کما زعم القرطبی والقسطلانی. بل هی قولٌ بتبلیغ إضافی خاصٍ بعلی والزهراء والحسنین علیهم السلام !

بل إن علیاً وشیعته قالوا إن النبی صلى الله علیه وآله قد بلغ الأمة أموراً کثیرة، تتعلق بعترته وغیرهم کما ترى فی کتابنا هذا.. فتبلیغه عندهم أوسع مما یقول به القرشیون.

ولکن القرشیین یظلمون علیاً علیه السلام ویفترون علیه، ویتغاضون عن تصریح عمر بأن النبی صلى الله علیه وآله لم یبین عدة آیات مثل الکلالة والربا! کما تقدم فی آیة إکمال الدین!!

والنتیجة أن الأمر بالتبلیغ وامتثاله، لا یتنافى مع تخصیص النبی صلى الله علیه وآله لعلی علیه السلام بعلومٍ عن غیره، لأن ذلک مما أمره بتبلیغه له.

کما لا یتنافى مع التقیة التی قد یستعملها النبی صلى الله علیه وآله مع قریش أو غیرها، لأنه مأمورٌ بالعمل بالحکمة لأهداف الإسلام، وبالتقیة ومداراة الناس ..





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۵

ـ ففی الکافی: ۲|۱۱۷، عن الإمام الصادق علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله علیه وآله : أمرنی ربی بمداراة الناس، کما أمرنی بأداء الفرائض.

ـ وفی مجمع الزوائد ۸|۱۷

عن أبی هریرة قال قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: رأس العقل بعد الإیمان بالله التودد الى الناس.

وعن بریدة قال: کنا عند رسول الله صلى الله علیه وسلم، فأقبل رجل من قریش فأدناه رسول الله صلى الله علیه وسلم وقربه، فلما قام قال: یا بریدة أتعرف هذا ؟

قلت: نعم، هذا أوسط قریش حسباً، وأکثرهم مالاً، ثلاثاً.

فقلت یا رسول الله قد أنبأتک بعلمی فیه، فأنت أعلم.

فقال: هذا ممن لا یقیم الله له یوم القیامة وزناً.

وقد عقد البخاری فی صحیحه أکثر من باب لمدارة الناس، قال فی: ۷|۱۰۲

باب المداراة مع الناس. ویذکر عن أبی الدرداء إنا لنکشر فی وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم .. . عن عروة بن الزبیر أن عائشة أخبرته أنه استأذن على النبی صلى الله علیه وسلم رجل فقال: إئذنوا له فبئس ابن العشیرة أو بئس أخو العشیرة، فلما دخل ألان له الکلام، فقلت یارسول الله: قلت ما قلت، ثم ألنت له فی القول ؟! فقال: أی عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من ترکه أو ودعه الناس، اتقاء فحشه. انتهى.

ـ وفی وسیط النیسابوری ۲|۲۰۸

وقال الأنباری: کان النبی صلى الله علیه وآله یجاهر ببعض القرآن أیام کان بمکة، ویخفی بعضه اشفاقاً على نفسه من شر المشرکین الیه، والى أصحابه .. . انتهى.

المسألة الثانیة: الرد بالآیة على من زعم أن النبی صلى الله علیه وآله قد سُحِر:

فقد استدل عددٌ من علماء الفریقین بالآیة على کذب الروایات التی تزعم أن یهودیاً قد سحر النبی صلى الله علیه وآله فأخذ مشطه صلى الله علیه وآله وبعض شعره، وجعل فیه سحراً ودفنه





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۶

فی بئر .. وزعموا أن ذلک السحر أثَّر فی النبی صلى الله علیه وآله فصار یتخیل أنه فعل الأمر ولم یفعله!! وأنه بقی مدةً على تلک الحالة رجلاً مسحوراً! حتى دله رجل أو ملک أو جبرئیل، على الذی سحره وعلى البئر التی أودع المشط والمشاطة، فذهب النبی صلى الله علیه وآله الى البئر، ولکنه لم یستخرج المشط منها، لأنه کان شفی من السحر، ولم یرد أن یثیر فتنة، فأمر بدفن البئر!!

فقد روى البخاری هذه التهمة عن عائشة فی خمس مواضع من صحیحه، ففی: ۴|۹۱:

عن عائشة قالت: سُحِرَ النبى صلى الله علیه وسلم، وقال اللیث کتب الى هشام أنه سمعه ووعاه عن أبیه عن عائشة قالت سحر النبی صلى الله علیه وسلم حتى کان یخیل الیه أنه یفعل الشىَ وما یفعله، حتى کان ذات یوم دعا ودعا، ثم قال: أشعرت أن الله أفتانی فیما فیه شفائی ؟ أتانی رجلان فقعد أحدهما عند رأسی، والآخر عند رجلی، فقال أحدهما للآخر:

ما وجع الرجل ؟

قال: مطبوب!

قال: ومن طَبَّهُ ؟

قال: لبید بن الأعصم ؟

قال: فی ماذا ؟

قال: فی مشط ومشاقة وجف طلعة ذکر!

قال: فأین هو ؟

قال: فی بئر ذروان!

فخرج الیها النبی صلى الله علیه وسلم، ثم رجع فقال لعائشة حین رجع: نخلها کأنها روس الشیاطین!

فقلت: استخرجته ؟

فقال: لا، أما أنا فقد شفانی الله، وخشیت أن یثیر ذلک على الناس شراً، ثم




--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۷

دفنت البئر!! انتهى. ورواه فی : ۴|۶۸، و: ۴|۲۸ ـ ۲۹ و۱۶۴، ورواه مسلم فی : ۷|۱۴، وغیره .. وغیره.

وقد رد هذه التهمة علماء الشیعة قاطبةً، وقد تجرأ قلیل من العلماء السنیین على ردها! ومما استدلوا به آیة ( والله یعصمک من الناس ).

ـ قال الطوسی فی تفسیر التبیان: ۱|۳۸۴

ماروی من أن النبی صلى الله علیه وآله سحر ـ وکان یرى أنه یفعل مالم یفعله ـ فأخبار آحادٍ لایلتفت الیها، وحاشا النبی صلى الله علیه وآله من کل صفة نقصٍ، إذ تنفر من قبول قوله، لأنه حجة الله على خلقه، وصفیه من عباده، واختاره الله على علمٍ منه، فکیف یجوز ذلک مع ما جنبه الله من الفظاظة والغلظة وغیر ذلک من الأخلاق الدنیئة والخلق المشینة، ولا یجوِّز ذلک على الأنبیاء إلا من لم یعرف مقدارهم، ولا یعرفهم حقیقة معرفتهم. وقد قال الله تعالى: والله یعصمک من الناس، وقد أکذب الله من قال: إن یتبعون إلا رجلاً مسحوراً فقال: وقال الظالمون إن یتبعون إلا رجلاً مسحورا. فنعوذ بالله من الخذلان.

ـ وقال ابن إدریس العجلی فی السرائر: ۳|۵۳۴

والرسول علیه السلام ما سُحِر عندنا بلا خلاف، لقوله تعالى: والله یعصمک من الناس. وعند بعض المخالفین أنه سُحر، وذلک بخلاف التنزیل المجید!

ـ وقال المجلسی فی بحار الأنوار: ۶۰|۳۸

ومنها سورة الفلق، فقد اتفق جمهور المسلمین على أنها نزلت فیما کان من سحر لبید بن أعصم الیهودی لرسول الله صلى الله علیه وآله حتى مرض ثلاث لیال.

ومنها ما روی أن جاریة سحرت عایشة، وأنه سحر ابن عمر حتى تکوعت یده!

فإن قیل: لو صح السحر لأضرت السحرة بجمیع الأنبیاء والصالحین، ولحصلوا لأنفسهم ( على ) الملک العظیم، وکیف یصح أن یسحر النبی صلى الله علیه وآله وقد قال الله: والله یعصمک من الناس، ولا یفلح الساحر حیث أتى! وکانت الکفرة یعیبون النبی صلى الله علیه وآله بأنه مسحور، مع القطع بأنهم کاذبون. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۸

وممن رد هذه التهمة من السنیین: النووی فی المجموع: ۱۹|۲۴۳، قال:

قلت: وأکتفی بهذا القدر من أحادیث سحر الرسول صلى الله علیه وآله .. . تنبیه: قال الشهاب بعد نقل فی التأویلات: عن أبی بکر الأصم أنه قال: إن حدیث سحره صلى الله علیه وسلم المروی هنا متروکٌ لما یلزمه من صدق قول الکفرة أنه مسحور، وهو مخالف لنص القرآن حیث أکذبهم الله فیه.

ونقل الرازی عن القاضی أنه قال: هذه الروایة باطلةٌ، وکیف یمکن القول بصحتها والله تعالى یقول: والله یعصمک من الناس، وقال: ولا یفلح الساحر حیث أتى، ولأن تجویزه یفضی الى القدح فی النبوة، ولأنه لو صح ذلک لکان من الواجب أن یصلوا الى ضرر جمیع الأنبیاء والصالحین. انتهى.

ـ والرازی فی تفسیره: ۱۶ جزء ۳۲|۱۸۷ قال: قول جمهور المسلمین أن لبید بن أعصم الیهودی سحر النبى صلى الله علیه وآله فى إحدى عشرة عقدة .. . فاعلم أن المعتزلة أنکروا ذلک بأسرهم. وکیف یمکن القول بصحتها والله تعالى یقول: والله یعصمک من الناس .. . قال الأصحاب: هذه القصة قد صحت عند جمهور أهل النقل .. . الخ. انتهى.

ولکن هؤلاء قلة من علماء السنة، فأکثرهم یقبلون أحادیث سحر نبیهم!!

وأصل المشکلة عندهم أنهم یقبلون کلام عائشة وکلام البخاری مهما کان، ولا یسمحون لأنفسهم ولا لأحدٍ أن یبحثه وینقده .. وقد أوقعهم هذا المنهج فی مشکلات عقائدیة عدیدة، فی التوحید والنبوة والشفاعة .. ومنها أحادیث بدء الوحی وورقة بن نوفل، وحدیث الغرانیق الذی أخذه المرتد سلمان رشدی وحرفه وسماه الآیات الشیطانیة .. ومنها أحادیث أن الیهود سحروا النبی صلى الله علیه وآله التی رواها البخاری عن عائشة!

وقد تحیروا فیها کما رأیت، ولم یجرأ أحد منهم على القول إنها من المکذوبات على عائشة، أو من خیالات النساء ..





--------------------------------------------------------------------------------

۲۱۹

والرد الصحیح أن تهمة السحر تتنافى مع أصل النبوة، وأنها تهمة الکفار التی برأ الله نبیه صلى الله علیه وآله ، منها بنص القرآن، کما تقدم.

أما ردها بآیة العصمة فهو ضعیف، لأنه قد یجاب عنه بأن آیة العصمة نزلت فی آخر عمره صلى الله علیه وآله ، وقصة السحر المزعومة کانت قبلها.

وأما على تفسیرنا للآیة، فقد عرفت أن القدر المتیقن من العصمة فیها عصمته صلى الله علیه وآله من ارتداد قریش والمسلمین فی حیاته، بسبب تبلیغه ولایة عترته من بعده .. فیقتصر فیها على هذا القدر المتیقن، ما لم یقم دلیل على شمولها لغیره.

وقد أکثر المفسرون والشراح السنییون من الکلام فی هذا الموضوع، وتجشموا احتمالات کثیرة .. کل ذلک بسبب تفسیرهم الخاطىَ للآیة وتصورهم أنها تفید عصمته صلى الله علیه وآله من القتل والسم والجرح والأذى.

ومن ذلک أنهم تصوروا أن الآیة تعارض الروایة القائلة إن موته صلى الله علیه وآله استند الى اللقمة التی أکلها من الشاة المسمومة التی قدمتها الیه الیهودیة، ثم أتاه جبریل علیه السلام فأخبره فامتنع عن الأکل، فانتقض علیه سم تلک اللقمة بعد سنة فتوفی بسببه ..

ـ قال فی هامش الشفا ۱|۳۱۷:

فإن قیل: ما الجمع بین قوله تعالى ( والله یعصمک من الناس ) وبین هذا الحدیث المقتضی لعدم العصمة، لأن موته علیه السلام بالسم الصادر من الیهودیة ؟

والجواب: أن الآیة نزلت عام تبوک، والسم کان بخیبر قبل ذلک.




ومن ذلک ما تحیروا فیه من أن النبی صلى الله علیه وآله قد تمنى القتل فی سبیل الله تعالى، مع أنه الآیة تدل على عصمته من القتل، فهل یجوز أن یتمنى النبی شیئاً وهو یعلم أنه لا یکون ؟! قال فی فتح الباری فی شرح البخاری: ۸|۲۶۴۴: عن أبی هریرة قال سمعت النبی صلى الله علیه وآله یقول .. والذی نفسی بیده لوددت أن أقتل فی سبیل الله ....





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۰

استشکل بعض الشراح صدور هذا التمنی من النبی صلى الله علیه وسلم مع علمه بأنه لا یقتل، وأجاب بن التین بأن ذلک لعله کان قبل نزول قوله تعالى: والله یعصمک من الناس، وهو متعقب فإن نزولها کان فی أوائل ما قدم المدینة، وهذا الحدیث صرح أبو هریرة بأنه سمعه من النبی صلى الله علیه وسلم، وإنما قدم أبو هریرة فی أوائل سنة سبع من الهجرة.

والذی یظهر فی الجواب: أن تمنى الفضل والخیر لا یستلزم الوقوع، فقد قال صلى الله علیه وسلم: وددت لو أن موسى صبر، کما سیأتی فی مکانه، وسیأتی فی کتاب التمنی نظائر لذلک، وکأنه صلى الله علیه وسلم أراد المبالغة فی بیان فضل الجهاد وتحریض المسلمین علیه، قال بن التین: وهذا أشبه.

وحکى شیخنا بن الملقن أن بعض الناس زعم أن قوله ( ولوددت ) مدرج من کلام أبی هریرة، قال: وهو بعید. ونحوه فی عمدة القاری: ۷ جزء ۱۴|۹۵

. ونقول: لو ثبت ذلک عنه صلى الله علیه وآله لکان تمنیاً حقیقیاً، لأن الآیة إنما تضمن عدم ردة الناس فی حیاته صلى الله علیه وآله ، ولا ربط لها بضمان عدم القتل والجرح والأذى.







--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۱



الفصـل الثالـث



قصـة الغدیـر

قریش فی حجة الوداع



رأیت فی أحادیث حجة الوداع کیف رکز النبی صلى الله علیه وآله فی خطبه وکلامه وتصرفاته على مقام أهل بیته علیهم السلام فبشر الأمة بالائمة الإثنی عشر منهم .. وبلغها أن الله تعالى جعل وجوب طاعتهم الى جانب القرآن، فسماهم مع القرآن ( الثقلین ) ، وأنه تعالى حرم علیهم الصدقات وجعل لهم مالیة خاصة هی: الخمس .. الخ.

لقد کانت خطبه صلى الله علیه وآله فی الحج، وما رافقها من أعماله وأقواله، فی علی وفاطمة والحسن والحسین علیهم السلام ، أقصى ما یمکن أن تتحمله قریش من ترسیخ قیادة بنی هاشم، و ( حرمان ) بقیة قبائل قریش من القیادة حسب زعمهم، بل تکریس قریش عبیداً طلقاء لبنی هاشم!!

ولا تذکر المصادر السنیة ردة الفعل الصریحة لزعماء قریش المعروفین على هذه الخطب والأعمال النبویة فی حجة الوداع.

ومن الطبیعی أن لا تذکر ذلک .. فهل ترید من مصدر قرشی أن یعترف لک بأن





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۲

قریشاً لم تکن مرتاحة لکلام النبی صلى الله علیه وآله؟! وأن سهیل بن عمرو، وعکرمة بن أبی جهل، وصفوان بن أمیة بن خلف، وحکیم بن حزام، وصهیب بن سنان، وأبا الأعور السلمی .. . وغیرهم، وغیرهم .. کانوا مکفهری الوجوه من تمهید النبی صلى الله علیه وآله لبنی هاشم، وأنهم نشطوا فی اتصالاتهم مع القرشیین المهاجرین، من غیر بنی هاشم لمعالجة هذا الإتجاه النبوی الخطیر ؟!!

أما مصادرنا الشیعیة فتذکر أنهم نشطوا ضد بنی هاشم فی حجة الوداع، وأن نشاطهم زاد فی منى فی أیام التشریق، وکانت نتیجة مشاوراتهم ومحادثاتهم أن کتبوا بینهم صحیفة تسمیها مصادرنا ( الصحیفة الملعونة ) لأنهم تعاهدوا فیها أن لا یسمحوا لبنی هاشم أن یجمعوا بین النبوة والخلافة!

وتذکر أن بضعة نفر من ممثلیهم انسلوا خفیةً من منى الى مکة، ووقعوا الصحیفة فی داخل الکعبة!

فکانت صحیفة قرشیة جدیدة ضد بنی هاشم، ولکنها هذه المرة لیست لمحاصرتهم فی الشعب باسم اللات والعزى .. بل لعزلهم سیاسیاً وحرمانهم من القیادة بعد النبی صلى الله علیه وآله ، باسم الإسلام!!

وذکرت مصادرنا أن الله تعالى أطلع نبیه صلى الله علیه وآله على هذه الصحیفة، فأخبر أصحابها بفعلتهم، فارتعدت فرائصهم!

ولکنه صلى الله علیه وآله اکتفى بإتمام الحجة علیهم، وترک لهم حریة العمل وفق قانون تبلیغ الأنبیاء علیهم السلام وواجبهم فی إقامة الحجة لله تعالى على عباده!

وإذا کان ما ذکرته الصحاح السنیة من لغطٍ وکلامٍ وضجةٍ وصراخٍ فی وسط خطبة النبی صلى الله علیه وآله فی عرفات، عندما وصل الى نسب الأئمة الإثنی عشر من بعده ـ إذا کان ذلک واحداً من فعالیات قریش المنظمة ضد بنی هاشم ـ فلا بد أن یکون النبی صلى الله علیه وآله أنبهم علیه أیضاً، وعرفهم أنه مطلعٌ علیه جیداً!!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۳




نتائج حجة الوداع



على أی حال، فقد اعتبر القرشیون أن حجة الوداع مرَّت بسلامٍ نسبیاً، فقد تحدث النبی صلى الله علیه وآله کثیراً عن بنی هاشم وعن عترته وعن ذریته من فاطمة، وعن اختیار الله تعالى لهم، وللأئمة منهم، وعن تحریم الصدقات علیهم، وفرض الخمس لهم .. ولکنه لم یتخذ إجراءً عملیاً والحمد لله، ولم یطلب من قریش والمسلمین أن یبایعوا علیاً کبیر العترة، بصفته الإمام الأول من العترة!

أما النبی صلى الله علیه وآله فقد اعتبر أنه بلغ رسالة ربه فی عترته بأقصى ما یمکنه، وأن قریشاً لا تتحمل أکثر من ذلک .. فقد وصل الأمر عندها الى آخر حدود الصبر، ولو طلب منها بیعة علی بخلافته، فإنها قد تطعن فی نبوته وتتهمه بأن هدفه إقامة ملک لبنی هاشم، شبیهاً بملک کسرى وقیصر!!

وبذلک تستطیع قریش أن تقود حرکة ردة فی العرب، وتخوفهم من القبول بملک بنی هاشم بعد النبی صلى الله علیه وآله ، ملک یبدأ بعلی ثم یکون للحسن ثم للحسین، ثم لا یخرج من أبناء فاطمة الى یوم القیامة!

وقد سجلت المصادر شبیه هذه العبارات، على ألسنة زعماء قریش! وکأن الملک ملک محمد صلى الله علیه وآله وکأنه هو الذی أعطاه أو یرید أن یعطیه لعترته علیهم السلام !!




الوحی یضغط على النبی صلى الله علیه وآله من السماء وقریش من الأرض



کان جبرئیل علیه السلام فی حجة الوداع وظروفها المصیریة ینزل على النبی صلى الله علیه وآله بأوامر ربه، وقد یکون رافقه طوال موسم الحج، وأملى علیه عبارات خطبه .. .

وکان مما قال له فی المدینة:

یا محمد إن الله عز وجل یقرؤک السلام ویقول لک إنه قد دنا أجلک، وإنی مستقدمک علیَّ، ویأمرک أن تدل أمتک على حجهم، کما دللتهم على صلاتهم وزکاتهم وصیامهم.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۴

وحج النبی صلى الله علیه وآله بالمسلمین، وعلمهم حجهم، وواصل ترکیز مبادىَ الإسلام فی نفوسهم، ومکانة الأئمة من عترته، کما مر فی حدیث الأئمة الإثنی عشر، وحدیث الثقلین، وحدیث فرض الخمس لهم، وتحریم الصدقات علیهم .. الخ.

وفی آخر أیام الحج نزل علیه جبرئیل علیه السلام أن الله تعالى یأمرک أن تدل أمتک على ولیهم، فاعهد عهدک، واعمد الى ماعندک من العلم ومیراث الأنبیاء فورثه إیاه، وأقمه للناس علماً، فإنی لم أقبض نبیاً من أنبیائی إلا بعد إکمال دینی، ولم أترک أرضی بغیر حجة على خلقی .. .

فأخذ النبی صلى الله علیه وآله یفکر فی طریقة الإعلان، نظراً الى وضع قریش المتشنج، وقال فی نفسه: أمتی حدیثو عهد بالجاهلیة ومتى أخبرتهم بهذا فی ابن عمی یقول قائل، ویقول قائل! لذلک قرر أن ینفذ هذا الأمر الإلَهی الجدید فی عترته، بعد رجوعه الى المدینة، بالتمهید المناسب، وبمعونة الأنصار ..




الوحی یوقف القافلة النبویة



ورحل النبی صلى الله علیه وآله من مکة وهو ناوٍ أن یکون أول عمل یقوم به فی المدینة إعلان ولایة عترته، کما أمره ربه تعالى.

لکن فی الیوم الثالث من مسیره، عندما وصل الى کراع الغمیم، وهو کما فی مراصد الإطلاع: موضع بین مکة والمدینة، أمام عسفان بثمانیة أمیال .. جاءه جبرئیل علیه السلام لخمس ساعات مضت من النهار، وقال له: یامحمد إن الله عز وجل یقرؤک السلام ویقول لک ( یاأیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله یعصمک من الناس، إن الله لایهدی القوم الکافرین ) .

فخاف النبی صلى الله علیه وآله وخشع لربه، وتَسَمَّرَ فی مکانه، وأصدر أمره الى المسلمین بالتوقف، وکان أولهم قد وصل الى مشارف الجحفة، وکانت الجحفة بلدةً عامرةً على بعد میلین أو أقل من کراع الغمیم، ولکن النبی صلى الله علیه وآله أراد تنفیذ الأمر الإلَهی المشدد، فوراً فی المکان الذی نزل فیه الوحی .. !





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۵

قال صلى الله علیه وآله للناس: أنیخوا ناقتی فوالله ما أبرح من هذا المکان حتى أبلغ رسالة ربی.. وأمرهم أن یردوا من تقدم من المسلمین الیه، ویوقفوا من تأخر منهم حین یصلون الیه ..

ونزل صلى الله علیه وآله عن ناقته، وکان جبرئیل الى جانبه، ینظر الیه نظرة الرضا، وهو یراه یرتجف من خشیة ربه، وعیناه تدمعان خشوعاً وهو یقول: تهدیدٌ .. ووعدٌ ووعیدٌ .. لأمضین فی أمر الله، فإن یتهمونی ویکذبونی فهو أهون علی من أن یعاقبنى العقوبة الموجعة فی الدنیا والآخرة!

وقبل أن یفارقه جبرئیل أشار الیه فنظر النبی صلى الله علیه وآله فإذا على یمینه دوحة أشجار، فودع جبرئیل ومال الیها، وحطَّ رحال النبوة عند غدیر خُمٍّ.

قال بعض المسلمین: فبینا نحن کذلک، إذ سمعنا رسول الله صلى الله علیه وآله وهو ینادی: أیها الناس أجیبوا داعی الله .. فأتیناه مسرعین فی شدة الحر، فإذا هو واضعٌ بعض ثوبه على رأسه.

ونادى منادی النبی صلى الله علیه وآله فی الناس بالصلاة جامعة، ووقت الصلاة لم یحن بعد ولکن حانت قبلها ( صلاة ) أخرى لا بد من أدائها قبل صلاة الظهر.

إنها فریضة ولایة عترته الطاهرة، ولا بد أن یبلغها عن ربه الى المسلمین مهما قال فیه قائلون، وقال فیهم قائلون .. فقد شدد علیه ربه فی ذلک: وأفهمه أن مسألة عترته لیست مسألةً شخصیةً تخصه .. وأنک إن کنت تخشى الناس، فالله أحق أن تخشاه وسیعصمک منهم، فاصدع بما تؤمر!!

ونزل المسلمون حول نبیهم صلى الله علیه وآله ، وکان ذلک الیوم قائظاً شدید الحر، فأمرهم أن یکسحوا تحت الأشجار لتکون مکاناً لخطبة الولایة، ثم للصلاة فی ذلک الهجیر، وأمرهم أن ینصبوا له أحجاراً کهیئة المنبر، لیشرف على الناس ..

ورتب المسلمون المکان والمنبر، ووضعوا على أحجاره حدائج الإبل، فصار منصةً أکثر ارتفاعاً، وحسناً ..





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۶

وورد المسلمون ماء الغدیر فشربوا منه، واستقوا، وتوضؤوا .. وتجمعوا لاستماع الخطبة قبل الصلاة، ولم یتسع لهم المکان تحت دوحة الغدیر، وکانت ستَّ أشجارٍ کبیرة، فجلس کثیر منهم فی الشمس، أو استظل بظل ناقته ..

عرف الجمیع أن أمراً قد حدث، وأن النبی صلى الله علیه وآله سیخطب .. فقد نزل علیه وحیٌ أو حدث أمرٌ مهمٌ أوجب أن یوقفهم فی هذا الهجیر، ولا یصبر علیهم حتى یصلوا الى مدینة الجحفة العامرة، التی تبعد عنهم میلین فقط!

کان مجموع المشارکین فی حجة الوداع من مئة ألف الى مئة وعشرین ألفاً کما ذکرت الروایات، ولکن هذا العدد کان فی عرفات ومنى .. أما بعد تمام الحج فقد توزعوا، فمنهم من أهل مکة وقد رجعوا الیها، ومنهم بلادهم عن طریق الطائف فسلکوا طریقها، وآخرون بلادهم عن طریق جدة وما الیها ..

والذین هم مع الرسول صلى الله علیه وآله عن طریق الجحفة والمدینة ألوفٌ کثیرةٌ أیضاً.. نحو عشرة آلاف .. فقد قال الإمام الصادق علیه السلام مؤرخاً تضییع قریش لحادثة الغدیر:

العجب مما لقی علی بن أبی طالب! إنه کان له عشرةُ آلافِ شاهدٍ ولم یقدر على أخذ حقه، والرجل یأخذ حقه بشاهدین!! الوسائل: ۱۸|۱۷۴

.



لم یدم طویلاً تطلع المسلمین الى ما سیفعله النبی صلى الله علیه وآله وما سیقوله .. فقد رأوه صعد على منبر الأحجار والأحداج، وبدأ باسم الله تعالى، وأخذ یرتل قصیدةً نبویةً فی حمد الله تعالى، والثناء علیه .. ویشهد الله والناس على عبودیته المطلقة لربه.

ثم قدم لهم عذره، لأنه اضطر أن ینزلهم فی مکان قلیل الماء والشجر، وما أمهلهم حتى یصلوا الى بلدة الجحفة المناسبة لنزول مثل هذا القافلة الکبیرة، المتوفر فیها ما یحتاج الیه المسافر .. ولا انتظر بهم وقت الصلاة، بل ناداهم قبل وقتها، وکلفهم الإستماع الیه فی حر الظهیرة ..





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۷

وأخبرهم أنه نزل علیه جبرئیل علیه السلام فی مسجد الخیف، وأمره أن یقیم علیاً للناس .. ثم قال لهم: إن الله عز وجل بعثنی برسالةٍ فضقت بها ذرعاً، وخفت الناس أن یکذبونی، فقلت فی نفسی من غیر أن ینطق به لسانی: أمتی حدیثو عهد بالجاهلیة، ومتى أخبرتهم بهذا فی ابن عمی، یقول قائل، ویقول قائل! فأتتنی عزیمة من الله بتلة ( قاطعة ) فی هذا المکان، وتواعدنی إن لم أبلغها لیعذبنی.

وقد ضمن لی تبارک وتعالى العصمة من الناس، وهو الکافی الکریم، فأوحى إلی: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله یعصمک من الناس، إن الله لایهدی القوم الکافرین.

ثم قال صلى الله علیه وآله : لا إلَه إلا هو، لا یؤمن مکره، ولا یخاف جوره، أقرُّ له على نفسی بالعبودیة، وأشهد له بالربوبیة، وأؤدی ما أوحى إلی، حذراً من أن لا أفعل فتحل بی منه قارعةٌ، لا یدفعها عنی أحدٌ، وإن عظمت حیلته.

أیها الناس: إنی أوشک أن أدعى فأجیب، فما أنتم قائلون ؟

فقالوا: نشهد أنک قد بلغت ونصحت.

فقال: ألیس تشهدون أن لا إلَه إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حقٌ وأن النار حقٌ وأن البعث حق ؟

قالوا: یا رسول الله بلى.

فأومأ رسول الله الى صدره وقال: وأنا معکم.

ثم قال رسول الله: أنا لکم فرط، وأنتم واردون علیَّ الحوض، وسعته مابین صنعاء الى بصرى، فیه عدد الکواکب قدحان، ماؤه أشد بیاضاً من الفضة .. فانظروا کیف تخلفونی فی الثقلین.

فقام رجل فقال: یارسول الله وما الثقلان ؟

قال: الأکبر: کتاب الله، طرفه بید الله، وسبب طرفه بأیدیکم فاستمسکوا به ولا تزلوا ولا تضلوا.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۸

والأصغر: عترتی أهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی، وإنهما لن یفترقا حتى یردا علیَّ الحوض .. سألت ربی ذلک لهما فلا تقدموهم فتهلکوا ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منکم.

أیها الناس: ألستم تعلمون أن الله عز وجل مولای، وأنا مولى المؤمنین، وأنی أولى بکم من أنفسکم ؟

قالوا: بلى یا رسول الله.

قال: قم یا علی. فقام علی، وأقامه النبی صلى الله علیه وآله عن یمینه، وأخذ بیده ورفعها حتى بان بیاض إبطیهما، وقال:

من کنت مولاه فعلی مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حیث دار.

فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لکم ولیاً وإماماً مفترضاً طاعته على المهاجرین والأنصار، وعلى التابعین لهم بإحسان، وعلى البادی والحاضر، وعلى الأعجمی والعربی، والحر والمملوک، والصغیر والکبیر.

فقام أحدهم فسأله وقال: یارسول الله ولاؤه کماذا ؟

فقال صلى الله علیه وآله : ولاؤه کولائی، من کنت أولى به من نفسه فعلیٌّ أولی به من نفسه!

وأفاض النبی صلى الله علیه وآله فی بیان مکانة علی والعترة الطاهرة والأئمة الإثنی عشر من بعده: علی والحسن والحسین، وتسعة من ذریة الحسین، واحدٌ بعد واحد، مع القرآن والقرآن معهم، لا یفارقونه ولا یفارقهم، حتى یردوا علیَّ حوضی

ثم أشهد المسلمین مراتٍ أنه قد بلغ عن ربه .. فشهدوا له ..

وأمرهم أن یبلغ الشاهد الغائب .. فوعدوه وقالوا: نعم ..

وقام الیه آخرون فسألوه .. . فأجابهم ..







--------------------------------------------------------------------------------

۲۲۹

وما أن أتم خطبته، حتى نزل جبرئیل بقوله تعالى ( الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دینا ) . فکبر رسول الله صلى الله علیه وآله وقال: ألله أکبر على إکمال الدین وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتی، وولایة علی بعدی .. .

ونزل عن المنبر، وأمر أن تنصب لعلی خیمة، وأن یهنئه المسلمون بولایته علیهم .. حتى أنه أمر نساءه بتهنئته، فجئن الى باب خیمته وهنأنه!

وکان من أوائل المهنئین عمر بن الخطاب فقال له: بخٍ بخٍ لک یابن أبی طالب، أصبحت مولای ومولى کل مؤمن ومؤمنة!

وجاء حسان بن ثابت، وقال: إئذن لی یارسول الله أن أقول فی علی أبیاتاً تسمعهن، فقال: قل على برکة الله، فأنشد حسان:



یـنادیهمُ یوم الغـدیر نبیُّهُمْ * بخمٍّ فأسمع بالرسول منادیءا

بقول فمن مـولاکمُ وولیُّکُمْ * فقالوا ولم یبدوا هناک التعامیا

إلَهـک مـولانا وأنت ولینا * ولم ترَ منا فی الولایة عاصیا

فقال لـه قم یا علیُّ فإننی * رضیتک من بعدی إماماً وهادیا

فمن کنت مولاه فهذا ولیه * فکونوا له أنصار صدق موالیا

هناک دعا اللهم وال ولیـه * وکن للذی عادى علیاً معادیا



أخذنا هذا التسلسل فی قصة الغدیر من مصادرنا المتعددة مثل: کمال الدین وتمام النعمة للصدوق|۲۷۶، والإحتجاج للطبرسی: ۱|۷۰، وروضة الواعظین للنیسابوری|۸۹، والمسترشد|۱۱۷، وغیرها.

وقد روت مصادر السنة حدیث الغدیر قریباً مما فی مصادرنا، وتجد ذلک فی کتاب الغدیر للأمینی.

ونکتفی هنا بنقل روایة مسلم فی صحیحه: ۷|۱۲۲ قال:

عن یزید ابن حیان قال: انطلقت أنا وحصین بن سبرة وعمر بن مسلم، الى زید بن أرقم، فلما جلسنا الیه قال له حصین:





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۰

لقد لقیت یازید خیراً کثیراً، رأیت رسول الله صلى الله علیه وسلم، وسمعت حدیثه، وغزوت معه، وصلیت خلفه، لقد لقیت یا زید خیراً کثیراً.

حدثنا یا زید ما سمعت من رسول الله صلى الله علیه وسلم.

قال: یا ابن أخی، والله لقد کبرت سنی وقدم عهدی، ونسیت بعض الذی کنت أعی من رسول الله صلى الله علیه وسلم، فما حدثتکم فاقبلوا، وما لا، فلا تکلفونیه.

ثم قال: قام رسول الله صلى الله علیه وسلم یوماً فینا خطیباً، بماء یدعى خمّاً بین مکة والمدینة، فحمد الله وأثنى علیه، ووعظ وذکر، ثم قال:

أما بعد، ألا أیها الناس، فإنما أنا بشرٌ یوشک أن یأتی رسول ربی فأجیب، وأنا تارک فیکم ثقلین:

أولهما کتاب الله، فیه الهدى والنور، فخذوا بکتاب الله واستمسکوا به، فحث على کتاب الله ورغب فیه، ثم قال:

وأهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی، أذکرکم الله فی أهل بیتی.

فقال له حصین: ومن أهل بیته یا زید ؟ ألیس نساؤه من أهل بیته ؟

قال: نساؤه من أهل بیته، ولکن أهل بیته من حرم الصدقة بعده.

قال: ومن هم ؟

قال: هم آل علی، وآل عقیل، وآل جعفر، وآل عباس.

قال: کل هؤلاء حرم الصدقة

قال: نعم. انتهى. ورواه أحمد فی مسنده: ۲|۳۶۶، وغیره .. وغیره.

ـ وقال الحاکم فی المستدرک ۳|۱۴۸

عن زید بن أرقم رضی الله عنه قال قال رسول الله صلى الله علیه وآله: إنی تارک فیکم الثقلین، کتاب الله وأهل بیتی، وإنهما لن یتفرقا حتى یردا علیَّ الحوض.

هذا حدیث صحیح الإسناد على شرط الشیخین، ولم یخرجاه. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۱

وقد رأیت أن مسلماً رواه، ولکن لفظ الحاکم فیه إخبارٌ نبوی باستمرار وجود إمام من أهل بیته صلى الله علیه وآله الى یوم القیامة.

ـ وانظر کیف صوَّر ابن کثیر القضیة فی بدایته: ۵|۴۰۸، قال:

لما تفرغ النبی من بیان المناسک، ورجع الى المدینة خطب خطبة عظیمة الشأن فی الیوم الثامن عشر من ذی الحجة بغدیر خم، تحت شجرة هناک، فبین فیها أشیاء، وذکر فی فضل علی بن أبی طالب وأمانته وعدله وقربه إلیه، وأزاح به ما کان فی نفوس کثیر من الناس منه، وقد اعتنى بأمر حدیث غدیر خم أبو جعفر الطبری، فجمع فیه مجلدین، وأورد فیها طرقه وألفاظه، وکذلک الحافظ الکبیر أبو القاسم بن عساکر أورد أحادیث کثیرة فی هذه الخطبة. انتهى.

فقد جعل القضیة أن کثیراً من المسلمین کانوا غاضبین من علی بن أبی طالب، متحاملین علیه فی أنفسهم، فأوقف النبی المسلمین صلى الله علیه وآله فی غدیر خم، لکی یثبت لهم براءة علی ویرضِّیهم عنه، فذکر فضله وقربه منه ( وأزاح به ما کان فی نفوس کثیر من الناس منه ) وبین فی خطبته ( أشیاء ) من هذا القبیل! وکان الله یحب المحسنین!

إن هذا الأسلوب إنما یکتب به مؤرخٌ من عشیرة بنی عبد الدار، الذین قتل علی منهم بضعة عشر فارساً منهم حملوا لواء قریش فی وجه رسول الله صلى الله علیه وآله ، ولکن المؤرخ المسلم لا یستطیع أن یکتب به إلا .. إذا کان مبغضاً لعلی بن أبی طالب!

فهل عرفت لماذا یحب ( السلفیون ) ابن کثیر ویهتمون بنشر کتبه ؟!




لماذا الجحفة وغدیر خم


والسؤال هنا: لماذا الوحی فی طریق المدینة .. والصحراء والظهیرة ؟

والجواب: أن الله تعالى قال بذلک لرسوله: المدینة أیها الرسول مثل مکة، فإن بلغت ولایة عترتک فیها، فقد تعلن قریش معارضتها ثم ردتها! فموقفها من عترتک جازم، ومستمیت .. وبما أن واجبک التبلیغ مجرد التبلیغ، وإنما بعثت للتبلیغ، فهو ممکنٌ هنا .. والزمان والمکان هنا مناسبان من جهات شتى، فبلغ ولا تؤخر.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۲

ومن أجل أن تکمل التبلیغ وتوصل لهم رسالتی .. سوف أعصمک من قریش، وأمسک بقلوبها وأذهانها، وألجم شیاطینها الحاضرین، وأعالج آثار التبلیغ، وأحفظ نبوتک فیها .. ثم أملی لها بعدک، فتأخذ دولتک وتضطهد عترتک .. حتى یتحقق فی أمتک وفی عترتک ما أرید! ولا أسأل عما أفعل، وهم یسألون.




والسؤال هنا: کیف تمت عصمة الله تعالى لنبیه صلى الله علیه وآله من قریش، فلم یحدث تشویش، ولم یقم معترض .. ! صحیح أن ثقل زعماء قریش کانوا فی مکة، لکن بعضهم کان فی قافلة الرسول صلى الله علیه وآله، وکان فیها قرشیون مهاجرون مؤیدون لهم !فکیف سکتت قریش وضبطت أعصابها، وهی تسمع تبلیغ الرسول فی علی والعترة ؟! ثم أشهدها النبی صلى الله علیه وآله على تبلیغ ذلک .. فشهدت.

ثم طلب منها أن تبلغ الغائبین .. فوعدت.

ثم جاءت الى خیمة علی وهنأته بالولایة، وإمرة المؤمنین!!

الجواب: أنه تعالى أراد للرسالة أن تصل، وللحجة أن تقام، وأن یبقى رسوله صلى الله علیه وآله محفوظ الشخصیة سالم النبوة .. فأسکت قریشاً بقدرته المطلقة، وکمَّمَ أفواهها فی غدیر خم.

والظاهر أن قریشاً أخذت تقنع نفسها بأن المسألة فی غدیر خم، لیست أکثر من إعلانٍ وإعلامٍ یضاف الى إعلانات حجة الوداع .. وأن النبی صلى الله علیه وآله مازال حیاً .. فإن مات، فلکل حادثٍ حدیث ..

وعندما أرادت قریش أن تخرج عن سکوتها، وتخطو خطوةً نحو الردة .. أنزل الله على ناطقها الرسمی النضر بن الحارث حجراً من سجیل فأهلکه، وأرسل على آخر ناراً فأحرقته!! فزاد ذلک من قناعة قریش بالسکوت فعلاً عن ولایة العترة!

أما النبی صلى الله علیه وآله فکان تفکیره رسولیاً، ولیس قرشیاً ..





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۳

لقد ارتاح ضمیره بأنه بلغ رسالة ربه کما أمره، واتقى غضب ربه وعذابه ..

واغرورقت عیناه بدموع الفرح والخشوع، لأن الله رضی عنه بإعلان ولایة علی، وأنزل علیه آیة إکمال الدین وإتمام النعمة، فأخبره بأن مهمته وصلت الى ختامها..

کان النبی صلى الله علیه وآله فی عیدٍ، لأنه أدى رسالة من أصعب رسالات ربه، فرضی عنه، وقد تکون أصعب رسالةٍ علیه فی عمره النبوی على الإطلاق .. وتمت المسألة بسلامٍ ولم تقم قائمة قریش، ولم یصب جابر بن سمرة وغیره بالصمم من لغط الناس عند سماع کلمة عترتی، أو کلمة علی، أو بنی هاشم.

ولم تحدث حرکة عصیان منظمة، کما حدثت فی المدینة عندما طلب النبی صلى الله علیه وآله قبل وفاته بأربعة أیام، أن یأتوه بدواة وقرطاسٍ لیکتب لهم کتاباً لن یضلوا بعده أبداً .. ولم تحدث حرکة ردة نهائیاً، والحمد لله!

ارتاح ضمیر النبی صلى الله علیه وآله بأنه بلغ رسالة ربه کما أمره.. وهذه هی الرسالة التی روى الحسن البصری أن الله أمر رسوله بها فضاق بها صدره، فتوعده ربه بالعذاب إن لم یبلغها، فخاف ربه وصدع بها .. ولکن الحسن البصری کما قال الراوی راوغ فیها وراغ عنها، ولم یخبرهم ما هی! وکل غلمان قریش إخوان الحسن البصری، من الفرس وغیرهم، یراوغون فیها وفی أمثالها، ویخفون ما أنزل الله تعالى فی عترة نبیه صلى الله علیه وآله !

کان النبی صلى الله علیه وآله یفکر ربانیاً بأعلى مستوى من البیعة .. یفکر على مستوى الأمر الإلَهی والإختیار الإلَهی، الذی لا خیرة فیه لأحد، ولا محل فیه للبیعة، إلا إذا طلبها من الناس النبی أو الوصی، فتجب.

فهذا هو منطق التبلیغ، وحسب!

ولذلک لم یشاورهم النبی صلى الله علیه وآله فی بیعة علی، لأن اختیار الله تعالى لا یحتاج الى مشورتهم، ولا بیعتهم، ولا رضاهم ..

لقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله علیه وآله أن یشاورهم لیتألفهم، ویسیروا معه فی الطریق الصحیح .. أما إذا عزمت فتوکل، ولا تسمع لکلام مخلوق لأنک تسیر بهدى الخالق!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۴

أما إذا عزم الله تعالى واختار للأمة ولیاً بعد نبیه صلى الله علیه وآله ، وقال لنبیه بلغ ولا تخف، ولست مسؤولاً عن إطاعة من أطاع ومعصیة من عصى .. فهل یبقى للمشاورة محلٌّ من الإعراب! وهل یبقى للبیعة محلٌّ من الإعراب!

لقد طلب منهم الرسول صلى الله علیه وآله تهنئة علی علیه السلام إقراراً بالإختیار الإلَهی، وهی تهنئةٌ أقوى من البیعة، وألزم منها للأعناق .. ثم لیفعلوا بعدها ما یحلو لهم .. فإنما على النبی صلى الله علیه وآله أن یبلغهم، وحسابهم على من یملک کل الأوراق، ویملک الدنیا والآخرة، ویفعل ما یرید .. سبحانه وتعالى!

وتدل روایاتنا على أنه صلى الله علیه وآله طلب منهم مع التهنئة البیعة، فیکون معناها أنه طلب منهم أیضاً إعلان التزامهم بإطاعة علی علیه السلام .. فأعلنوا!

ولکن الأمر من ناحیة شرعیة وحقوقیة، لا یختلف، سواء أمرهم النبی صلى الله علیه وآله ببیعة علی علیه السلام أم أمرهم بتهنئته فقط .. فإن تبلیغ الولایة أقوى من التهنئة، والتهنئة أقوى من البیعة .. فالتبلیغ اصطفاء، والتهنئة خضوع، والبیعة وعدٌ بالإلتزام.

لقد سکتت قریش آنیاً بسبب أنها لم تکن حاضرةً کلها فی الجحفة .. وبسبب عنصر المفاجأة، وظرف المکان والزمان.

ولعلها کانت تقنع نفسها بأن منطق التفکیر النبوی یبقی لها مساحة للعمل ..

ذلک أن التبلیغ وإتمام الحجة کلامٌ ترکیٌّ عند قریش الناطقة بالضاد!

وحتى البیعة المأمور بها من النبی صلى الله علیه وآله یمکن لقریش أن تجعلها مثل المراسم الدینیة الأخرى، وتجردها من معنى إمامة علی وقیادة عترة النبی صلى الله علیه وآله من بعده!

فالباب فی تصور قریش مازال مفتوحاً أمامها للتصرف!!




المنطق النبوی حقق أهدافه وفضح قریشاً



نقلت المصادر السنیة ندم الخلیفة القرشی أبی بکر على إصداره أمراً بمهاجمة بیت علی وفاطمة علیهما السلام فی الیوم الثانی أو الثالث لوفاة النبی صلى الله علیه وآله .

ـ ففی مجمع الزوائد: ۵|۲۰۲

عن عبدالرحمن بن عوف قال: دخلت على أبی بکر أعوده فی مرضه الذی توفی فیه، فسلمت علیه وسألته: کیف أصبحت؟

فاستوى جالساً فقال: أصبحت بحمد الله بارئاً، فقال: أما إنی على ما ترى وجع وجعلتم لی شغلاً مع وجعی!

جعلت لکم عهداً من بعدی، واخترت لکم خیرکم فی نفسی، فکلکم ورم لذلک أنفه، رجاء أن یکون الأمر له!

ورأیت الدنیا أقبلت، ولما تقبل، وهی خائنة، وستنجدون بیوتکم بستور الحریر ونضائد الدیباج، وتألمون النوم على الصوف الأذربی، کأن أحدکم على حسک السعدان ( یقصد أنکم من ترفکم سترون السجاد الأذربیجانی خشناً لمنامکم مثل الشوک ).

والله لأن یقدم أحدکم فیضرب عنقه فی غیر حد، خیر له من أن یسبح فی غمرة الدنیا.

ثم قال: أما إنی لا آسى على شیء إلا على ثلاث فعلتهن وددت أنی لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت أنی فعلتهن، وثلاث وددت أنی سألت رسول الله صلى الله علیه وسلم عنهن.

فأما الثلاث التی وددت أنی لم أفعلهن: فوددت أنی لم أکن کشفت بیت فاطمة وترکته، وإن أغلق على الحرب.

ووددت أنی یوم سقیفة بنی ساعدة، قذفت الأمر فی عنق أحد الرجلین، أبی عبیدة أو عمر، وکان أمیر المؤمنین وکنت وزیراً.

ووددت أنی حین وجهت خالد بن الولید الى أهل الردة، أقمت بذی القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإلا کنت ردءاً ومدداً.

وأما الثلاث اللاتی وددت أنی فعلتها: فوددت أنی یوم أتیت بالأشعث أسیراً ضربت عنقه، فإنه یخیل إلی أنه لا یکون شرٌّ إلا طار إلیه.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۶

ووددت أنی یوم أتیت بالفجاءة السلمی، لم أکن أحرقته، وقتلته سریحاً أو أطلقته نجیحاً.

ووددت أنی حین وجهت خالد بن الولید الى الشام، وجهت عمر الى العراق فأکون قد بسطت یمینی وشمالی فی سبیل الله عز وجل.

وأما الثلاث اللاتی وددت أنی سألت رسول الله صلى الله علیه وسلم عنهن:

فوددت أنی سألته فیمن هذا الأمر فلا ینازع أهله.

ووددت أنی کنت سألته هل للأنصار فی هذا الأمر سبب؟

ووددت أنی سألته عن العمة وبنت الأخ، فإن فی نفسی منهما حاجة. انتهى.

وغرضنا من النص بیان حالة الخلیفة وأنه یقصد بقوله ( وددت أنی لم أکن کشفت بیت فاطمة وترکته وإن أغلق على الحرب ) أنه نادمٌ على مهاجمة البیت، حتى لو کان أهله یعدون العدة لحربه!

وخلاصة القصة: أن أبا بکر أرسل الى علی علیه السلام یطلب منه أن یبایعه، فامتنع علی عن بیعته، وأجابهم جواباً شدیداً، اتهمهم فیه.

وبلغ أبا بکر أن عدداً من الأنصار والمهاجرین اجتمعوا فی بیت علی الذی کان یعرف ببیت فاطمة علیهما السلام ، فأشار علیه عمر بأن یهاجموا البیت ویهددوهم بإحراقه علیهم، إن لم یخرجوا ویبایعوا!

وبالفعل هاجمت مجموعة بقیادة عمر بن الخطاب بیت الزهراء علیها السلام وحاصروه وجمَّعوا الحطب على باب داره، وهددوا علیاً وفاطمة علیهما السلام والذین کانوا فی البیت ـ ومنهم مؤیدون لموقف علی، ومنهم جاؤوا معزین بوفاة النبی صلى الله علیه وآله ـ هددوهم بأنهم إما أن یخرجوا ویبایعوا أبا بکر، أو یحرقوا علیهم الدار بمن فیه!

وبالفعل أشعلوا الحطب فی باب الدار الخارجی !!

ولم یشأ علی علیه السلام أن یخرج الیهم بذی الفقار عملاً بوصیة النبی صلى الله علیه وآله ، حیث کان أخبره بکل ما سیحدث، وأمره فیه بأوامره .. فخرجت الیهم فاطمة الزهراء علیها السلام





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۷

فأهانوها وضربوها، حتى أسقطت جنینها .. الى آخر تلک الأحداث المؤلمة لقلب کل مسلم ..

فی ذلک الظرف، قرر علی وفاطمة علیهما السلام أن یستنهضا الأنصار ویطالباهم بالوفاء ببیعة العقبة، التی شرط علیهم النبی صلى الله علیه وآله فیها أن یحموه وأهل بیته وذریته، مما یحمون منه أنفسهم وذراریهم، فبایعوه على ذلک!

وکانت فاطمة علیها السلام مریضة مما حدث لها فی الهجوم على بیتها، فأرکبها علی علیه السلام على دابة، وأخذا معهما أولادهما الحسن والحسین وزینب وأم کلثوم، وجالوا على بیوت رؤساء الأنصار فی تلک اللیلة والتی بعدها، وکلمتهم فاطمة علیها السلام فکان قول أکثرهم: یا بنت رسول الله، لو سمعنا هذا الکلام منک قبل بیعتنا لأبی بکر، ما عدلنا بعلی أحداً! فقالت الزهراء علیها السلام :




وهل ترک أبی یوم غدیر خمٍّ لأحدٍ عذراً !! ( الخصال|۱۷۳ )


إن منطق الزهراء علیها السلام هو منطق أبیها رسول الله صلى الله علیه وآله تماماً .. فهی بضعةٌ منه، وهی مطهرةٌ من منطق المثَّاقلین الى الأرض وتفکیرهم .. وکل تکوینها وتفکیرها ومشاعرها وتصرفاتها ربانیة، ولذلک قال عنها أبوها ( إن الله یرضى لرضا فاطمة، ویغضب لغضبها! ) ذلک أنها لیس لها شخصیتان: واحدةٌ رسالیة والأخرى شخصیة، فتغلبُ هذه مرةً وهذه مرة، بل وجودها موحدٌ منسجمٌ دائماً .. فهی أَمَةُ هذا الرب العظیم لا غیر، وتابعةُ هذا الرسول والأب الحبیب لا غیر .. صلى الله علیه وآله.

وفاطمة الزهراء تعرف أنه سبحانه یتعامل مع الناس بإقامة الحجة علیهم فی أصول الإسلام وتفاصیله، فی أسس العقیدة وجزئیات الشریعة، وفیما یجب على الأمة فی حیاة نبیها، وبعد وفاته ..

وقد أقام أبوها الحجة لربه کاملةً غیر منقوصة، فی جمیع الأمور، ومن أعظمها حق زوجها علی، وولدیها الحسن والحسین علیهم السلام الذین أعطاهم الله حق الولایة على الأمة بعد أبیها!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۸

بهذا المنطق قالت الزهراء علیها السلام للأنصار: إن جوابکم لی جواب سیاسی .. ومنطق الحجة الإلَهیة أعلى من منطق اللعب السیاسیة، ومهیمنٌ علیه، ومتقدم علیه رتبةً، وفاضحٌ له .. فقد بلَّغَ أبی صلى الله علیه وآله عن ربه، وأخبرکم أن المالک العظیم سبحانه قد قضى الأمر، وجعل لأمة رسوله ولیاً .. فمتى کان لکم الخیرة من أمرکم حتى تختاروا زیداً أو عمراً، بعد أن قضى الله ورسوله أمراً !!

فالحجة علیکم تامةٌ من أبی، والآن منی، ونعم الموعدُ القیامة، والزعیمُ محمد صلى الله علیه وآله وعند الساعة یخسر المبطلون!




لقد کان إعلان غدیر خمٍّ عملاً ربانیاً خالداً، بمنطق التبلیغ والأعمال الرسولیة .. وکانت الأعمال المقابلة له أعمالاً قویةً بمنطق الأعمال السیاسیة، وفرض الأمر الواقع .. والعمل السیاسی قد یغلب العمل الرسولی .. ولکنها غلبةٌ سیاسیةٌ جوفاء بلا حجة! ولو استمرت سنین، أو قروناً، أو الى ظهور المهدی الموعود علیه السلام.







--------------------------------------------------------------------------------

۲۳۹



الفصـل الرابـع


آیـة إکمـال الدیـن



آخر مانزل من القرآن



لیس من المبالغة القول: إن البحث الجاد فی أسباب نزول آیات القرآن وسوره، من شأنه أن یحدث تحولاً علمیاً، لأنه سیکشف العدید من الحقائق، ویبطل بعض المسلمات التی تصور الناس لقرون طویلة أنها حقائق ثابتة!

ذلک أن الجانب الریاضی فی أسباب النزول أقوى منه فی موضوعات التفسیر الأخرى ..

فعندما تجد خمس روایات فی سبب نزول آیة، وکل واحدة منها تذکر سبباً وتاریخاً لنزولها، وهی متناقضة فی المکان أو الزمان أو الحادثة .. فلا یمکنک أن تقول کلها مقبولة وکل رواتها صحابة، وکلهم نجوم بأیهم اقتدینا اهتدینا ..

بل لابد أن یکون السبب وأحداً من هذه الأسباب، أو من غیرها، والباقی غیر صحیح!

ولهذه الطبیعة المحددة فی سبب النزول، کانت مادة أسباب النزول مادة حاسمةً فی تفسیر القرآن .. وإن کانت صعوبة البحث فیها تعادل غناها، بل قد تزید علیه أحیاناً، لکثرة التشویش والتناقض والوضع فی روایاتها!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۰

ومهما یکن الأمر، فلا بد للباحثین فی تفسیر القرآن وعلومه، أن یدخلوا هذا الباب بفعالیةٍ وصبر، ویقدموا نتائج بحوثهم الى الأمة والأجیال، لأنها ستکون نتائج جدیدة ومفیدة فی فهم القرآن والسیرة، بل فی فهم العقائد والفقه والإسلام عموماً ..

وأکتفی من هذا الموضوع بهذه الإشارة لنستفید فی موضوعنا من أسباب النزول.



* *


لیس من العجیب أن یختلف المسلمون فی أول آیات نزلت على النبی صلى الله علیه وآله ، لأنهم لم یکونوا مسلمین آنذاک .. ثم إنهم باستثناء القلة، لم یکتبوا ما سمعوه من نبیهم فی حیاته، فاختلفوا بعده فی أحادیثه وسیرته.

ولهذا لا نعجب إذا وجدنا أربعة أقوال فی تعیین أول ما أنزله الله تعالى من کتابه: أنه سورة إقرأ. وأنه سورة المدثر. وأنه سورة الفاتحة. وأنه البسملة .. کما فی الإتقان للسیوطی: ۱|۹۱

ولکن العجیب اختلافهم فی آخر ما نزل من القرآن، وقد کانوا دولةً وأمةً ملتفَّةً حول نبیها، وقد أعلن لهم نبیهم صلى الله علیه وآله أنه راحلٌ عنهم عن قریب، وحج معهم حجة الوداع، ومرض قبل وفاته مدةً، وودعوه وودعهم !!

فلماذا اختلفوا فی آخر آیةٍ أو سورةٍ نزلت علیه صلى الله علیه وآله ؟ !!

الجواب: أن الأغراض الشخصیة والسیاسیة لم تدخل فی مسألة أول مانزل من القرآن کما دخلت فی مسألة آخر ما نزل منه .. کما سترى !!




سورة المائدة آخر ما نزل من القرآن



یصل الباحث فی مصادر الحدیث والفقه والتفسیر الى أن سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن .. وأن آیة ( الیوم أکملت لکم دینکم ) نزلت بعد إکمال نزول جمیع الفرائض .. وأن بعض الصحابة حاولوا أن یجعلوا بدل المائدة سوراً أخرى، وبدل آیة إکمال الدین، آیات أخرى!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۱




رأی أهل البیت علیهم السلام



ـ قال العیاشی فی تفسیره: ۱|۲۸۸

عن عیسى بن عبد الله، عن أبیه، عن جده، عن علی علیه السلام قال: کان القرآن ینسخ بعضه بعضاً، وإنما کان یؤخذ من أمر رسول الله صلى الله علیه وآله بآخره، فکان من آخر ما نزل علیه سورة المائدة، فنسخت ما قبلها ولم ینسخها شیء. لقد نزلت علیه وهو على بغلته الشهباء، وثقل علیه الوحی، حتى وقفت وتدلى بطنها، حتى رأیت سرتها تکاد تمس الأرض، وأغمی على رسول الله صلى الله علیه وآله حتى وضع یده على ذؤابة شیبة بن وهب الجمحی، ثم رفع ذلک عن رسول الله صلى الله علیه وآله ، فقرأ علینا سورة المائدة، فعمل رسول الله صلى الله علیه وآله وعملنا. انتهى.

ویقصد علی علیه السلام بذلک: أن المسح على القدمین فی الوضوء هو الواجب، ولیس غسلهما، لأن المسح نزل فی سورة المائدة، وعمل به النبی صلى الله علیه وآله والمسلمون ولم ینسخ. ورواه فی تفسیر نور الثقلین: ۱|۵۸۲ و: ۵|۴۴۷

ـ وفی الکافی: ۱|۲۸۹

علی بن إبراهیم، عن أبیه، عن ابن أبی عمیر، عن عمر بن أذینة، عن زرارة والفضیل بن یسار وبکیر بن أعین ومحمد بن مسلم وبرید بن معاویة وأبی الجارود، جمیعاً عن أبی جعفر علیه السلام قال: أمر الله عز وجل رسوله بولایة علی وأنزل علیه: إنما ولیکم الله ورسوله والذین آمنوا الذین یقیمون الصلاة ویؤتون الزکاة، وفرض ولایة أولی الأمر، فلم یدروا ما هی؟ فأمر الله محمداً صلى الله علیه وآله أن یفسر لهم الولایة، کما فسر لهم الصلاة والزکاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلک من الله ضاق بذلک صدر رسول الله صلى الله علیه وآله وتخوف أن یرتدوا عن دینهم، وأن یکذبوه، فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله عز وجل إلیه: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله یعصمک من الناس، فصدع بأمر الله تعالى ذکره، فقام بولایة علی علیه السلام یوم غدیر خم، فنادى الصلاة جامعة، وأمر الناس أن یبلغ الشاهد الغائب ـ




--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۲

قال عمر بن أذنیة: قالوا جمیعاً غیر أبی الجارود ـ وقال أبو جعفر علیه السلام : وکانت الفریضة تنزل بعد الفریضة الأخرى وکانت الولایة آخر الفرائض، فأنزل الله عز وجل: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی. قال أبو جعفر علیه السلام : یقول الله عز وجل: لا أنزل علیکم بعد هذه فریضة، قد أکملت لکم الفرائض.

ـ وفی تاریخ الیعقوبی: ۲|۴۳

وقد قیل إن آخر ما نزل علیه: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دینا، وهی الروایة الصحیحة، الثابتة الصریحة.




مصادر السنیین الموافقة لرأی أهل البیت علیهم السلام



ـ الدر المنثور: ۲|۲۵۲

وأخرج سعید بن منصور، وابن المنذر، عن أبی میسرة قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة، وإن فیها لسبع عشرة فریضة.

ـ المحلى: ۹|۴۰۷

روینا من طریق عائشة أم المؤمنین رضی الله عنهما أن سورة المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فیها حلالاً فحللوه، وما وجدتم فیها حراماً فحرموه. وهذه الآیة فی المائدة فبطل أنها منسوخة، وصح أنها محکمة.

ـ المحلى: ۷|۳۸۹

فإن هذا قد عارضه ما رویناه عنها من طریق ابن وهب، عن معاویة بن صالح، عن جری بن کلیب، عن جبیر بن نفیر قال: قالت لی عائشة أم المؤمنین: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم؟ قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فیها حراماً فحرموه. انتهى. ورواه أحمد فی مسنده: ۶|۱۸۸، ورواه البیهقی فی سننه: ۷|۱۷۲ عن ابن نفیر، ونحوه عن عبد الله بن عمرو. ورواه فی طبقات الحنابلة: ۱|۴۲۷، ورواه الحاکم: ۲| ۳۱۱ وقال: هذا حدیث صحیح على شرط الشیخین ولم یخرجاه.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۳

ثم روى عن عبد الله بن عمرو أن آخر سورة نزلت سورة المائدة وقال: هذا حدیث صحیح على شرط الشیخین ولم یخرجاه. انتهى. وستعرف أنهما لم یخرجاه مراعاة لعمر حیث ادعى أن آخر ما نزل من القرآن غیر المائدة.

ـ وفی مجمع الزوائد: ۱|۲۵۶

وعن ابن عباس أنه قال: ذکر المسح على الخفین، وعند عمر سعدٌ وعبد الله بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منک، فقال عبد الله بن عباس: یاسعد إنا لا ننکر أن رسول الله صلى الله علیه وسلم مسح، ولکن هل مسح منذ نزلت المائدة، فإنها أحکمت کل شیء، وکانت آخر سورة نزلت من القرآن، ألا تراه قال .. .

فلم یتکلم أحد.

رواه الطبرانی فی الأوسط، وروى ابن ماجة طرفاً منه، وفیه عبید بن عبیدة التمار وقد ذکره ابن حبان فی الثقات، وقال: یُغرب. انتهى.

یقصد الهیثمی أن الروایة ضعیفةٌ بهذا الراوی، الذی هو ثقة عند ابن حبان، ولکنه یروی روایات غریبة، أی مخالفة لمقررات المذهب الرسمی الذی یقول إن الواجب هو غسل الرجلین فی الوضوء، ویقول إن المائدة لیست آخر سورة نزلت!

ـ وفی الدر المنثور: ۲|۲۵۲

وأخرج أبو عبید عن ضمرة بن حبیب وعطیة بن قیس قالا: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: المائدة ( من ) آخر القرآن تنزیلاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها. انتهى.

ویشک الإنسان فی کلمة ( من ) التی تفردت بها هذه الروایة، وکأن راویها أضافها للمصالحة بین الواقع وبین ما تبنته السلطة، وجعلته مشهوراً.

ـ وفی تفسیر التبیان: ۳|۴۱۳

وقال عبد الله بن عمر: آخر سورة نزلت المائدة.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۴

ـ وفی الغدیر: ۱|۲۲۸

ونقل ابن کثیر من طریق أحمد والحاکم والنسائی عن عایشة: أن المائدة آخر سورة نزلت. انتهى.

ویتضح من مجموع ذلک أن المتسالم علیه عند عند أهل البیت علیهم السلام أن آخر ما نزل من القرآن سورة المائدة .. وأنه مؤیدٌ بروایاتٍ صحیحة وکثیرة، فی مصادر إخواننا .. بل یمکن القول بأن آیة ( الیوم أکملت لکم دینکم ) وحدها تکفی دلیلاً على أنها آخر نزلت فی آخر ما نزل من کتاب الله تعالى، لأنها تنص على أن نزول الفرائض قد تمت بها، فلا یصح القول بأنه نزل بعدها فریضة، على أنه وردت نصوصٌ بذلک کما تقدم عن الإمام الباقر علیه السلام ، وکما سیأتی من روایة الطبری والبیهقی وقول السدی. وعلیه، فکل ما نزل بعدها من القرآن، لا بد أن یکون خالیاً من الفرائض والأحکام، لأن التشریع قد تم بنزولها، فلا حکم بعدها!




الآراء المخالفة والمتناقضة



ولکن هذا الأمر المحدد الواضح، صار غیر واضحٍ ولا محددٍ عندهم !! وکثرت فیه الروایات وتناقضت! وزاد فی الطین بلةً أن المتناقض منها صحیحٌ بمقاییسهم! وأنها آراء صحابةٍ کبارٍ لایجرؤون على ردهم!

ولعل السیوطی استحى من کثرة الأقوال فی آخر ما نزل من القرآن، فأجملها إجمالاً، ولم یعددها أولاً وثانیاً کما عدد الأقوال الأربعة فی أول مانزل !!

ونحن نعدها باختصار، لنرى أسباب نشأتها!

۱ ـ أن آخر آیة هی آیة الربا، وهی الآیة ۲۷۸ من سورة البقرة.

۲ ـ أن آخر آیة هی آیة الکلالة، أی الورثة من الأقرباء غیر المباشرین، وهی الآیة ۱۷۶ من سورة النساء.

۳ ـ أن آخر آیة هی آیة ( واتقوا یوماً ترجعون فیه الى الله .. ) البقرة ـ ۲۸۱.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۵

۴ ـ أن آخر آیة هی آیة ( لقد جاءکم رسول من أنفسکم... ) التوبة ـ ۱۲۸.

۵ ـ أن آخر آیة هی آیة ( وما أرسلنا من قبلک من رسول .. . ) الأنبیاء ـ ۲۵.

۶ ـ أن آخر آیة هی آیة ( فمن کان یرجو لقاء ربه .. . ) الکهف ـ ۱۱۰.

۷ ـ أن آخر آیة هی آیة ( ومن یقتل مؤمنا متعمداً .. . ) النساء ـ ۹۳.

۸ ـ أن آخر سورة نزلت هی سورة التوبة.

۹ ـ أن آخر سورة نزلت هی سورة النصر.

هذا ما جاء فقط فی إتقان السیوطی ۱|۱۰۱، وقد تبلغ أقوالهم وروایاتهم ضعف هذا العدد، لمن یتتبع المصادر !!




کیف نشأت هذه الآراء المتناقضة


القصة التالیة تعطینا ضوءً على نشأة هذا الإضطراب والضیاع:

سئل الخلیفة عمر ذات یوم عن تفسیر آیة الربا وأحکام الربا، فلم یعرفها فقال: أنا متأسف، لأن هذه الآیة آخر آیة نزلت، وقد توفی النبی ولم یفسرها لی!

ومن یومها دخلت آیات الربا على الخط، وشوشت على سورة المائدة، وصار ختام ما نزل من القرآن مردداً بین المائدة، وبین آیات الربا!

ولکن الربا ذکر فی أربع سور من القرآن: فی الآیتین ۲۷۵ ـ ۲۷۶ من سورة البقرة والآیة ۱۶۱ من سورة النساء، والآیة ۳۹ من الروم، والآیة ۱۳۰ من آل عمران .. . وبعض هذه السور مکی وبعضها مدنی! فأی آیةٍ منها قصد الخلیفة ؟!

وتبرع المبررون للخلیفة وقالوا إن مقصوده الآیة ۲۷۸ من سورة البقرة! فصار مذهبهم أن آخر آیة نزلت من القرآن وضعت فی سورة البقرة، التی نزلت فی أول الهجرة! وصار مذهبهم أن تحریم الربا تشریعٌ إضافی، لأنه نزل بعد آیة إکمال الدین! ولعلهم یتصورون أنه لا بأس بهذه المفارقة فی نزول القرآن والوحی، مادام هدفهم هدفا شرعیاً صحیحاً هو الدفاع عن خلیفة رسول الله صلى الله علیه وآله !





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۶

ـ قال الإمام أحمد فی مسنده: ۱|۳۶:

عن سعید بن المسیب قال: قال عمر رضی الله عنه : إن آخر ما نزل من القرآن آیة الربا، وإن رسول الله صلى الله علیه وسلم قبض ولم یفسرها، فدعوا الربا والریبة !! ورواه فی کنز العمال: ۴|۱۸۶ عن ( ش وابن راهویه حم هـ وابن الضریس وابن جریر وابن المنذر وابن مردویة ق فی الدلائل ) .

ـ وقال السرخسی فی المبسوط: ۲|۵۱ و ۱۲|۱۱۴:

فقد قال عمر رضی الله عنه : إن آیة الربا آخر ما نزل، وقبض رسول الله صلى الله علیه وسلم قبل أن یبین لنا شأنها!

ـ وقال السیوطی فی الإتقان: ۱|۱۰۱

وأخرج البخاری عن ابن عباس قال: آخر آیة نزلت آیة الربا. وروى البیهقی عن عمر مثله .. . وعند أحمد وابن ماجه عن عمر: من آخر مانزل آیة الربا. انتهى.

ولکن إضافة ( من ) فی هذه الروایة لا تحل المشکلة، کما لم تحلها فی سورة المائدة، لأن الروایات الأخرى لیس فیها ( من ) وهی نص على أن آیة الربا آخر مانزل!

قصة ثانیة!

وذات یومٍ بل ذات أیام .. لم یعرف الخلیفة عمر معنى الکلالة، وتحیر فیها، واستعصى علیه فهمها، الى آخر عمره! فقال وقالوا عنه: إنها آخر آیة نزلت، وتوفی النبی قبل أن یبینها له، أو بینها له بیاناً ناقصاً!

ـ ففی البخارى: ۵|۱۱۵

عن البراء رضی الله عنه قال: آخر سورة نزلت کاملة براءة، وآخر آیة نزلت خاتمة سورة النساء: یستفتونک قل الله یفتیکم فی الکلالة ... ونحوه فی: ۵|۱۸۵

ـ وقال السیوطی فی الإتقان: ۱|۱۰۱

فروى الشیخان عن البراء بن عازب قال آخر آیة نزلت: یستفتونک قل الله یفتیکم فی الکلالة، وآخر سورة نزلت براءة.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۷

ـ وفی مسند أحمد: ۴|۲۹۸

عن البراء قال: آخر سورة نزلت على النبى صلى الله علیه وسلم کاملة براءة، وآخر آیة نزلت خاتمة سورة النساء: یستفتونک .. . الى آخر السورة .... الى آخره!

ومن یومها دخلت آیة الکلالة على الخط، وشارکت فی التشویش على سورة المائدة! وصار ختام ما نزل من القرآن مردداً بین آیات الربا والکلالة، وبقیة المائدة بما فیها آیتا العصمة من الناس، وإکمال الدین!

وقد راجعت ما تیسر لی من مصادر إخواننا فی مسألة الربا والکلالة، فهالتنی مشکلة الخلیفة معهما، خاصةً مسألة الکلالة، حتى أنه جعلها من القضایا الهامة على مستوى قضایا الأمة الإسلامیة الکبرى، وکان یطرحها من على منبر النبی صلى الله علیه وآله واستمر یطرحها کمشکلة کبرى، حتى ساعات حیاته الأخیرة، وأوصى المسلمین بحلها! الأمر الذی یدل على شعوره العمیق بالحرج أمام المسلمین، لعدم تمکنه من استیعابها !! ففی صحیح البخاری: ۶|۲۴۲

عن ابن عمر رضی الله عنهما قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله علیه وسلم فقال: إنه قد نزل تحریم الخمر، وهی من خمسة أشیاء: العنب والتمر والحنطة والشعیر والعسل. والخمر ما خامر العقل. وثلاث وددت أن رسول الله صلى الله علیه وسلم لم یفارقنا حتى یعهد إلینا عهداً: الجد، والکلالة، وأبواب من أبواب الربا. انتهى. ورواه مسلم فی: ۲|۸۱، بتفصیل أکثر، وروى نحوه فی: ۵|۶۱ و۸| ۲۴۵، ورواه ابن ماجة فی: ۲|۹۱۰، وقال عنه السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۲۴۹: وأخرج عبد الرزاق والبخاری ومسلم وابن جریر وابن المنذر عن عمر ...

ویدل هذا الصحیح المؤکد، على أن عمر لم یسأل النبی صلى الله علیه وآله عن الکلالة.

وقد صرح بذلک صحیح الحاکم الذی رواه فی المستدرک: ۲|۳۰۳، فقال:

محمد بن طلحة بن یزید بن رکانة یحدث عن عمر بن الخطاب رضی الله عنه قال: أکون سألت رسول الله صلى الله علیه وسلم عن ثلاثٍ أحب إلی من حمر النعم: عن




--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۸

الخلیفة بعده، وعن قوم قالوا نقرُّ بالزکاة فی أموالنا ولا نؤدیها إلیک، أیحل قتالهم؟ وعن الکلالة. هذا حدیث صحیح على شرط الشیخین ولم یخرجاه. انتهى.

ولکن فی صحیح مسلم أن عمر سأل النبی صلى الله علیه وآله عنها مرراً !!

ـ قال مسلم فی: ۵|۶۱: عن معدان بن أبی طلحة أن عمر بن الخطاب خطب یوم جمعة فذکر نبی الله صلى الله علیه وسلم، وذکر أبا بکر ثم قال: إنی لا أدع بعدی شیئاً أهم عندی من الکلالة! ما راجعت رسول الله صلى الله علیه وسلم فی شیء ما راجعته فی الکلالة! وما أغلظ لی فی شیء ما أغلظ لی فیه، حتى طعن بإصبعه فی صدری وقال: یا عمر ألا تکفیک آیة الصیف التی فی آخر سورة النساء ؟! وإنی إن أعش أقض فیها بقضیة یقضی بها من یقرأ القرآن ومن لا یقرأ القرآن. انتهى.

یعنی أنه سأل النبی صلى الله علیه وآله عنها مراراً فوضحها له مراراً، ولکنه کرر سؤاله حتى غضب علیه النبی صلى الله علیه وآله لعدم فهمه لشرحه إیاها!

بل یدل الصحیحان التالیان على أن النبی صلى الله علیه وآله أخبر عمر أنه سوف لن یفهم الکلالة طول عمره، أو دعا علیه بذلک!

ـ ففی الدر المنثور: ۲|۲۵۰

وأخرج العدنی والبزار فی مسندیهما، وأبو الشیخ فی الفرائض، بسند صحیح عن حذیفة قال: نزلت آیة الکلالة على النبی صلى الله علیه وسلم فی مسیرٍ له، فوقف النبی صلى الله علیه وسلم، فإذا هو بحذیفة فلقاها إیاه، فنظر حذیفة فإذا عمر فلقاها إیاه. فلما کان فی خلافة عمر، نظر عمر فی الکلالة فدعا حذیفة فسأله عنها، فقال حذیفة: لقد لقانیها رسول الله صلى الله علیه وسلم فلقیتک کما لقانی، والله لا أزیدک على ذلک شیئاً أبداً. انتهى.

ـ وفی کنز العمال: ۱۱|۸۰ حدیث ۳۰۶۸۸ عن سعید بن المسیب أن عمر سأل رسول الله صلى الله علیه وسلم: کیف یورث الکلالة؟ قال: أو لیس قد بین الله ذلک، ثم قرأ: وإن کان رجل یورث کلالة أو امرأة .. .الى آخر الآیة، فکأن عمر لم یفهم!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۴۹

فأنزل الله: یستفتونک قل الله یفتیکم فی الکلالة .. الى آخر الآیة، فکأن عمر لم یفهم! فقال لحفصة: إذا رأیت من رسول الله صلى الله علیه وسلم طیب نفس، فاسألیه عنها فقال: أبوک ذکر لک هذا؟ ما أرى أباک یعلمها أبداً !!

فکان یقول: ما أرانی أعلمها أبداً وقد قال رسول الله صلى الله علیه وسلم ما قال !! وذکر فی مصدره أن ابن راهویه أو ابن مردویة صححه.

ـ بل روى السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۲۴۹ أن النبی صلى الله علیه وآله قد کتبها لعمر فی کتف! قال: وأخرج عبد الرزاق وسعید بن منصور وابن مردویة عن طاوس، أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبی صلى الله علیه وسلم عن الکلالة، فسألته فأملاها علیها فی کتف، وقال: من أمرک بهذا أعمر؟ ما أراه یقیمها، أو ما تکفیه آیة الصیف؟ !!

قال سفیان: وآیة الصیف التی فی النساء: وإن کان رجلٌ یورث کلالةً أو امرأةٌ .. . فلما سألوا رسول الله صلى الله علیه وسلم، نزلت الآیة التی فی خاتمة النساء. انتهى.

فانظر الى هذه التناقضات فی أحادیث عمر والکلالة، وکلها صحیحة!

ولاحظ أن الکلالة هی إحدى المسائل الثلاث التی قال البخاری إن النبی صلى الله علیه وآله لم یبینها للأمة، ولا سأل عمر النبی عنها .. مع أن روایتهم الصحیحة تقول إن النبی صلى الله علیه وآله قد کتب الکلالة لعمر فی کتف!

وأما المسألة الثانیة التی هی الخلافة، فقد روى البخاری نفسه أیضاً أن النبی صلى الله علیه وآله دعا بدواة وکتف لیکتب للأمة الإسلامیة کتاباً لا تضل بعده أبداً، ولکن عمر أبى ذلک ..

وأما المسألة الثالثة، وهی أبواب الربا، فیستحیل أن لا یکون النبی صلى الله علیه وآله قد بینها وشرحها للمسلمین أیضاً، وقد یکون کتبها لعمر أو غیره فی کتف أیضاً !!




دلالة هاتین القصتین


تدل هاتان القصتان على أن صحاح إخواننا فیها متناقضاتٌ لا یمکن لباحثٍ أن یقبلها جمیعاً، بل لا بد له أن یرجح بعضها ویرد بعضها.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۰

وکیف یمکن لعاقلٍ أن یقبل فی موضوعنا أن عمر لم یسأل النبی صلى الله علیه وآله عن الآیة لأنها آخر آیة نزلت .. وأنه سأله عنها مراراً، حتى دفعه بإصبعه فی صدره، وغضب منه، الخ !!

وکیف یقبل أن الکلالة آخر آیة، وآیات الربا آخر آیات .. الى آخر التناقضات التی ذکرناها، وأکثر منها فیما لم نذکره!

وتدل القصتان على أن سلطة الخلیفة عمر على السنیین بلغت حداً تستطیع معه أن تجعل ادعاءه غیر المعقول معقولاً! وأن المهم عندهم تکییف تفسیر القرآن، وأحداث نزول آیاته، وأسبابها، وفق ما قاله الخلیفة، حتى لو تناقضت أقواله، وحتى لو لزم من ذلک إثارة شبهة التناقض فی دین الله تعالى، وفی أفعاله تعالى!

وإذا اعترض أحدٌ على ذلک فهو رافضی، عدوٌّ للإسلام ورسوله وصحابته! .

وتدل القصتان فی موضوعنا على أن آیات الربا وإرث الکلالة، وربما غیرهما، حسب رأی الخلیفة قد نزلت بعد آیة إکمال الدین، ومعنى ذلک أن الله تعالى قال للمسلمین: الیوم أکملت لکم دینکم، ولکنه لم یکن أکمل أحکام الإرث والربا وأحکام القتل !!

إن من یحترم نفسه لا یمکنه أن یقبل منطقاً یجادل عن إنسان غیر معصوم لیبرئه من التناقض، حتى لو استلزم ذلک نسبة التناقض الى الله عز وجل ورسوله صلى الله علیه وآله!






بقیة الأقوال:



لا نطیل فی ذکر بقیة الأقوال، وأحادیثها الصحیحة عندهم، بل نجملها إجمالاً:

ـ ففی صحیح البخارى: ۵|۱۸۲

قال سمعت سعید بن جبیر قال: آیة اختلف فیها أهل الکوفة، فرحلت فیها الى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآیة: ومن یقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ( النساء ـ ۹۳ ) هی آخر ما نزل، وما نسخها شیء.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۱

ـ وفی البخاری: ۶|۱۵

عن سعید بن جبیر قال: اختلف أهل الکوفة فی قتل المؤمن، فرحلت فیه الى ابن عباس فقال: نزلت فی آخر ما نزل، ولم ینخسها شیء.

ـ وفی الدر المنثور: ۲|۱۹۶

وأخرج عبد بن حمید والبخاری ومسلم وأبو داود والنسائی وابن جریر والطبرانی من طریق سعید بن جبیر قال: اختلف أهل الکوفة فی قتل المؤمن، فرحلت فیها.... هی آخر ما نزل وما نسخها شیء.

وأخرج أحمد، وسعید بن منصور، والنسائی، وابن ماجة، وعبد بن حمید، وابن جریر، وابن المنذر، وابن أبی حاتم، والنحاس فی ناسخه، والطبرانی من طریق سالم بن أبى الجعد، عن ابن عباس .. . قال: لقد نزلت فی آخر ما نزل ما نسخها شیء حتى قبض رسول الله صلى الله علیه وسلم، وما نزل وحی بعد رسول الله صلى الله علیه وسلم.

قال: أرأیت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟

قال: وأنى له بالتوبة ؟! .

ـ وفی مجموع النووی: ۱۸|۳۴۵

قوله تعالى: ومن یقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جنهم خالداً فیها .. الآیة.

فی صحیح البخارى .. . هی آخر ما نزل وما نسخها شیء. وکذا رواه مسلم والنسائی من طرق عن شعبة به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عن سعید بن جبیر، عن ابن عباس فی الآیة فقال: ما نسخها شیء. انتهى.

فهل یمکن لمسلم أن یقبل هذه الروایات ( الصحیحة ) من البخاری أو غیره، ومن ابن عباس أو غیره، ویلتزم بأن تحریم قتل المؤمن تشریع إضافی فی الإِسلام، نزل بعد آیة إکمال الدین!







--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۲

ـ وفی مستدرک الحاکم: ۲|۳۳۸

عن یوسف بن مهران، عن ابن عباس رضی الله عنهما عن أبی بن کعب رضی الله عنه قال: آخر ما نزل من القرآن: لقد جاءکم رسول من أنفسکم، عزیز علیه ما عنتم حریص علیکم بالمؤمنین رؤف رحیم. حدیث شعبة عن یونس بن عبید صحیح على شرط الشیخین ولم یخرجاه. انتهى. وهذه الروایة ( الصحیحة ) على شرط الشیخین تقصد الآیتین ۱۲۸ ـ ۱۲۹، من سورة التوبة.

ـ وفی الدر المنثور: ۳|۲۹۵

وأخرج ابن أبی شیبة، واسحق بن راهویه، وابن منیع فی مسنده، وابن جریر، وابن المنذر، وأبو الشیخ، وابن مردویة، والبیهقی فی الدلائل، من طریق یوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أبی بن کعب قال: آخر آیة أنزلت على النبی صلى الله علیه وسلم ـ وفی لفظ أن آخر ما نزل من القرآن ـ لقد جاءکم رسول من أنفسکم الى آخر .. الآیة.

* وأخرج ابن الضریس فی فضائل القرآن، وابن الأنباری فی المصاحف، وابن مرودیه، عن الحسن أن أبی بن کعب کان یقول: إن أحدث القرآن عهداً بالله ـ وفی لفظ بالسماء ـ هاتان الآیتان: لقد جاءکم رسول من أنفسکم .. الى آخر السورة.

ـ الدر المنثور: ۳|۲۹۵

واخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل فی زوائد المسند، وابن الضریس فی فضائله، وابن أبی دؤاد فی المصاحف: وابن أبی حاتم، وأبو الشیخ، وابن مردویة، والبیهقی فی الدلائل، والخطیب فی تلخیص المتشابه، والضیاء فی المختارة، من طریق أبی العالیة، عن أبی بن کعب، أنهم جمعوا القرآن فی مصحف فی خلافة أبی بکر، فکان رجال یکتبون ویمل علیهم أبی بن کعب، حتى انتهوا الى هذه الآیة من سورة براءة: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم .. .قوم لا یفقهون، فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبی بن کعب: إن النبى صلى الله علیه وسلم قد أقرأنی بعد هذا آیتین: لقد




--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۳

جاءکم رسول من أنفسکم عزیز علیه ما عنتم حریص علیکم بالمؤمنین رؤف رحیم، فإن تولوا فقل حسبى الله لا إلَه إلا هو علیه توکلت وهو رب العرش العظیم. فهذا آخر مانزل من القرآن. قال فختم الأمر بما فتح به بلا إلَه إلا الله، یقول الله: وما أرسلنا من قبلک من رسول إلا یوحی الیه أنه لا إلَه إلا أنا فاعبدون.

وأخرج ابن أبی دؤاد فی المصاحف عن یحیى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن یجمع القرآن فقام فی الناس فقال: من کان تلقى من رسول الله صلى الله علیه وسلم شیئاً من القرآن فلیأتنا به، وکانوا کتبوا ذلک فی الصحف والألواح والعسب، وکان لا یقبل من أحد شیئاً حتى یشهد شهیدان، فقتل وهو یجمع ذلک الیه.

فقام عثمان بن عفان فقال: من کان عنده شیء من کتاب الله فلیأتنا به، وکان لا یقبل من أحد شیئاً حتى یشهد به شاهدان، فجاء خزیمة بن ثابت فقال: إنی رأیتکم ترکتم آیتین لم تکتبوهما!

فقالوا: ما هما؟

قال: تلقیت من رسول الله صلى الله علیه وسلم: ولقد جاءکم رسول من أنفسکم عزیز علیه ما عنتم .. الى آخر السورة.

فقال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأین ترى أن نجعلهما؟

قال: إختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة. انتهى.

وشبیه به فی سنن أبی داود: ۱|۱۸۲، وقد بحثنا هذه الروایات فی کتاب تدوین القرآن.




ـ وفی صحیح مسلم: ۸|۲۴۳

عن عبید الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لی ابن عباس: تعلم ـ وقال هارون تدری ـ آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جمیعاً؟





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۴

قلت نعم، إذا جاء نصر الله والفتح. قال: صدقت.

وفی روایة ابن أبی شیبة: تعلم أی سورة، ولم یقل آخر.

ـ وفی سنن الترمذی: ۴|۳۲۶

وقد روی عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت: إذ جاء نصر الله والفتح.

ـ وفی الغدیر: ۱|۲۲۸: وروى ابن کثیر فی تفسیره: ۲|۲

عن عبد الله بن عمر أن آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح ( یعنی النصر ) .

ـ وفی الدر المنثور: ۶|۴۰۷

وأخرج ابن مردویة والخطیب وابن عساکر عن أبی هریرة فی قوله: إذا جاء نصر الله والفتح، قال: علمٌ وحدٌّ حده الله لنبیه صلى الله علیه وسلم، ونعى الیه نفسه، إنک لا تبقى بعد فتح مکة إلا قلیلا.

وأخرج ابن أبی شیبة وابن مردویة عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جمیعاً: إذا جاء نصر الله والفتح.




ـ وفی المجعم الکبیر للطبرانى: ۱۲|۱۹

عن ابن عباس قال: آخر آیة أنزلت: واتقوا یوماً ترجعون فیه الى الله. انتهى. وهی الآیة ۲۸۱ من سورة البقرة!




ونذکر فی آخر ادعاءاتهم فی آخر آیةٍ من القرآن: أن معاویة بن أبی سفیان أدلى بدلوه فی هذا الموضوع، ونفى على المنبر أن تکون آیة ( الیوم أکملت لکم دینکم .. ) آخر ما نزل، وأفتى للمسلمین بأن آخر آیةٍ نزلت هی الآیة ۱۱۰ من سورة الکهف، وأنها وکانت تأدیباً من الله لنبیه !! ففی المعجم الکبیر للطبرانی: ۱۹|۳۹۲:

عمرو بن قیس أنه سمع معاویة بن أبی سفیان على المنبر نزع بهذه الآیة: الیوم





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۵

أکملت لکم دینکم .. قال: نزلت یوم عرفة فی یوم جمعة، ثم تلا هذه الآیة: فمن کان یرجو لقاء ربه... وقال: إنها آخر آیة نزلت .... تأدیباً لرسول الله .. انتهى.

وقد التفت السیوطی الى أن کیل التناقض قد طفح لإبعاد آیة إکمال الدین عن ختم القرآن، وحجة الوداع، وغدیر خم .. فاستشکل فی قبول قول معاویة وعمر! ولکنه مرَّ بذلک مروراً سریعاً، على عادتهم فی التغطیة والتستر والروغان!

قال فی الإتقان: ۱|۱۰۲

من المشکل على ما تقدم قوله تعالى: الیوم أکملت لکم دینکم، فإنها نزلت بعرفة فی حجة الوداع وظاهرها إکمال جمیع الفرائض والأحکام قبلها. وقد صرح بذلک جماعة منهم السدی، فقال: لم ینزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ، مع أنه ورد فی آیة الربا والدین والکلالة أنها نزلت بعدها!

وقد استشکل ذلک ابن جریر وقال: الأولى أن یتأول على أنه أکمل لهم الدین بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشرکین عنه حتى حجه المسلمون، لا یخالطهم المشرکون! انتهى.

ومعنى کلام ابن جریر الطبری الذی ارتضاه السیوطی: أن حل التناقض فی کلام الصحابة بأن نقبله ونبعد إکمال الدین وإتمام النعمة عن التشریع وتنزیل الأحکام والفرائض، ونحصره بتحریر مکة فقط، حتى تسلم لنا أحادیث عمر عن الکلالة والربا وحدیث معاویة فی آخر آیة فی ( تأدیب النبی ) !!

إنها فتوى تتکرر أمامک من العلماء السنیین بوجوب قبول کلام الصحابة ـ ماعدا أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله ـ حتى لو استلزم ذلک تفریغ آیات الله تعالى وأحادیث رسوله من معانیها! فهم عملیاً یعطون الصحابة درجة العصمة، بل یعطونهم حق النقض على کلام الله تعالى وکلام رسوله صلى الله علیه وآله ، لأنهم یجعلون کلامهم حاکماً علیه!

ثم یفرضون علیک أن تقبل ذلک وتغمض عینیک، وتصمَّ سمعک عن صراخ ضحایاهم من الآیات الظاهرة والأحادیث الصحیحة !!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۶

ونتیجة هذا المنطق: أن آیة الیوم أکملت لکم دینکم لیست آخر آیة، ولا سورتها آخر سورة، ولا معناها أکملت لکم الفرائض والأحکام، بل أکملت لکم فتح مکة!

وأن معنى ( الیوم ) فی الآیة لیس یوم نزول الآیة، بل قبل سنتین من حجة الوداع!

وسوف تعرف أن الخلیفة عمر أقر فی جواب الیهودی بأن معنى الیوم فی الآیة: یوم نزولها، ولیس یوم فتح مکة! بل قال القرطبی إن الیوم هنا بمعنى الساعة التی نزلت فیها الآیة، کما سیأتی.




نص الآیة الکریمة


یا أیها الذین آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدی ولا القلائد ولا آمین البیت الحرام یبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً، وإذا حللتم فاصطادوا، ولا یجرمنکم شنآن قوم أن صدوکم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شدید العقاب.

حرمت علیکم المیتة والدم ولحم الخنزیر وما أهل لغیر الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردیة والنطیحة وما أکل السبع إلا ما ذکیتم، وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام، ذلکم فسق، الیوم یئس الذین کفروا من دینکم فلا تخشوهم واخشون ـ الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دینا ـ فمن اضطر فی مخمصة غیر متجانف لإثم فإن الله غفور رحیم. المائدة ۲ ـ ۳






آیة إکمال الدین واللحوم المحرمة



أول ما یواجه الباحث فی آیة إکمال الدین غرابة مکانها فی القرآن، فظاهر ما رواه المحدثون والمفسرون عنها، أنها نزلت فی حجة الوداع آیة مستقلة لا جزء آیة .. ثم یجدها فی القرآن جزءً من آیة اللحوم المحرمة، وکأنها حشرت حشراً فی وسطها، بحیث لو رفعنا آیة إکمال الدین منها لما نقص من معناها شیء، بل لاتصل السیاق !!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۷

فما هی الحکمة من هذا السیاق؟ وهل کان هذا موضعها الأصلی من القرآن، أم وضعت هنا باجتهاد بعض الصحابة ؟!

نحن لا نقبل القول بوقوع تحریف فی کتاب الله تعالى، معاذ الله، لکن نتساءل عسى أن یعرف أحد الجواب: ما هو ربط آیة إکمال الدین باللحوم المحرمة؟

ألا یحتمل أن تکون بالأساس فی خاتمة سورة المائدة مثلاً، ولم یلتفت الى ذلک الذین جمعوا القرآن، فوضعوها هنا.

ثم .. قد یقبل الإنسان أن تکون الآیة نزلت بعد آیات بیان أحکام اللحوم، ولکن کیف یمکن أن ینزلها الله تعالى فی وسط أحکام اللحوم! فإذا قال الله تعالى: أکملت لکم دینکم، فقد تمت الأحکام، فکیف یقول بعدها مباشرة: فمن اضطر فی مخمصةٍ غیر متجانفٍ لإثمٍ فإن الله غفور رحیم ؟! ثم یقول بعدها مباشرة: یسألونک ماذا أحل لهم، قل أحل لکم الطیبات وما علمتم .. . الى آخر أحکام الدین الذی قال عنه أحکم الحکماء سبحانه قبل لحظات: إنه قد أکمله وأتمه؟ !!

ـ قال فی الدر المنثور: ۲|۲۵۹:

وأخرج ابن جریر عن السدی فی قوله: الیوم أکملت لکم دینکم قال: هذا نزل یوم عرفة، فلم ینزل بعدها حرامٌ ولا حلالٌ. انتهى.

ـ وقال فی: ۲|۲۵۷

وأخرج البیهقی فی شعب الإیمان عن ابن عباس .... فلما کان واقفاً بعرفات نزل علیه جبریل وهو رافع یده والمسلمون یدعون الله: الیوم أکملت لکم دینکم، یقول حلالکم وحرامکم، فلم ینزل بعد هذا حلالٌ ولا حرامٌ. انتهى.

والأحادیث والأقوال فی عدم نزول أحکام بعد الآیة کثیرة، وقد مر بعضها، ولا تحتاج الى استقصائها بعد أن کان ذلک یفهم من الآیة نفسها .. ویؤیده ماذکره اللغویون فی معنى الکمال والتمام





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۸

ـ قال الزبیدی فی تاج العروس: ۸|۱۰۳:

( الکمال: التمام ) وهما مترادفان کما وقع فی الصحاح وغیره، وقد فرق بینهما بعض أرباب المعانی، وأوضحوا الکلام فی قوله تعالى الیوم: أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی، وبسطه فی العنایة، وأوسع الکلام فیه البهاء السبکی فی عروس الأفراح. وقیل: التمام الذی تجزأ منه أجزاؤه کما سیأتی، وفیه ثلاث لغات ( کمل کنصر وکرم وعلم ) قال الجوهری والکسر أردؤها، وزاد ابن عباد: کمل یکمل مثل ضرب یضرب، نقله الصاغانی ( کمالاً وکمولاً فهو کامل وکمیل ) جاؤوا به على کمل.

وقال فی ص ۲۱۲: ( وتمام الشىَ وتمامته وتتمته ما یتم به ) وقال الفارسی: تمام الشىَ ماتم به بالفتح لا غیر یحکیه عن أبی زید. وتتمة کل شیء ما یکون تمام غایته، کقولک هذه الدراهم تمام هذه المائة، وتتمة هذه المائة.

قال شیخنا: وقد سبق فی کمل أن التمام والکمال مترادفان عند المصنف وغیره، وأن جماعة یفرقون بینهما بما أشرنا الیه. وزعم العینی أن بینهما فرقا ظاهراً ولم یفصح عنه.

وقال جماعة: التمام الإتیان بما نقص من الناقص، والکمال الزیادة على التمام، فلا یفهم السامع عربیاً أو غیره من رجل تام الخلق إلا أنه لا نقص فی أعضائه، ویفهم من کامل، وخصه بمعنى زائد على التمام کالحسن والفضل الذاتی أو العرضی. فالکمال تمامٌ وزیادة، فهو أخص.

وقد یطلق کل على الآخر تجوزاً، وعلیه قوله تعالى: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی. کذا فی کتاب التوکید لابن أبی الإصبع.

وقیل التمام یستدعی سبق نقص، بخلاف الکمال. وقیل غیر ذلک، مما حرره البهاء السبکی فی عروس الأفراح، وابن الزملکانی فی شرح التبیان، وغیر واحد.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۵۹

قلت وقال الحرانی: الکمال: الإنتهاء الى غایة لیس وراءها مزید من کل وجه. وقال ابن الکمال: کمال الشىَ: حصول ما فیه الغرض منه، فإذا قیل کمل فمعناه حصل ما هو الغرض منه. انتهى.

وبعد السؤال عن مکان الآیة یواجهنا السؤال عن معناها، وسبب نزولها .. وفی ذلک ثلاثة أقوال:




القول الأول


قول أهل البیت علیهم السلام أنها نزلت یوم الخمیس الثامن عشر من ذی الحجة فی الجحفة، فی رجوع النبی صلى الله علیه وآله من حجة الوداع، عندما أمره الله تعالى أن یوقف المسلمین فی غدیر خم، قبل أن تتشعب بهم الطرق، ویبلغهم ولایة علی علیه السلام من بعده، فأوقفهم وخطب فیهم وبلغهم ما أمره به ربه. وهذه نماذج من أحادیثهم:

فقد تقدم ما رواه الکلینی فی الکافی: ۱|۲۸۹

عن الإمام محمد الباقر علیه السلام وفیه ( وقال أبو جعفر علیه السلام : وکانت الفریضة تنزل بعد الفریضة الأخرى، وکانت الولایة آخر الفرائض، فأنزل الله عز وجل: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی، قال أبو جعفر علیه السلام : یقول الله عز وجل: لا أنزل علیکم بعد هذه فریضة، قد أکملت لکم الفرائض.

ـ وعن علی بن إبراهیم، عن صالح بن السندی، عن جعفر بن بشیر، عن هارون بن خارجة، عن أبی بصیر، عن أبی جعفر علیه السلام قال: کنت عنده جالساً فقال له رجل: حدثنی عن ولایة علی، أمن الله أو من رسوله؟

فغضب ثم قال: ویحک کان رسول الله صلى الله علیه وآله أخوف ( لله ) من أن یقول ما لم یأمره به الله !! بل افترضه الله، کما افترض الصلاة والزکاة والصوم والحج. انتهى.

ـ وفی الکافی: ۱|۱۹۸

أبو محمد القاسم بن العلاء رحمه الله رفعه عن عبد العزیز بن مسلم قال: کنا مع الرضا علیه السلام بمرو، فاجتمعنا فی الجامع یوم الجمعة فی بدء مقدمنا، فأداروا أمر




--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۰

الامامة وذکروا کثرة اختلاف الناس فیها، فدخلت على سیدی علیه السلام فأعلمته خوض الناس فیه، فتبسم علیه السلام ثم قال:

یا عبد العزیز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم، إن الله عز وجل لم یقبض نبیه صلى الله علیه وآله حتى أکمل له الدین، وأنزل علیه القرآن فیه تبیان کل شیء، بین فیه الحلال والحرام والحدود والأحکام، وجمیع ما یحتاج إلیه الناس کملاً، فقال عز وجل: ما فرطنا فی الکتاب من شیء، وأنزل فی حجة الوداع وهی آخر عمره صلى الله علیه وآله : الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دینا.

وأمر الامامة من تمام الدین، ولم یمض صلى الله علیه وآله حتى بین لأمته معالم دینهم، وأوضح لهم سبیلهم، وترکهم على قصد سبیل الحق، وأقام لهم علیاً علیه السلام علماً وإماماً، وما ترک شیئاً تحتاج إلیه الأمة إلا بینه، فمن زعم أن الله عز وجل لم یکمل دینه فقد رد کتاب الله، ومن رد کتاب الله فهو کافر به.

هل یعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة، فیجوز فیها اختیارهم ؟!

إن الامامة أجل قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مکاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً، من أن یبلغها الناس بعقولهم، أو ینالوها بآرائهم، أویقیموا إماماً باختیارهم.

إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهیم الخلیل علیه السلام بعد النبوة والخلة، مرتبةً ثالثة، وفضیلة شرفه بها، وأشاد بها ذکره فقال: إنی جاعلک للناس إماماً، فقال الخلیل علیه السلام سروراً بها: ومن ذریتی؟ قال الله تبارک وتعالى: لا ینال عهدی الظالمین. فأبطلت هذه الآیة إمامة کل ظالم الى یوم القیامة، وصارت فی الصفوة.

ثم أکرمه الله تعالى بأن جعلها فی ذریته أهل الصفوة والطهارة، فقال: ووهبنا له إسحاق ویعقوب نافلة وکلاًّ جعلنا صالحین. وجعلناهم أئمة یهدون بأمرنا وأوحینا إلیهم فعل الخیرات وإقام الصلاة وإیتاء الزکاة وکانوا لنا عابدین.

فلم تزل فی ذریته، یرثها بعض عن بعض، قرناً فقرناً، حتى ورثها الله تعالى النبی صلى الله علیه وآله فقال جل وتعالى: إن أولى الناس بإبراهیم للذین اتبعوه وهذا النبی والذینآمنوا والله ولی المؤمنین، فکانت له خاصة فقلدها صلى الله علیه وآله علیاً علیه السلام بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت فی ذریته الاَصفیاء الذین آتاهم الله العلم والاِیمان، بقوله تعالى: قال الذین أوتوا العلم والاِیمان لقد لبثتم فی کتاب الله الى یوم البعث، فهی فی ولد علی علیه السلام خاصة الى یوم القیامة، إذ لا نبی بعد محمد صلى الله علیه وآله .

فمن أین یختار هؤلاء الجهال! . انتهى.




القول الثانی


قول المفسرین السنیین الموافق لقول أهل البیت علیهم السلام :

وأحادیثهم فی بیعة الغدیر تبلغ المئات، وفیها صحاح من الدرجة الاَولى عندهم وقد جمعها عددٌ من علمائهم القدماء منهم الطبری المؤرخ فی کتابه ( الولایة ) فبلغت طرقها ونصوصها عنده مجلدین، وتنص روایاتها على أن النبی صلى الله علیه وآله أصعد علیاً معه على المنبر، ورفع یده حتى بان بیاض إبطیهما، وبلغ الاَمة ما أمره الله فیه ... الخ. وقد انتقد الطبری بعض المتعصبین السنیین لتألیفه هذه الکتاب فی أحادیث الغدیر، التی یحتج بها الشیعة علیهم، ویجادلوهم بها عند ربهم!

وتنص بعض روایات الغدیر عندهم على أن آیة إکمال الدین نزلت فی الجحفة یوم الغدیر بعد إبلاغ النبی صلى الله علیه وآله ولایة علی علیه السلام .

لکن ینبغی الاِلتفات الى أن أکثر السنیین الذین صحت عندهم روایات الغدیر، لم یقبلوا الاَحادیث القائلة بأن آیة إکمال الدین نزلت یوم الغدیر، بل أخذوا بقول الخلیفة عمر ومعاویة، أنها نزلت یوم عرفة، کما سیأتی.

وقد جمع أحادیث بیعة الغدیر عدد من علماء الشیعة القدماء والمتأخرین، ومن أشهر المتأخرین النقوی الهندی فی کتاب عبقات الاَنوار، والشیخ الاَمینی فی کتاب الغدیر، والسید المرعشی فی کتاب شرح إحقاق الحق، والسید المیلانی فی کتاب نفحات الاَزهار.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۲

وقد أورد صاحب الغدیر عدداً من الروایات من مصادر السنیین، ذکرت أن آیة إکمال الدین نزلت فی یوم الغدیر، بعد إعلان النبی صلى الله علیه وآله ولایة علی علیه السلام ..

ـ وهذه خلاصة ما ذکره فی الغدیر: ۱|۲۳۰:

ومن الآیات النازلة یوم الغدیر فی أمیرالمؤمنین علیه السلام قوله تعالى: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الاِسلام دینا.... ثم ذکر الاَمینی رحمه الله عدداً من المصادر التی روتها، نذکر منها:

۱ ـ الحافظ أبو جعفر محمد بن جریر الطبری المتوفى ۳۱۰ روى فی کتاب الولایة بإسناده عن زید بن أرقم نزول الآیة الکریمة یوم غدیر خم فی أمیر المؤمنین علیه السلام ...

۲ ـ الحافظ ابن مردویة الاَصفهانی المتوفى ۴۱۰، روى من طریق أبی هارون العبدی، عن أبی سعید الخدری ... ثم رواه عن أبی هریرة ...

۳ ـ الحافظ أبو نعیم الاِصبهانی المتوفى ۴۳۰، روى فی کتابه ( ما نزل من القرآن فی علی ) ... عن أبی سعید الخدری رضی الله عنه : أن النبی صلى الله علیه وسلم دعا الناس الى علی فی غدیر خم، أمر بما تحت الشجرة من الشوک فقمَّ، وذلک یوم الخمیس فدعا علیاً فأخذ بضبعیه فرفعهما، حتى نظر الناس الى بیاض إبطی رسول الله، ثم لم یتفرقوا حتى نزلت هذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم .. الآیة .. الخ.

۴ ـ الحافظ أبو بکر الخطیب البغدادی المتوفى ۴۶۳، روى فی تاریخه ۸|۲۹۰ ... عن أبی هریرة عن النبی صلى الله علیه وسلم ... قال: من کنت مولاه فعلی مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخٍ بخٍ یا بن أبی طالب أصبحت مولای ومولى کل مسلم، فأنزل الله: الیوم أکملت لکم دینکم .. الآیة.

۵ ـ الحافظ أبو سعید السجستانی المتوفى ۴۷۷، فی کتاب الولایة بإسناده عن یحیى بن عبد الحمید الحمانی الکوفی، عن قیس بن الربیع، عن أبی هارون، عن أبی سعید الخدری ...

۶ ـ أبو الحسن ابن المغازلی الشافعی المتوفى ۴۸۳، روى فی مناقبه عن أبی بکر




--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۳

أحمد بن محمد بن طاوان قال: أخبرنا أبوالحسین أحمد بن الحسین بن السماک قال: حدثنی أبومحمد جعفر بن محمد بن نصیر الخلدی، حدثنی علی بن سعید بن قتیبة الرملی، قال: .. عن أبی هریرة ....

۷ ـ الحافظ أبو القاسم الحاکم الحسکانی .... عن أبی سعید الخدری: إن رسول الله صلى الله علیه وآله لما نزلت هذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم، قال: الله أکبر على إکمال الدین وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتی، وولایة علی بن أبی طالب من بعدی.

۸ ـ الحافظ أبو القاسم بن عساکر الشافعی الدمشقی المتوفى ۵۷۱، روى الحدیث المذکور بطریق ابن مردویة، عن أبی سعید وأبی هریرة، کما فی الدر المنثور ۲| ۲۵۹.

۹ ـ أخطب الخطباء الخوارزمی المتوفى ۵۶۸، قال فی المناقب|۸۰ .... عن أبی سعید الخدری إنه قال: إن النبی صلى الله علیه وآله یوم دعا الناس إلی غدیر خم أمر بما کان تحت الشجرة من الشوک فقمَّ، وذلک یوم الخمیس ثم دعا الناس الى علی، فأخذ بضبعه فرفعها حتى نظر الناس الى إبطیه، حتى نزلت هذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم .. الآیة ...

وروى فی المناقب|۹۴ .... عن ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر الوارق. الى آخر ما مر عن الخطیب البغدادی سندآ ومتناً.

۱۰ ـ أبو الفتح النطنزی روى فی کتابه الخصایص العلویة، عن أبی سعید الخدری بلفظ مر|۴۳، وعن الخدری وجابر الاَنصاری ...

۱۱ ـ أبو حامد سعد الدین الصالحانی، قال شهاب الدین أحمد فی توضیح الدلایل على ترجیح الفضایل: وبالاِسناد المذکور عن مجاهد رضی الله عنه قال: نزلت هذه الآیة: الیوم أکملت لکم، بغدیر خم، فقال رسول الله صلى الله علیه وعلى آله وبارک وسلم: الله أکبر على إکمال الدین وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتی، والولایة لعلی. رواه الصالحانی.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۴

۱۲ ـ شیخ الاِسلام الحموینی الحنفی المتوفى ۷۲۲، روى فی فراید السمطین فی الباب الثانی عشر، قال: أنبأنی الشیخ تاج الدین ... الخ. انتهى.




القول الثالث


قول الخلیفة عمر بأنها نزلت فی حجة الوداع یوم عرفة یوم جمعة، وهذا هو القول المشهور عند السنیین فقد رواه البخارى فی صحیحه: ۱|۱۶

عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب رضی الله عنه أن رجلاً من الیهود قال له: یا أمیر المؤمنین آیة فی کتابکم تقرؤونها، لو علینا معشر الیهود نزلت لاتخذنا ذلک الیوم عیدا !! قال أی آیة؟ قال: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الاِسلام دینا. قال عمر: قد عرفنا ذلک الیوم والمکان الذى نزلت فیه على النبی صلى الله علیه وسلم، وهو قائمٌ بعرفة، یوم جمعة.

ـ وفی البخاری ۵|۱۲۷

عن طارق بن شهاب إن أناساً من الیهود قالوا: لو نزلت هذه الآیة فینا لاتخذنا ذلک الیوم عیداً، فقال عمر: أیة آیةٍ؟

فقالوا: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الاِسلام دینا.

فقال عمر: إنی لا علم أی مکان أنزلت، أنزلت ورسول الله صلى الله علیه وسلم واقف بعرفة ...

عن طارق بن شهاب: قالت الیهود لعمر: إنکم تقرؤون آیة، لو نزلت فینا لاتخذناها عیداً!

فقال عمر: إنی لاَعلم حیث أنزلت وأین أنزلت، وأین رسول الله صلى الله علیه وسلم حین أنزلت. یوم عرفة وأنا والله بعرفة ـ قال سفیان: وأشک کان یوم الجمعة، أم لا ـ الیوم أکملت لکم دینکم.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۵

وفی البخاری: ۸|۱۳۷:

عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من الیهود لعمر: یا أمیر المؤمنین لو أن علینا نزلت هذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الاِسلام دینا.. لاتخذنا ذلک الیوم عیداً!

فقال عمر: إنی لاعلم أی یوم نزلت هذه الآیة، نزلت یوم عرفة فی یوم جمعة. سمع سفیان من مسعر، ومسعر قیساً، وقیس طارقاً. انتهى.

وقد روت عامة مصادر السنیین روایة البخاری هذه ونحوها بطرقٍ متعددة، وأخذ بها أکثر علمائهم، ولم یدیروا بالاً لتشکیک بعضهم فی أن یکون یوم عرفة فی حجة الوداع یوم جمعة، مثل سفیان الثوری والنسائی! ولا لروایاتهم المؤیدة لرأی أهل البیت علیهم السلام ، التی تقدمت .. وذلک بسبب أن الخلیفة عمر قال إنها لم تنزل یوم الغدیر بل نزلت فی عرفات قبل الغدیر بتسعة أیام، وقوله مقدم عندهم على کل اعتبار.

ـ قال السیوطی فی الاِتقان ۱|۷۵ عن الآیات التی نزلت فی السفر:

منها: الیوم أکملت لکم دینکم. فی الصحیح عن عمر أنها نزلت عشیة عرفة یوم الجمعة عام حجة الوداع، وله طرقٌ کثیرة.

لکن أخرج ابن مردویة عن أبی سعید الخدری: أنها نزلت یوم غدیر خم.

وأخرج مثله من حدیث أبی هریرة وفیه: أنه الیوم الثامن عشر من ذی الحجة مرجعه من حجة الوداع. وکلاهما لا یصح. انتهى.

وقال فی الدر المنثور: ۲|۲۵۹

أخرج ابن مردویة، وابن عساکر بسند ضعیف، عن أبی سعید الخدری قال: لما نصب رسول الله صلى الله علیه وسلم علیاً یوم غدیر خم، فنادى له بالولایة هبط جبرئیل علیه بهذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم.

وأخرج ابن مردویة، والخطیب، وابن عساکر بسند ضعیف عن أبی هریرة قال: لما کان غدیر خم وهو الیوم الثامن عشر من ذی الحجة، قال النبی صلى الله علیه وسلم: من کنت مولاه فعلی مولاه، فأنزل الله: الیوم أکملت لکم دینکم. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۶

وموقف السیوطی هو الموقف العام للعلماء السنیین .. ولکنه لا یعنی أنهم یضعفون حدیث الغدیر کما تقدم، بل یقولون إن حدیث الغدیر صحیحٌ، ولکن الآیة نزلت قبل ذلک الیوم، تمسکاً بقول الخلیفة عمر الذی روته صحاحهم، حتى لو خالفه حدیثٌ صحیحٌ، وحتى لو خالفه الحساب والتاریخ!

ومن المتعصبین لرأی عمر المذکور: ابن کثیر، وهذه خلاصة من تفسیره: ۲|۱۴:

قال أسباط عن السدی: نزلت هذه الآیة یوم عرفة، ولم ینزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ. وقال ابن جریر وغیر واحد: مات رسول الله صلى الله علیه وسلم بعد یوم عرفة بأحد وثمانین یوماً، رواهما ابن جریر.

ثم ذکر ابن کثیر روایة مسلم وأحمد والنسائی والترمذی المتقدمة وقال:

قال سفیان: وأشک کان یوم الجمعة أم لا: الیوم أکملت لکم دینکم الآیة.

وشک سفیان رحمه الله إن کان فی الروایة فهو تورُّعٌ، حیث شک هل أخبره شیخه بذلک أم لا، وإن کان شکاً فی کون الوقوف فی حجة الوداع کان یوم جمعة فهذا ما إخاله یصدر عن الثوری رحمه الله فإن هذا أمر معلومٌ مقطوعٌ به، لم یختلف فیه أحدٌ من أصحاب المغازی والسیر ولا من الفقهاء، وقد وردت فی ذلک أحادیث متواترة، لا یشک فی صحتها، والله أعلم. وقد روى هذا الحدیث من غیر وجه عن عمر.

وقال ابن جریر ... عن قبیصة یعنی ابن أبی ذئب قال: قال کعب لو أن غیر هذه الاَمة نزلت علیهم هذه الآیة لنظروا الیوم الذی أنزلت فیه علیهم فاتخذوه عیداً یجتمعون فیه !!

فقال عمر: أی آیةٍ یا کعب؟

فقال: الیوم أکملت لکم دینکم.

فقال عمر: قد علمت الیوم الذی أنزلت والمکان الذی أنزلت فیه، نزلت فی یوم الجمعة ویوم عرفة، وکلاهما بحمد الله لنا عیدٌ ....( ورواه فی مختصر تاریخ دمشق ۲ جزء ۴|۳۰۹ )





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۷

وقال ابن جریر: ....حدثنا عمرو بن قیس السکونی أنه سمع معاویة بن أبی سفیان على المنبر ینتزع بهذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم حتى ختمها، فقال: نزلت فی یوم عرفة، فی یوم جمعة ...

وقال ابن جریر: وقد قیل لیس ذلک بیومٍ معلومٍ عند الناس !!

ثم روى من طریق العوفی عن ابن عباس فی قوله: الیوم أکملت لکم دینکم یقول لیس بیومٍ معلومٍ عند الناس. قال: وقد قیل إنها نزلت على رسول الله صلى الله علیه وسلم فی مسیره (الى ) حجة الوداع.

ثم قال ابن کثیر:

قلت: وقد روى ابن مردویة من طریق أبی هارون العبدی، عن أبی سعید الخدری أنها نزلت على رسول الله صلى الله علیه وسلم یوم غدیر خم، حین قال لعلی: من کنت مولاه فعلی مولاه. ثم رواه عن أبی هریرة، وفیه أنه الیوم الثامن عشر من ذی الحجة، یعنی مرجعه علیه السلام من حجة الوداع.

ولا یصح لا هذا ولا هذا، بل الصواب الذی لا شک فیه ولا مریة، أنها أنزلت یوم عرفة وکان یوم جمعة، کما روى ذلک أمیر المؤمنین عمر بن الخطاب، وعلی بن أبی طالب، وأول ملوک الاِسلام معاویة بن أبی سفیان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب رضی الله عنه ، وأرسله الشعبی، وقتادة بن دعامة، وشهر بن حوشب، وغیر واحد من الاَئمة والعلماء، واختاره ابن جریر الطبری رحمه الله. انتهى.

وتلاحظ أن ابن کثیر لا یرید الاِعتراف بوجود تشکیکٍ فی أن یوم عرفة کان یوم جمعة، لاَن ذلک یخالف قول عمر، وقد صعب علیه تشکیک سفیان الثوری الصریح فالتفَّ علیه لیخربه !!

ومما یدل على أن الرواة کانوا فی شکٍّ من أن یوم عرفات کن یوم جمعة ما رواه الطبری فی تفسیره: ۴|۱۱۱ مما لم یذکره ابن کثیر قال:





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۸

حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الوهاب قال: ثنا داود قال قلت لعامر: إن الیهود تقول: کیف لم تحفظ العرب هذا الیوم الذی أکمل الله لها دینها فیه ؟!

فقال عامر: أو ما حفظته؟

قلت له: فأی یوم؟

قال: یوم عرفة أنزل الله فی یوم عرفة !!

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآیة، أعنی قوله: الیوم أکملت لکم دینکم یوم الاِثنین، وقالوا: أنزلت سورة المائدة بالمدینة.

ذکر من قال ذلک: حدثنی المثنى قال: ثنا إسحاق قال: أخبرنا محمد بن حرب قال: ثنا ابن لهیعة، عن خالد بن أبی عمران، عن حنش عن ابن عباس: ولد نبیکم صلى الله علیه وآله یوم الاِثنین، وخرج من مکة یوم الاِثنین، ودخل المدینة یوم الاِثنین، وأنزلت سورة المائدة یوم الاِثنین: الیوم أکملت لکم دینکم، ورفع الذکر یوم الاِثنین.

ثم قال الطبری: وأولى الاَقوال فی وقت نزول الآیة القول الذی روی عن عمر بن الخطاب أنها نزلت یوم عرفة یوم جمعة، لصحة سنده وهی أسانید غیره. انتهى.




الموقف العلمی فی سبب نزول الآیة



بإمکان الباحث أن یفتش عن الحقیقة فی سبب نزول الآیة فی أحادیث حجة الوداع، لاَن هذا الوداع الرسولی المهیب قد تم بإعلانٍ ربانیٍّ مسبق، وإعدادٍ نبوی واسع .. وقد حضره مابین سبعین ألفاً الى مئة وعشرین ألفاً من المسلمین، ونقلوا العدید من من أحداث حجة الوداع، وأقوال النبی صلى الله علیه وآله وأفعاله فیها، بشىٍَ من التفصیل، ورووا أنه خطب فی أثنائها خمس خطب أو أکثر .. وسجلوا یوم حرکته من المدینة، والاَماکن التی مر علیها أو توقف فیها، ومتى دخل مکة، ومتى وکیف أدى المناسک .. ثم رووا حرکة رجوعه وما صادفه فیها.. الى أن دخل الى المدینة المنورة وعاش فیها نحو شهرین بقیة عمره الشریف صلى الله علیه وآله .





--------------------------------------------------------------------------------

۲۶۹

وعلى هذا، فإن عنصر التوقیت والتاریخ حاسمٌ فی المسألة، وهو الذی یجب أن یکون مرجحاً للرأی الصحیح من الرأیین المتعارضین.

وعنصر التوقیت هنا یرجح قول أهل البیت علیهم السلام والروایات السنیة الموافقة لهم، مضافاً الى المرجحات الاَخرى المنطقیة، التی تنضم الیه کما یلی:

أولاً: أن التعارض هنا لیس بین حدیثین أحدهما أصح سنداً وأکثر طرقاً کما توهموا .. بل هو تعارض بین حدیث عن النبی صلى الله علیه وآله وبین قولٍ للخلیفة عمر.

فإن الاَحادیث التی ضعفوها هی أحادیث نبویة مسندة، بینما أحادیث البخاری وغیره هی قول لعمر، لم یسنده الى النبی صلى الله علیه وآله!

فالباحث السنی لا یکفیه أن یستدل بقول عمر فی سبب نزول القرآن، ویردَّ به الحدیث النبوی المتضمن سبب النزول، بل لا بد له أن یبحث فی سند الحدیث ونصه، فإن صح عنده فعلیه أن یأخذ به ویترک قول عمر .. وإن لم یصح رجع الى أقوال الصحابة المتعارضة، وجمع بین الموثوق منها أِن أمکن الجمع، وإلا رجح بعضها وأخذ به، وترک الباقی .. ولکنهم لم یفعلوا ذلک مع الاَسف!

ثانیاً: لو تنزلنا وقلنا إن أحادیث أهل البیت علیهم السلام فی سبب نزول الآیة والاَحادیث السنیة المؤیدة لها لیست أکثر من رأی لاَهل البیت ومن أیدهم فی ذلک، وأن التعارض یصیر بین قولین لصحابیین فی سبب النزول، أو بین قول صحابی وقول بعض أئمة أهل البیت علیهم السلام .

فنقول: إن النبی صلى الله علیه وآله أوصى أمته بأخذ الدین من أهل بیته علیهم السلام ولم یوصها بأخذه من أصحابه .. وذلک فی حدیث الثقلین الصحیح المتواتر عند الجمیع، وهو کما فی مسند أحمد: ۳|۱۴: عن أبی سعید قال قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: إنی تارکٌ فیکم الثقلین، أحدهما أکبر من الآخر: کتاب الله حبلٌ ممدود من السماء الى الاَرض، وعترتی أهل بیتی، وإنهما لن یفترقا حتى یردا علیَّ الحوض. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۰

ورواه أیضاً فی: ۳|۱۷ ـ ۲۶ و۵۹، و: ۴|۳۶۶، و۳۷۱، والدارمی: ۲|۴۳۱، ومسلم ۷|۱۲۲، والحاکم، وصححه على شرط الشیخین وغیرهما فی: ۳|۱۰۹ و ۱۴۸، والبیهقی فی سننه: ۲|۱۴۸، وغیرهم.

وهذا الحدیث الصحیح بدرجة عالیة یدل على حصر مصدر الدین بعد النبی صلى الله علیه وآله بأهل بیته صلى الله علیه وعلیهم، أو یدل على الاَقل على ترجیح قولهم عند تعارضه مع قول غیرهم!

ثالثاً: أن الروایة عن الخلیفة عمر نفسه متعارضة، وتعارضها یوجب التوقف فی الاَخذ بها، فقد رووا عنه أن یوم عرفة فی حجة الوداع کان یوم خمیس، ولیس یوم جمعة. قال النسائی فی سننه: ۵|۲۵۱:

أخبرنا إسحق بن إبراهیم قال: أنبأنا عبدالله بن إدریس، عن أبیه، عن قیس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال یهودی لعمر: لو علینا نزلت هذه الآیة لاتخذناه عیداً: الیوم أکملت لکم دینکم.

قال عمر: قد علمت الیوم الذی أنزلت فیه واللیلة التی أنزلت، لیلة الجمعة ونحن مع رسول الله صلى الله علیه وسلم بعرفات!

والطریف أن النسائی روى عن عمر فی: ۸|۱۱۴، أنها نزلت فی عرفات فی یوم جمعة!

رابعاً: تقدم قول البخاری فی روایته أن سفیان الثوری وهو من أئمة الحدیث والعقیدة عندهم، لم یوافق على أن یوم عرفة کان یوم جمعة ( قال سفیان وأشک کان یوم الجمعة أم لا .. ) وهناک عددٌ من الروایات تؤید شک سفیان، بل یظهر أن سفیاناً کان قاطعاً بأن یوم عرفة فی حجة الوداع لم یکن یوم جمعة، وإنما قال ( أشک ) مداراةً لجماعة عمر، الذین رتبوا کل الروایات لاَحداث حجة الوداع، بل وأحداث التاریخ الاِسلامی کلها .. على أساس أن یوم عرفات کان یوم جمعة، کما ستعرف.

خامساً : أن عید المسلمین هو یوم الاَضحى، ولیس یوم عرفة، ولم أجد روایةً




--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۱

تدل على أن یوم عرفة عیدٌ شرعی، فالقول بذلک مما تفرد به الخلیفة عمر، ولم یوافقه علیه أحدٌ من المسلمین! وهو عند السلفیین یدخل فی باب البدعة!

أما إذا أخذنا بروایة النسائی القائلة إن عرفة کان یوم خمیس، وأن الآیة نزلت لیلة عرفة .. فلا یبقى عیدٌ حتى یصطدم به العید النازل من السماء، ولا یحتاج الاَمر الى قانون إدغام الاَعیاد الاِلَهیة المتصادمة، کما ادعى الخلیفة! .

فیکون معنى جواب الخلیفة على هذه الروایة أن یوم نزول آیة إکمال الدین یستحق أن یکون عیداً، ولکن آیته نزلت قبل العید بیومین، فلم نتخذ یومها عیداً!

وهذا کلام متهافت!

سادساً: أن قول عمر یناقض ما رووه عن عمر نفسه بسندٍ صحیحٍ أیضاً .. فقد فهم هذا الیهودی من الآیة أن الله تعالى قد أکمل تنزیل الاِسلام وختمه فی یوم نزول الآیة، وقبل عمر منه هذا التفسیر .. فلا بد أن یکون نزولها بعد نزول جمیع الفرائض، فیصح على رأیه ما قاله أهل البیت علیهم السلام وما قاله السدی وابن عباس وغیرهما من أنه لم تنزل بعدها فریضةٌ ولا حکم.

مع أن الخلیفة عمر قال إن آیة إکمال الدین نزلت قبل آیات الکلالة، وأحکام الاِرث، وغیرها، کما تقدم .. فوجب على مذهبه أن یقول للیهودی: لیس معنى الآیة کما ظننت، بل کان بقی من الدین عدة أحکامٍ وشرائع نزلت بعدها، وذلک الیوم هو الجدیر بأن یکون عیداً!

وعندما تتعارض الروایات عن شخصٍ واحد وتتناقض، فلا بد من التوقف فیها جمیعاً، وتجمید کل روایات عمر فی آخر ما نزل من القرآن، وفی وقت نزول آیة إکمال الدین!

ومن جهة أخرى، فقد أقر الخلیفة أن ( الیوم ) فی الآیة هو الیوم المعین الذی نزلت فیه، ولیس وقتاً مجملاً ولا یوماً مضى قبل سنة کفتح مکة، أو یأتی بعد شهور




--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۲

مثلاً. فهو یستوجب رد قول الطبری الذی تعمد اختیاره لیوافق عمر، ویستوجب رد کل الروایات التی ترید تعویم کلمة ( الیوم ) فی الآیة، أو ترید جعله یوم فتح مکة.

قال القرطبی فی تفسیره: ۱|۱۴۳

وقد یطلق الیوم على الساعة منه قال الله تعالى: الیوم أکملت لکم دینکم وجمع یوم أیام وأصله أیوام فأدغم.

وقال فی: ۲|۶۱

والیوم قد یعبر بجزء منه عن جمیعه، وکذلک عن الشهر ببعضه تقول: فعلنا فی شهر کذا کذا وفی سنة کذا کذا، ومعلوم أنک لم تستوعب الشهر ولا السنة، وذلک مستعملٌ فی لسان العرب والعجم.

سابعاً : أن جواب الخلیفة للیهودی غیر مقنعٍ لا للیهودی ولا للمسلم!

فإن کان یقصد الاِعتذار بأن نزولها صادف یوم عید، ولذلک لم نتخذ یومها عیداً!

فیمکن للیهودی أن یجیبه: لماذا خرَّب علیکم ربکم هذا العید وأنزله فی ذلک الیوم ؟!

وإن کان یقصد إدغام عید إکمال الدین بعید عرفة، حتى صار جزءً منه!

فمن حق سائلٍ أن یسأل: هذا یعنی أنکم جعلتم یوم نزولها نصف عید، مشترکاً مع عرفة .. فأین هذا العید الذی لا یوجد له أثر عندکم، إلا عند الشیعة ؟!

وإن کان یقصد أن هذا الیوم الشریف والعید العظیم، قد صادف یوم جمعة ویوم عرفة، فأدغم فیهما وذاب، أو أکلاه وانتهى الاَمر!

فکیف أنزل الله تعالى هذا العید على عیدین، وهو یعلم أنهما سیأکلانه!

فهل تعمد الله تعالى تذویب هذا العید، أم أنه نسی والعیاذ بالله فأنزل عیداً فی یوم عید، فتدارک المسلمون الاَمر بقرار الدمج والاِدغام، أو التنصیف !!

ثم من الذی اتخذ قرار الاِدغام؟ ومن الذی یحق له أن یدغم عیداً إلهیاً فی عید آخر، أو یطعم عیداً ربانیاً لعید آخر!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۳

ومابال الاَمة الاِسلامیة لم یکن عندها خبر من حادثة اصطدام الاَعیاد الربانیة فی عرفات، حتى جاء هذا الیهودی فی خلافة عمر ونبههم! فأخبره الخلیفة عمر بأنه یوافقه على کل ما یقوله، وأخبره وأخبر المسلمین بقصة تصادم الاَعیاد الاِلَهیة فی عرفات! وأن الحکم الشرعی فی هذا التصادم هو الاِدغام لمصلحة العید السابق، أو إطعام العید اللاحق للسابق!

وهل هذه الاَحکام للاَعیاد أحکامٌ إسلامیة ربانیة، أم استحسانیة شبیهاً بقانون تصادم السیارات، أو قانون تصادم الاَعیاد الوطنیة والدینیة ؟! !

إن المشکلة التی طرحها الیهودی، ما زالت قائمة عند الخلیفة وأتباعه، لاَن الخلیفة لم یقدم لها حلاً .. وکل الذی قدمه أنه اعترف بها وأقرها، ثم رتب علیها أحکاماً لا یمکن قبولها، ولم یقل إنه سمعها من النبی! صلى الله علیه وآله

. فقد اعترف خلیفة المسلمین بأن یوم نزول الآیة یوم عظیمٌ ومهمٌ بالنسبة الى المسلمین، لاَنه یوم مصیری وتاریخی أکمل الله فیه تنزیل الاِسلام، وأتمَّ فیه النعمة على أمته، ورضیه لهم دیناً یدینونه به، ویسیرون علیه، ویدعون الاَمم الیه.

وأن هذا الیوم العظیم یستحق أن یکون عیداً شرعیاً للاَمة الاِسلامیة تحتفل فیه وتجتمع فیه، فی صف أعیادها الشرعیة الثلاث: الفطر والاَضحى والجمعة، وأنه لو کان عند أمة أخرى یوم مثله، لاَعلنته عیداً ربانیاً، وکان من حقها ذلک شرعاً ..

لقد وافق الخلیفة محاوره الیهودی على کل هذا، وبذلک یکون عید إکمال الدین فی فقه إخواننا عیداً شرعیاً سنویاً، یضاف الى عیدی الفطر والاَضحى السنویین وعید الجمعة الاَسبوعی.

إن الناظر فی المسألة یلمس أن الخلیفة عمر وقع فی ورطة ( آیة علی بن أبی طالب ) من ناحیتین: فهو من ناحیة ناقض نفسه فی آخر مانزل من القرآن .. ومن ناحیة فتح على نفسه المطالبة بعید الآیة الى یوم القیامة !! وصار من حق المسلم أن یسأل أتباع عمر من الفقهاء عن هذا العید الذی لا یرى له عیناً ولا أثراً ولا اسماً فی تاریخ المسلمین، ولا فی حیاتهم، ولا فی مصادرهم .. إلا .. عند الشیعة!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۴

ثم .. إن الاَعیاد الاِسلامیة توقیفیة، فلا یجوز لاَحد أن یشرع عیداً من نفسه .. وحجة الشیعة فی جعل یوم الغدیر عیداً، أن أهل البیت علیهم السلام وشیعتهم رووا عن النبی صلى الله علیه وآله أن یوم الآیة أی یوم الغدیر عیدٌ شرعی، وأن جبرئیل أخبره بأن الاَنبیاء علیهم السلام کانوا یأمرون أممهم أن تتخذ یوم نصب الوصی عیداً.

فماهی حجة الخلیفة فی تأیید کلام الیهودی، وموافقته له بأن ذلک الیوم یستحق أن یکون عیداً شرعیاً للأمة الاِسلامیة! ثم أخذ یعتذر له بأن مصادفة نزولها فی عیدین أوجبت عدم إفراد المسلمین لیومها بعید .. الخ.

فإن کان الخلیفة حکم من عند نفسه بأن یوم الآیة یستحق أن یکون عیداً، فهو تشریع وبدعة، وإن کان سمعه من النبی صلى الله علیه وآله ، فلماذا لم یذکره، ولم یرو أحدٌ من المسلمین شیئاً عن عید الآیة، إلا ما رواه الشیعة ؟!

ثامناً : لو کان یوم عرفة یوم جمعة کما قال عمر فی بعض أقواله، لصلى النبی صلى الله علیه وآله بالمسلمین صلاة الجمعة، مع أن أحداً لم یرو أنه صلى الجمعة فی عرفات، بل روى النسائی وغیره أنه قد صلى الظهر والعصر!

والظاهر أن النسائی یوافق سفیان الثوری ولا یوافق عمر، فقد جعل فی سننه: ۱| ۲۹۰ عنواناً باسم ( الجمع بین الظهر والعصر بعرفة ).

وروى فیه عن جابر بن عبد الله قال: سار رسول الله صلى الله علیه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى الى بطن الوادی خطب الناس، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم یصل بینهما شیئاً !! انتهى.

ـ وکذلک روى أبو داود فی سننه: ۱|۴۲۹

عن ابن عمر قال: غدا رسول الله صلى الله علیه وسلم من منى حین صلى الصبح صبیحة یوم عرفة، حتى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهی منزل الاِمام الذی ینزل بعرفة،




--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۵

حتى إذا کان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله علیه وسلم مهجراً، فجمع بین الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. انتهى.

وأما الجواب بأن الجمعة تسقط فی السفر، فهو أمر مختلفٌ عندهم فیه، ولو صح أن یوم عرفة کان یوم جمعة ولم یصل النبی صلى الله علیه وآله صلاة الجمعة، لذکر ذلک مئات المسلمین الذین کانوا فی حجة الوداع!

وقد تمحل ابن حزم فی الجواب عن ذلک فقال فی المحلى: ۷|۲۷۲:

مسألة: وإن وافق الاِمام یوم عرفة یوم جمعةٍ جهرِ وهی صلاة جمعة! ویصلی الجمعة أیضاً بمنى وبمکة، لاَن النص لم یأت بالنهی عن ذلک، وقال تعالى: إذا نودی للصلاة من یوم الجمعة فاسعوا الى ذکر الله وذروا البیع، فلم یخص الله تعالى بذلک غیر یوم عرفة ومنى.

وروینا ... عن عطاء بن أبی رباح قال: إذا وافق یوم جمعة یوم عرفة، جهر الاِمام بالقراءة ... فإن ذکروا خبراً رویناه ... عن الحسن بن مسلم قال: وافق یوم الترویة یوم الجمعة وحجة النبی علیه السلام فقال: من استطاع منکم أن یصلی الظهر بمنى فلیفعل، فصلى الظهر بمنى ولم یخطب ... فهذا خبرٌ موضوعٌ فیه کل بلیة: ابراهیم بن أبی یحیى مذکور بالکذب متروک من الکل، ثم هو مرسل، وفیه عن ابن الزبیر، مع ابن أبی یحیى الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، ثم الکذب فیه ظاهر، لاَن یوم الترویة فی حجة النبی علیه السلام إنما کان یوم الخمیس، وکان یوم عرفة یوم الجمعة، روینا ذلک من طریق البخارى ...

فإن قیل: إن الآثار کلها إنما فیها جمع رسول الله علیه السلام بعرفة بین الظهر والعصر؟

قلنا: نعم وصلاة الجمعة هی صلاة الظهر نفسها! ولیس فی شیَ من الآثار أنه علیه السلام لم یجهر فیها، والجهر أیضاً لیس فرضاً، وإنما یفترق الحکم فی أن ظهر یوم الجمعة فی الحضر والسفر للجماعة رکعتان. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۶

وجواب ابن حزم: أنه صادر على المطلوب، لاَنه رد الروایة لمجرد مخالفتها لقول عمر بأن یوم عرفة لم یکن یوم جمعة!

فلماذا لم یرد قول عمر بقوله الثانی بأن عرفة کانت یوم خمیس، وروایته صحیحة؟

أو بقول النسائی والثوری، والاَقوال العدیدة التی ذکرها الطبری وغیره؟

ولو صح ماقاله من أن النبی صلى الله علیه وآله اعتبر رکعتی الظهر فی عرفة صلاة جمعة لاَنه جهر فیهما، لاشتهر بین المسلمین أن النبی صلى الله علیه وآله جهر فی صلاة الظهر التی لا یجهر بها لتصبح ( أتوماتیکیاً ) صلاة جمعة!

بل إن الروایة التی کذبها وهاجمها بسبب مخالفتها لروایة عمر تنص على أنه صلى الله علیه وآله صلى الجمعة فی منى، وهی أقرب الى حساب سفره صلى الله علیه وآله من المدینة الذی کان یوم الخمیس لاَربع بقین من ذی القعدة، ووصوله الى مکة یوم الخمیس لاَربع مضین من ذی الحجة، وأن أول ذی الحجة کان یوم الاِثنین، فیوم عرفة یوم الثلاثاء، وعید الاَضحى الاَربعاء، ویوم الجمعة کان ثانی عشر ذی الحجة کما سیأتی .. فیکون قول الراوی إن الجمعة کانت فی منى قولاً صحیحاً، ولکنه اشتبه وحسبها قبل موقف عرفات، مع أنها کانت بعده!

تاسعاً : إن القول بأن یوم عرفة فی تلک السنة کان یوم جمعة، تعارضه روایاتهم التی تقول إنه صلى الله علیه وآله عاش بعد نزول الآیة إحدى وثمانین لیلةً أو ثمانین!

فقد ثبت عندهم أن وفاة النبی صلى الله علیه وآله فی الیوم الثانی عشر من ربیع الاَول ومن ۹ ذی الحجة الى ۱۲ ربیع الاَول أکثر من تسعین یوماً .. فلا بد لهم إما أن یأخذوا بروایة وفاته قبل ذلک فیوافقونا على أنها فی ۲۸ من صفر، أو یوافقونا على نزول الآیة فی یوم الغدیر ۱۸ ذی الحجة.

ـ قال السیوطی فی الدر المنثور: ۲|۵۹

وأخرج ابن جریر، عن ابن جریج قال: مکث النبی صلى الله علیه وسلم بعد ما نزلت هذه الآیة إحدى وثمانین لیلة، قوله: الیوم أکملت لکم دینکم. انتهى.

ـ وذکر نحوه فی: ۲|۲۵۷ عن البیهقی فی شعب الاِیمان.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۷

ـ وقال ابن حجر فی تلخیص الحبیر بهامش مجموع النووی: ۷|۳

وروى أبو عبید، عن حجاج، عن ابن جریح أنه صلى الله علیه وسلم لم یبق بعد نزول قوله تعالى: الیوم أکملت لکم دینکم إلا إحدى وثمانین لیلة. ورواه الطبرانی فی المعجم الکبیر برقم ۱۲۹۸۴، ورواه الطبری فی تفسیره: ۴|۱۰۶ عن ابن جریح قال: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسین قال: ثنی حجاج عن ابن جریج قال: مکث النبی صلى الله علیه وآله بعد ما نزلت هذه الآیة إحدى وثمانین لیلة، قوله: الیوم أکملت لکم دینکم.

ـ وقال القرطبی فی تفسیره: ۲۰|۲۲۳:

وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى فی حجة الوداع ثم نزلت: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی. فعاش بعدهما النبی صلى الله علیه وسلم ثمانین یوماً. ثم نزلت آیة الکلالة فعاش بعدها خمسین یوماً، ثم نزل لقد جاءکم رسول من أنفسکم. فعاش بعدها خمسه وثلاثین یوماً. ثم نزل واتقوا یوماً ترجعون فیه الى الله فعاش بعدها أحداً وعشرین یوماً. وقال مقاتل سبعة أیام. وقیل غیر هذا. انتهى.

وروایة ابن عمر تؤید قول أبیه بنزول آیة الکلالة بعد آیة إکمال الدین، ولکنه نسی آیة الربا التی قال أبوه أیضاً إنها آخر آیة، ومن ناحیة أخرى خالف أباه فی أن آیة إکمال الدین نزلت فی عرفة، وقال إنها نزلت بعد سورة النصر بمنى، یعنی بعد انتهاء حجة الوداع وسفر النبی صلى الله علیه وآله ، واقترب من القول بنزولها فی الغدیر !!

ـ وقال الاَمینی فی الغدیر: ۱|۲۳۰

وهو الذی یساعده الاِعتبار ویؤکده النقل الثابت فی تفسیر الرازی: ۳|۵۲۹ عن أصحاب الآثار: إنه لما نزلت هذه الآیة على النبی صلى الله علیه وسلم لم یعمر بعد نزولها إلا أحداً وثمانین یوماً، أو اثنین وثمانین، وعینه أبو السعود فی تفسیره بهامش تفسیر الرازی: ۳|۵۲۳، وذکر المؤرخون منهم أن وفاته صلى الله علیه وآله فی الثانی عشر من ربیع الاَول، وکأن فیه تسامحاً بزیادة یوم واحد على الاِثنین وثمانین یوماً، بعد إخراج یومی الغدیر والوفاة ..





--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۸

وعلى أی فهو أقرب الى الحقیقة من کون نزولها یوم عرفة، کما جاء فی صحیحی البخاری ومسلم وغیرهما لزیادة الاَیام حینئذ. انتهى.

کما تعارض قول عمر بأن یوم عرفات کان یوم جمعة، روایاتهم التی تنص على أن الآیة نزلت یوم الاِثنین .. ففی دلائل البیهقی: ۷|۲۳۳: عن ابن عباس قال: ولد نبیکم صلى الله علیه وآله یوم الاِثنین، ونبىَ یوم الاِثنین، وخرج من مکة یوم الاِثنین، وفتح مکة یوم الاِثنین، ونزلت سورة المائدة یوم الاِثنین: الیوم أکملت لکم دینکم وتوفی یوم الاِثنین.

ـ وقال الهیثمی فی مجمع الزوائد ۱|۱۹۶

رواه أحمد والطبرانی فی الکبیر وزاد فیه: وفتح بدراً یوم الاِثنین، ونزلت سورة المائدة یوم الاِثنین: الیوم أکملت لکم دینکم، وفیه ابن لهیعة وهو ضعیف، وبقیة رجاله ثقات من أهل الصحیح. انتهى.

وللحدیث طرقٌ لیس فیها ابن لهیعة .. ولکن علته الحقیقیة عندهم مخالفته لما قاله الخلیفة عمر، کما صرح به السیوطی وابن کثیر! فقد قال ابن کثیر فی سیرته: ۱| ۱۹۸: تفرد به أحمد، ورواه عمرو بن بکیر عن ابن لهیعة، وزاد: نزلت سورة المائدة یوم الاِثنین: الیوم أکملت لکم دینکم، وهکذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به، وزاد أیضاً: وکانت وقعة بدر یوم الاِثنین. وممن قال هذا یزید بن حبیب. وهذا منکرٌ جداً!! قال ابن عساکر: والمحفوظ أن بدراً ونزول: الیوم أکملت لکم دینکم یوم الجمعة وصدق ابن عساکر. انتهى.

وقد تقدم أن علة نکارته عند ابن کثیر أنه مخالف لقول عمر، وقول معاویة! وقد کان ابن عساکر أکثر اتزاناً منه حیث لم یصف الخبر بالضعف أو النکارة، بل قال إنه مخالفٌ للمحفوظ، أی المشهور عندهم، وهو قول عمر.

وینبغی الاِلفات الى أن الاِشکال علیهم بأحادیث نزول الآیة فی یوم الاِثنین إنما هو إلزامٌ لهم بما التزموا به، وإلا فنحن لا نقبل أنه صلى الله علیه وآله لم یبق بعد الآیة إلا ثمانین یوماً




--------------------------------------------------------------------------------

۲۷۹

لاَن المعتمد عندنا أن الآیة نزلت یوم الثامن عشر من ذی الحجة، وأن وفاته صلى الله علیه وآله کانت فی یوم الثامن والعشرین من صفر، فتکون الفاصلة بنحو سبعین یوماً.

وقد ثبت عندنا أن الآیة نزلت یوم الخمیس، وفی روایة یوم الجمعة، کما ثبت عندنا أن بعثة النبی صلى الله علیه وآله کانت یوم الاِثنین، وأن علیاً علیه السلام صلى معه یوم الثلاثاء، وأن وفاته صلى الله علیه وآله کانت فی یوم الاِثنین أیضاً، وقد تکون سورة المائدة نزلت یوم الاِثنین أی أکثرها، ثم نزلت بقیتها بعد ذلک، ومنها آیة التبلیغ، وآیة إکمال الدین.

عاشراً : إن القول بأن یوم عرفة فی تلک السنة کان یوم جمعة، تعارضه الروایات التی سجلت یوم حرکة النبی صلى الله علیه وآله من المدینة، وأنه کان یوم الخمیس لاَربعٍ بقین من ذی القعدة. وهو الروایة المشهورة عن أهل البیت علیهم السلام ، وهی منسجمةٌ مع تاریخ نزول الآیة فی یوم الغدیر الثامن عشر من ذی الحجة.

وذلک، لاَن سفر النبی صلى الله علیه وآله کان فی یوم الخمیس، أی فی الیوم السابع والعشرین من ذی القعدة، لاَربع بقین من ذی القعدة هی: الخمیس والجمعة والسبت والاَحد.. ویکون أول ذی الحجة یوم الاِثنین، ووصول النبی صلى الله علیه وآله الى مکة عصر الخمیس الرابع من ذی الحجة فی سلخ الرابع، کما فی روایة الکافی: ۴|۲۴۵، ویکون یوم عرفة یوم الثلاثاء، ویوم الغدیر یوم الخمیس الثامن عشر من ذی الحجة. وهذه نماذج من روایات أهل البیت علیهم السلام فی ذلک:

ـ ففی وسائل الشیعة: ۹|۳۱۸

محمد بن إدریس فی ( آخر السرائر ) نقلاً من کتاب المشیخة للحسن بن محبوب قال: خرج رسول الله صلى الله علیه وآله لاَربعٍ بقین من ذی القعدة، ودخل مکة لاَربعٍ مضیْن من ذی الحجة، دخل من أعلى مکة من عقبة المدنیین، وخرج من أسفلها.

ـ وفی الکافی: ۴|۲۴۵

عن أبی عبد الله علیه السلام قال: حج رسول الله صلى الله علیه وآله عشرین حجة ... إن رسول الله صلى الله علیه وآله أقام بالمدینة عشر سنین لم یحج، ثم أنزل الله عز وجل علیه: وأذن فی الناس بالحج




--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۰

یأتوک رجالاً وعلى کل ضامرٍ یأتین من کل فجٍ عمیق، فأمر المؤذنین أن یؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله صلى الله علیه وآله یحج فی عامه هذا، فعلم به من حضر المدینة وأهل العوالی والاَعراب، واجتمعوا لحج رسول الله صلى الله علیه وآله ، وإنما کانوا تابعین ینظرون ما یؤمرون ویتبعونه، أو یصنع شیئاً فیصنعونه، فخرج رسول الله صلى الله علیه وآله فی أربع بقین من ذی القعدة، فلما انتهى الى ذی الحلیفة زالت الشمس فاغتسل، ثم خرج حتى أتى المسجد الذی عند الشجرة فصلى فیه الظهر، وعزم بالحج مفرداً، وخرج حتى انتهى الى البیداء عند المیل الاَول فصف له سماطان، فلبى بالحج مفرداً، وساق الهدی ستاً وستین أو أربعاً وستین، حتى انتهى الى مکة فی سلخ أربع من ذی الحجة فطاف بالبیت سبعة أشواط، ثم صلى رکعتین خلف مقام إبراهیم علیه السلام ، ثم عاد الى الحجر فاستلمه ...

ـ وفی المسترشد|۱۱۹:

العبدی عن أبی سعید أن رسول الله صلى الله علیه وآله دعا الناس الى علی علیه السلام بغدیر خم، وأمر بما کان تحت الشجرة من الشوک فقمَّ، وذلک یوم الخمیس، ثم دعا الناس، وأخذ بضبعیه ورفعه حتى نظر الناس الى بیاض إبطیه، ثم لم یتفرقوا حتى نزلت هذه الآیة: الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الاِسلام دیناً، فقال رسول الله صلى الله علیه وآله : الله أکبر على إکمال الدین وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتی وبالولایة لعلی من بعدی. انتهى.




ویؤید قول أهل البیت علیهم السلام ماروته مصادر الفریقین من أن النبی صلى الله علیه وآله کان لا یبدأ سفره إلا یوم الخمیس، أو قلما یبدأه فی غیره، کما فی صحیح البخاری: ۴|۶ وسنن أبی داود ۱|۵۸۶، وتنص روایة ابن سید الناس فی عیون الأثر: ۲|۳۴۱ على أن سفر النبی من المدینة کان یوم الخمیس.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۱

وروى فی بحار الأنوار: ۱۶|۲۷۲ عن الکافی بسندٍ مقبول عن أبی عبد الله علیه السلام قال: کان النبی صلى الله علیه وآله إذا خرج فی الصیف من البیت خرج یوم الخمیس، وإذا أراد أن یدخل فی الشتاء من البرد، دخل یوم الجمعة. انتهى.

ویؤید قول أهل البیت علیهم السلام أیضاً ما رووه عن جابر بأن حرکته صلى الله علیه وآله کانت لاَربعٍ بقین من ذی القعدة، کما یأتی من سیرة ابن کثیر.

بل یؤیده أیضاً، أن البخاری وأکثر الصحاح رووا أن سفره صلى الله علیه وآله کان کان لخمسٍ بقین من ذی القعدة، بدون تحدید یوم راجع البخاری: ۲|۱۴۶ و ۱۸۴ و ۱۸۷ و: ۴|۷ وفیه ( وقدم مکة لاَربع لیالٍ خلون من ذی الحجة )، والنسائی: ۱|۱۵۴ و ۲۰۸ و: ۵|۱۲۱، ومسلم: ۴|۳۲، وابن ماجه: ۲|۹۹۳، والبیهقی: ۵|۳۳، وغیرها.

ویؤیده أیضاً أن مدة سیره صلى الله علیه وآله من المدینة الى مکة لا تزید على ثمانیة أیامٍ، وذلک بملاحظة الطریق الذی سلکه، والذی هو فی حدود ۴۰۰ کیلو متراً، وملاحظة سرعة السیر، حتى أن بعض الناس شکوا له تعب أرجلهم فعلمهم شدها.

وملاحظة أن أحداً لم یرو توقفه فی طریق مکة أبداً.

وملاحظة روایات رجوعه ووصوله الى المدینة أیضاً، مع أنه توقف طویلاً نسبیاً فی الغدیر .. الخ.

ثم بملاحظة الروایات التی تتفق على وصوله الى مکة فی الرابع من ذی الحجة. کما رأیت فی روایات أهل البیت علیهم السلام وروایة البخاری الآنفة.

وبذلک تسقط روایة خروجه من المدینة لستٍ بقین من ذی الحجة، کما فی عمدة القاری، وإرشاد الساری، وابن حزم، وهامش السیرة الحلبیة: ۳|۲۵۷، لاَنها تستلزم أن تکون مدة السیر الى مکة عشرة أیام!



* *






--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۲

وبهذا یتضح حال القول المخالف لروایة أهل البیت علیهم السلام الذی اعتمد أصحابه روایة ( خمس بقین من ذی القعدة ) وحاولوا تطبیقها على یوم السبت، لیجعلوا أول ذی الحجة الخمیس، ویجعلوا یوم عرفة یوم الجمعة تصدیقاً لقول عمر، بل تراهم ملکیین أکثر من الملک، لما تقدم عن عمر من أن یوم عرفة کان یوم الخمیس.

وممن قال بروایة السبت ابن سعد فی الطبقات: ۲|۱۲۴، والواقدی فی المغازی: ۲| ۱۰۸۹ وکذا فی هامش السیرة الحلبیة: ۳|۳، والطبری: ۳|۱۴۸، وتاریخ الذهبی: ۲|۷۰۱، وغیرهم.

وعلى هذه الروایة یکون الباقی من شهر ذی القعدة خمسة أیام هی: السبت والاَحد والاِثنین والثلاثاء والاَربعاء، ویکون أول ذی الحجة الخمیس، ویکون یوم عرفة یوم الجمعة، وتکون مدة السیر الى مکة تسعة أیام، إلا أن یکون الراوی تصور أن ذی القعدة کان تاماً، فظهر ناقصاً.

وقد حاول ابن کثیر الدفاع عن هذا القول، فقال فی سیرته: ۴|۲۱۷:

وقال أحمد ... عن أنس بن مالک الاَنصاری قال: صلى بنا رسول الله صلى الله علیه وسلم الظهر فی مسجده بالمدینة أربع رکعات، ثم صلى بنا العصر بذی الحلیفة رکعتین آمناً لا یخاف، فی حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذین الوجهین، وهما على شرط الصحیح. وهذا ینفی کون خروجه علیه السلام یوم الجمعة قطعاً.

ولا یجوز على هذا أن یکون خروجه یوم الخمیس کما قال ابن حزم، لاَنه کان یوم الرابع والعشرین من ذی القعدة، لاَنه لا خلاف أن أول ذی الحجة کان یوم الخمیس لما ثبت (بالتواتر والاِجماع ) من أنه علیه السلام وقف بعرفة یوم الجمعة، وهو تاسع ذی الحجة بلا نزاع.

فلو کان خروجه یوم الخمیس الرابع والعشرین من ذی القعدة، لبقی فی الشهر ست لیال قطعاً: لیلة الجمعة والسبت والاَحد والاِثنین والثلاثاء والاِربعاء. فهذه ست لیال. وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر إنه خرج لخمس بقین من ذی القعدة وتعذر




--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۳

أنه یوم الجمعة لحدیث أنس، فتعین على هذا أنه علیه السلام خرج من المدینة یوم السبت، وظن الراوی أن الشهر یکون تاماً فاتفق فی تلک السنة نقصانه، فانسلخ یوم الاَربعاء واستهل شهر ذی الحجة لیلة الخمیس. ویؤیده ما وقع فی روایة جابر: لخمس بقین أو أربع.

وهذا التقریب على هذا التقدیر لا محید عنه ولا بد منه. والله أعلم. انتهى.

ویظهر من کلام ابن کثیر عدم اطمئنانه بهذه التقدیرات، لاَنه رأى تشکیک الخلیفة عمر نفسه، وتشکیک سفیان الثوری الذی رواه البخاری، وتشکیک النسائی. وجزم ابن حزم بأن سفره صلى الله علیه وآله کان یوم الخمیس.

ونلاحظ أن ابن کثیر استدل على أن خروج النبی صلى الله علیه وآله یوم الخمیس بالمصادرة على المطلوب فقال ( لما ثبت بالتواتر والاِجماع من أنه علیه السلام وقف بعرفة یوم الجمعة) فأی تواترٍ وإجماعٍ یقصد، وما زال فی أول البحث ؟!

کما أنه استدل على أن سفر النبی صلى الله علیه وآله لم یبدأ من المدینة یوم الجمعة بروایة أنس أن النبی صلى الظهر والعصر ولم یصل الجمعة، وهو استدلالٌ یرد نفسه ویؤید قول أهل البیت علیهم السلام بأن بدء سفره کان الخمیس لاَربعٍ بقین من ذی القعدة!

وتقدمت الروایة عندنا أنه صلى الله علیه وآله صلى الظهر والعصر فی ذی الحلیفة.

ولو صحت روایة أنس بأنه صلى الظهر فی مسجده فی المدینة، ثم صلى العصر فی ذی الحلیفة، فلا ینافی ذلک أن یکون سفره الخمیس، بل یکون معناه أنه أحرم بعد العصر من ذی الحلیفة، وواصل سفره صلى الله علیه وآله




والنتیجة: أن القول بنزول آیة إکمال الدین فی یوم عرفة، یرد علیه إشکالاتٌ عدیدةٌ، سواء فی منطقه، أم فی تاریخه وتوقیته .. تستوجب من الباحث المنصف أن یتوقف ولا یأخذ به.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۴

فیبقى رأی أهل البیت علیهم السلام ومن وافقهم فی سبب نزول الآیة بدون معارض، لاَن المعارض الذی لا یستطیع النهوض للمعارضة کعدمه .. والمتن الکسیح لا ینفع معه السند الصحیح !!

وفی الختام: فإن المجمع علیه عند جمیع المسلمین أن یوم نزول الآیة عیدٌ إلَهیٌّ عظیمٌ ( عید إکمال الدین وإتمام النعمة ) بل ورد عن أهل البیت علیهم السلام أنه أعظم الاَعیاد الاِسلامیة على الاطلاق، ودلیله المنطقی واضحٌ، حیث ارتبط العید الاَسبوعی للمسلمین بصلاة الجمعة، وارتبط عید الفطر بعبادة الصوم، وارتبط عید الاَضحى بعبادة الحج .. أما هذا العید، فهو مرتبطٌ بإتمام الله تعالى نعمة الاِسلام کله على الاَمة، وقد تحقق فی رأی إخواننا السنة بتنزیل أحکام الدین وإکماله من دون تعیین آلیةٍ لقیادة مسیرته ..

وتحقق فی رأینا بإکمال تنزیل الاَحکام، ونعمة الحل الاِلَهی لمشکلة القیادة وإرساء نظام الاِمامة الى یوم القیامة، فی عترة خاتم النبیین صلى الله علیه وآله .

ومادام جمیع المسلمین متفقون على أنه عیدٌ شرعی، فلماذا یقبل علماء المسلمین ومفکروهم ورؤساؤهم أن تخسر الاَمة أعظم أعیادها، ولا یکون له ذکرٌ فی مناسبته، ولا مراسمُ تناسب شرعیته وقداسته ؟!

فهل یستجیب علماء إخواننا السنة الى دعوتنا بالبحث فی فقه هذا العید المظلوم المغیب .. وإعادته الى حیاة کل المسلمین، بالشکل الذی ینسجم مع عقائدهم وفقه مذاهبهم!





الفصـل الخامـس



آیة: سأل سائـل بعذاب واقـع



قال الله تعالى فی مطلع سورة المعارج:

سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین لیس له دافع، من الله ذی المعارج .. . الى آخر السورة الکریمة التی تبلغ ۴۴ آیة.




أحداث کانت وراءها قریش



نمهد لتفسیر الآیة بذکر فهرس عددٍ من الأحداث الخطیرة فی أواخر حیاة النبی صلى الله علیه وآله .. ثبت أن قریشاً کانت وراء بعضها، وتوجد مؤشرات توجب الظن بأنها کانت وراء الباقی.

الأولى: محاولة اغتیال النبی صلى الله علیه وآله فی حنین .. وقد تقدم فی البحث الخامس اعتراف بعض زعماء قریش بها!

الثانیة: محاولة اغتیال النبی صلى الله علیه وآله فی العقبة فی طریق رجوعه من تبوک، وقد کانت محاولة متقنةً، نفذتها مجموعةٌ منافقة بلغت نحو عشرین شخصاً، وقد عرفوا أن النبی صلى الله علیه وآله سیمر لیلاً من طریق الجبل بینما یمر الجیش من طریقٍ حول الجبل، وکانت خطتهم أن یکمنوا فوق الطریق الذی سیمر فیه الرسول صلى الله علیه وآله ، حتى إذا وصل




--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۶

الى المضیق ألقوا علیه ما استطاعوا من صخورٍ لتنحدر بقوةٍ وتقتله، ثم یفرون ویضیعون أنفسهم فی جیش المسلمین، ویبکون على الرسول، ویأخذون خلافته!

وقد ترکهم الله تعالى ینفذون خطتهم، حتى إذا بدؤوا بدحرجة الصخور، جاء جبرئیل وأضاء الجبل علیهم، فرآهم الرسول صلى الله علیه وآله وناداهم بأسمائهم، وأراهم لمرافقیْه المؤمنیْن: حذیفة بن الیمان وعمار بن یاسر، وأشهدهما علیهم، فسارع المنافقون ونزلوا من الجهة الثانیة من الجبل، وضیعوا أنفسهم فی المسلمین! !

أما لماذا لم یعلن الرسول أسماءهم؟!

فلا جواب إلا أنهم من قریش، ومن المعروفین فیها .. وإعلان أسمائهم یعنی معاقبتهم، ومعاقبتهم تعنی خطر ارتداد قریش عن الإسلام، وإمکان إقناعها بعض قبائل العرب بالإرتداد، بحجة أن محمداً أعطى کل شیء من بعده لبنی هاشم، ولم یعط لقریشٍ والعرب شیئاً!

وهذا یعنی السمعة السیئة للإسلام، وأن نبیه صلى الله علیه وآله بعد أن آمن به أصحابه اختلف معهم، وقاتلهم وقاتلوه!

ویعنی الحاجة من جدید الى بدرٍ وأحدٍ والخندق وفتح مکة!

ولن تکون نتائج هذه الدورة للإسلام أفضل من الدورة الأولى!

فالحل الإلَهی هو: السکوت عنهم ما داموا یعلنون قبول الإسلام، ونبوة الرسول صلى الله علیه وآله ، وینکرون فعلتهم.

ومن الملاحظ أن روایات مؤامرة العقبة ذکرت أسماء قرشیة معروفة، وقد ضعَّفها رواة قریش طبعاً، لکن أکثرهم وثقوا ابن جمیْع وغیره من الرواة الذین نقلوا عن حذیفة بن الیمان أسماء هؤلاء الزعماء المشارکین فیها!

کما أنهم رووا عن حذیفة وعمار روایاتٍ فاضحةٍ لبعض الصحابة الذین کانوا یسألونهما عن أنفسهم: هل رأیاهم فی الجبل لیلة العقبة؟! ویحاولون أن یأخذوا منهما براءةً من النفاق والمشارکة فی المؤامرة!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۷

ورووا أنهم کانوا یعرفون الشخص أنه من المنافقین أم لا، عندما یموت .. فإن صلى حذیفة على جنازته فهو مؤمن، وإن لم یصل على جنازته فهو منافق.

ورووا أن حذیفة لم یصل على جنازة أی زعیمٍ من قریشٍ مات فی حیاته! !

الثالثة: قصة سورة التحریم، التی تنص على أن النبی صلى الله علیه وآله أسرَّ بحدیثٍ خطیرٍ الى بعض أزواجه، وأکد علیها أن لا تقوله لأحد، ولا بد أن الله تعالى أمره بذلک لحِکَمٍ ومصالح یعلمها سبحانه .. فخالفت ( أم المؤمنین ) حکم الله تعالى، وأفشت سر زوجها رسول الله صلى الله علیه وآله ، وعملت مع صاحبتها لمصلحة ( قریش ) ضد مصلحة زوجها الرسول .. فأطْلع الله تعالى نبیه على مؤامرتهما، فأخبرهما بما فعلتا، ونزل القرآن بکشف سرهما وسر من ورائهما، وهددهما وضرب لهما مثلاً بامرأتی نوح ولوط، اللتین خانتاهما، فدخلتا النار! !

أما رواة الخلافة القرشیة فیقولون إن المسألة کانت عائلیة، تتعلق بغیرة النساء من بعضهن، وببعض الأخطاء الفنیة الخفیفة لهن مع النبی صلى الله علیه وآله !

إنهم یریدونک أن تغمض عینیک عن آیات الله تعالى فی سورة التحریم، التی تتحدث عن خطرٍ عظیمٍ على الرسول صلى الله علیه وآله والرسالة، وتحشد أعظم جیشٍ جرارٍ لمواجهة الموقف فتقول ( إن تتوبا الى الله فقد صغت قلوبکما، وإن تظاهرا علیه، فإن الله هو مولاه، وجبریل، وصالح المؤمنین، والملائکة بعد ذلک ظهیر )

فلمن صغت قلوبهما، ولمصلحة من تعاونتا على الرسول صلى الله علیه وآله ؟!

وما هی القضیة الشخصیة التی تحتاج معالجتها الى هذا الجیش الإلَهی الجرار، الذی لا یستنفره الله تعالى إلا لحالات الطوارىَ القصوى؟!

أما ابن عباس الذی یصفونه بحبر الأمة، فکان یقرأ الآیة ( زاغت قلوبکما ) وبذلک تکون اثنتان من أمهات المؤمنین احتاجتا الى تجدید إسلامهما!

الرابعة: حادثة هجر النبی صلى الله علیه وآله لنسائه شهراً، وشیوع خبر طلاقه لهن .. وذهابه بعیداً عنهن وعن المسجد، الى بیت ماریة القبطیة الذی کان فی طرف المدینة أو خارجها ..





--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۸

فقد صورت الروایات القرشیة هذه الحادثة على أنها حادثةٌ شخصیة .. شخصیةٌ بزعمهم وشغلت النبی صلى الله علیه وآله والوحی والمسلمین!

وادعوا أن سببها کثرة طلبات نسائه المعیشیة منه صلى الله علیه وآله ، وأکدوا أنه لا ربط للحادثة بقضایا الإسلام المالئة للساحة السیاسیة آنذاک، والشاغلة لزعماء قریش خاصة ..

الخامسة: تصعید عمل قریشٍ ضد علی بن أبی طالب علیه السلام لإسقاط شخصیته، وغضب النبی صلى الله علیه وآله وشدته علیهم فی دفاعه عن علی، وترکیزه لشخصیته .. ولهذا الموضوع مفرداتٌ عدیدة فی حروب النبی وسلمه وسفره وحضره صلى الله علیه وآله ، ونلاحظ أنها کثرت فی السنة الأخیرة من حیاته صلى الله علیه وآله، وغضب بسببها مراراً، وخطب أکثر من مرة، مبیناً فضل علی علیه السلام وفسق أو کفر من یؤذیه!

ولو لم یکن من ذلک إلا قصة بریدة الأسلمی الکاسحة، التی روتها مصادر السنیین بطرقٍ عدیدة، وأسانید صحیحة عالیة، وکشفت عن وجود شبکة عملٍ منظم ترسل الرسائل وتضع الخطط ضد علی علیه السلام ، وسجلت إدانة النبی صلى الله علیه وآله الغاضبة لهم، وتصریحه بأن علیاً ولیکم من بعدی، وحُکمه بالنفاق على کل من ینتقد علیاًوکل من لا یحب علیاً، ولا یطیعه .. !

وهی حادثةٌ تکفی دلیلاً على ظلم زعماء قریش وحسدهم لعلی علیه السلام .. . الخ. !

السادسة: منع تدوین سنة النبی صلى الله علیه وآله فی حیاته .. أما القرآن فقد کان عامة الناس یکتبونه من حین نزوله، وکان النبی صلى الله علیه وآله یأمر بوضع ما ینزل منه جدیداً بین منبره والحائط، وکان یوجد هناک ورقٌ ودواةٌ، لمن یرید أن یکتبه.

وکان علی علیه السلام یکتب القرآن، وحدیث النبی صلى الله علیه وآله الذی یأمره بکتابته.

وکان آخرون یکتبون حدیث النبی صلى الله علیه وآله ، ومنهم شبانٌ قرشیون یعرفون الکتابة مثل عبد الله بن عمرو بن العاص ..

وقد أحست قریش بأن ذلک یعنی تدوین مقولات النبی صلى الله علیه وآله العظیمة فی حق عترته وبنی هاشم، ومقولاته فی ذم عددٍ کبیرٍ من فراعنة قریش وشخصیاتها..




--------------------------------------------------------------------------------

۲۸۹

فعملت على منع کتابة سنة النبی صلى الله علیه وآله فی حیاته، فی حین أن بعض زعمائها کان یکتب أحادیث الیهود، ویحضر درسهم فی کل سبت! ! وقد وثقنا ذلک فی کتاب تدوین القرآن.

وقد روت مصادر السنیین أن عبد الله بن عمرو شکى الى النبی صلى الله علیه وآله أن ( قریشاً ) نهته عن کتابة حدیثه، لأن أحادیثه التی فیها غضبٌ علیها لیست حجة شرعا!

قال أبو داود فی سننه: ۲|۱۷۶:

عن عبد الله بن عمرو قال: کنت أکتب کل شیءٍ أسمعه من رسول الله صلى الله علیه وسلم، أرید حفظه، فنهتنی قریش ( ؟ ) وقالوا: أتکتب کل شیء تسمعه؟! ورسول الله صلى الله علیه وسلم بشرٌ یتکلم فی الغضب والرضا؟! فأمسکت عن الکتاب، فذکرت ذلک لرسول الله صلى الله علیه وسلم، فأومأ بإصبعه الى فیه فقال: أکتب، فوالذی نفسی بیده ما یخرج منه إلا حق! . انتهى. ورواه أحمد فی مسنده: ۲| ۱۹۲، و۲۱۵، والحاکم فی المستدرک: ۱|۱۰۵ و: ۳|۵۲۸، وصححه.

السابعة: محاولة اغتیال النبی صلى الله علیه وآله فی طریق عودته من حجة الوداع عند عقبة هرشى، وقد کشف الوحی المؤامرة، وکانت شبیهةً الى حد کبیرٍ بمؤامرة اغتیاله صلى الله علیه وآله فی العقبة، فی طریق رجوعه من مؤتة!

الثامنة: تصعید قریش انتقادها لأعمال النبی صلى الله علیه وآله لترکیز مکانة عترته علیهم السلام وأسرته بنی هاشم فی الأمة، واعتراض عددٍ منهم علیه بصراحةٍ ووقاحةٍ، ومطالبتهم بأن یجعل الخلافة لقریش تدور فی قبائلها، أو یشرک مع علی غیره من قبائل قریش، وقد رفض النبی صلى الله علیه وآله کل مطالبهم، لأنه لا یملک شیئاً مع الله تعالى، ولم یعط شیئاً من عنده حتى یمنعه، وإنما هو عبدٌ ورسولٌ مبلغ! ! صلى الله علیه وآله.

وقد تقدم نص تنزیه الأنبیاء للشریف المرتضى|۱۶۷، وفیه ( جاءه قوم من قریش فقالوا له: یا رسول الله صلى الله علیه وآله إن الناس قریبو عهد بالإسلام، لا یرضون أن تکون النبوة فیک والإمامة فی ابن عمک علی بن أبی طالب. فلو عدلت به الى غیره لکان أولى.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۰

فقال لهم النبی صلى الله علیه وآله : ما فعلت ذلک برأیی فأتخیر فیه، لکن الله تعالى أمرنی به وفرضه علی.

فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلک مخافة الخلاف على ربک، فأشرک معه فی الخلافة رجلاً من قریش ترکن الناس الیه، لیتم لک أمرک، ولا یخالف الناس علیک.

التاسعة: أن النبی صلى الله علیه وآله عندما کان مریضاً شکل جیشاً بقیادة أسامة بن زید، وجعل تحت إمرته کل زعماء قریش غیر بنی هاشم، وعقد اللواء لأسامة بن زید، وأمره أن یسیر الى مؤتة فی الأردن لمحاربة الروم .. أراد بذلک أن یرسخ قدرة الدولة الإسلامیة ویأخذ بثار شهداء مؤتة، وأراد أن یفرغ المدینة من المعارضین لعلی علیه السلام قبیل وفاته صلى الله علیه وآله !

فخرج أسامة بمن معه وعسکر خارج المدینة، ولکن زعماء قریش أحبطوا خطة النبی صلى الله علیه وآله بتتثاقلهم عن الإنضمام الى جیش أسامة، وتأخیرهم من استطاعوا عنه، ثم طعنوا فی تأمیر النبی صلى الله علیه وآله لأسامة الأفریقی الشاب، بحجة صغر سنه، وواصلوا تسویفهم الوقت، والذهاب الى معسکر أسامة ثم الرجوع الى المدینة .. حتى صعد النبی صلى الله علیه وآله المنبر وشدد على إنفاذ جیش أسامة، وأبلغ المسلمین صدور اللعنة من ربه عز وجل ومنه صلى الله علیه وآله على کل من تخلف عن جیش أسامة! !

العاشرة: تصعید قریش فعالیتها فی مواجهة النبی صلى الله علیه وآله ، وقرارها الخطیر بمواجهته صلى الله علیه وآله مباشرةً إذا أراد أن یستخلف علیاً وأهل بیته من بعده رسمیاً!

وبالفعل فقد قام بمهمة المواجهة زعیم قریش الجدید عمر بن الخطاب، وذلک عندما جمع النبی صلى الله علیه وآله زعماء قریش والأنصار فی مرض وفاته، وأخبرهم أنه قرر أن یکتب لأمته کتاباً لن تضل بعده أبداً، فعرفوا أنه یرید أن یثبت ولایة علی وأهل بیته علیهم السلام على الأمة بصورة مکتوبة، فواجهه عمر بصراحة: لا نرید کتابک وأمانک من الضلال، ولا سنتک ولا عترتک، وحسبنا کتاب الله! وحتى تفسیره من حقنا نحن لا من حقک، وحق عترتک! !





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۱

وأیده القرشیون الحاضرون ومن أثَّروا علیه من الأنصار، وصاحوا فی محضر نبیهم صلى الله علیه وآله : القول ما قاله عمر! !

وانقسم المودعون لنبیهم فی آخر أیامه، وتشادوا بالکلام فوق رأسه صلى الله علیه وآله! ! منهم من یقول قربوا له قلماً وقرطاساً یکتب لکم أماناً من الضلال. وأکثرهم یصیح: القول ما قاله عمر، لا تقربوا له شیئاً، ولا تدَعُوهُ یکتب! !

ولعل جبرئیل حینذاک کان عند النبی صلى الله علیه وآله فقد کثر نزوله علیه فی الأیام الأخیرة، فتشاور معه وأخبره أن الحجة قد تمت، والإصرار على الکتاب یعنی دفع قریش نحو الردة، والحل هو الإعراض عنهم، وإکمال تبلیغهم بطردهم! !

فطردهم النبی صلى الله علیه وآله وقال لهم: قوموا فما ینبغی عند نبی تنازع! قوموا، فما أنا فیه خیر مما تدعونی الیه .. ! !

وحدیث إیتونی بدواةٍ وقرطاسٍ حدیث معروفٌ، وقد سمى ابن عباس تلک الحادثة ( رزیة یوم الخمیس ) ، وقد رواها البخاری فی ست مواضع من صحیحه!

الحادیة عشرة: کان النبی صلى الله علیه وآله مصاباً بحمى شدیدة فی مرضه، وکان یغشى علیه لدقائق من شدة الحمى ویفیق .. فأحس بأن بعض من حوله أرادوا أن یسقوه دواء عندما أغمی علیه، فأفاق ونهاهم، وشدد علیهم النهی بأن لا یسقوه أی دواء إذا أغمی علیه .. ولکنهم اغتنموا فرصة الإغماء علیه بعد ذلک، وصبوا فی فمه دواء فرفضه، ولکنهم سقوه إیاه بالقوة! !

فأفاق النبی صلى الله علیه وآله ، ووبخهم على عملهم! وأمر کل من کان حاضراً أن یشرب من ذلک الدواء، ماعدا بنی هاشم! !

ورووا أن الجمیع شربوا من ( ذلک ) الدواء! !

هذه الحادثة المعروفة فی السیرة بحادثة ( لَدّ النبی ) صلى الله علیه وآله ینبغی أن تعطى حقها من البحث والتحقیق، فربما کانت محاولةً لقتل النبی صلى الله علیه وآله بالسم! !





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۲

إن وکل واحدة من هذه الحوادث تصلح أن تکون موضوعاً لرسالة دکتوراه .. ولکنا أردنا منها التمهید لتفسیر آیة ( سأل سائل ) فی مطلع سورة المعارج.

وإذا أردت أن تعرف الأبطال الحقیقیین لهذه الحوادث، والأدمغة المخططة لها.. فابحث عن قریش! !

وإذا أردت أن تفهم أکثر وتتعمق أکثر، فابحث .. عن علاقة قریش بالیهود! ! فاعجب من ذلک، وافهم کیف عصم الله تعالى رسوله صلى الله علیه وآله من أن ترتد قریش فی حیاته، وتعلن کفرها بنبوته!

ولکنه لم یعصمه من أذاها ومؤامراتها .. فذلک هو طریق الأنبیاء علیهم السلام وتکالیفه .. لا تغییر فیها!




استنفار قریش بعد الغدیر



تحرکت قافلة النبوة والإمامة من غدیر خمٍ نحو المدینة .. وسکن قلب النبی صلى الله علیه وآله واطمأن .. ولکن قریشاً لم تسکن، بل صارت فی حالة غلیانٍ من الغیظ!

هکذا تقول الأحادیث، ومنطق الأحداث .. فقریش لا تسکت حتى ترى العذاب الألیم! وقد قال لهم الصادق الأمین الذی لا ینطق إلا وحیاً صلى الله علیه وآله : لا أراکم منتهین یا معشر قریش! !

إن آیة العصمة من الناس کما قدمنا، لا تعنی أن الله تعالى جعل الطریق أمام رسوله صلى الله علیه وآله ناعماً کالحریر، ولا أنه جعل له قریشاً فرساً ریِّضاً طائعاً ..

إن قدرته تعالى لا یمتنع منها شیء .. ولکنه أراد للأمور أن تجری بأسبابها، وللأمة أن تجری علیها سنن الأمم الماضیة، فتمتحن بإطاعة نبیها من بعده، أو معصیته..

وهذا یستوجب أن تبقى لها القدرة على معصیته .. أما على الردة فی حیاته وفی وجهه .. فلا.

إن قدرتها تصل الى حد قولها لنبیها صلى الله علیه وآله : لا نرید وصیتک ولا سنتک ولا عترتک، حسبنا کتاب الله! !





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۳

لکن ما بعدها ذلک خطٌّ أحمر .. هکذا أراد الله تعالى! !

لقد تحققت عصمة النبی صلى الله علیه وآله من قریش فی منعطفات کثیرة فی حجة الوداع .. فی مکة، وعرفات، وفی ثلاث خطبٍ فی منى، خاصةً خطبة مسجد الخیف ..

وما تنفست قریش الصعداء إلا برحیله صلى الله علیه وآله دون أن یطالبها بالبیعة لعلی!

ولکن الله تعالى لم یکتف بذلک، حتى أمر نبیه صلى الله علیه وآله أن یوقف المسلمین فی طریق عودتهم فی حر الظهیرة، فی صحراء لیس فیها کلأ لخیولهم وجمالهم، ولا سوق لیشتروا منه علوفة وطعاماً، إلا دوحةٌ من بضع أشجار على قلیل من ماء .. وذلک بعد مسیر ثلاثة أیام، ولم یصبر علیهم حتى یصلوا الى مدینة الجحفة التی لم یبق عنها إلا میلان أو أقل، بل کان أول القافلة وصل الى مشارفها، فبعث الیهم وأرجعهم الى صحراء الغدیر!

کل ذلک لکی یصعد الرسول صلى الله علیه وآله المنبر فی غیر وقت صلاة، لیرفع بید ابن عمه وصهره علی علیه السلام ویقول لهم: هذا ولیکم من بعدی، ثم من بعده ولداه الحسن والحسین، ثم تسعة من ذریة الحسین! علیهم السلام

هنا تجلت آیة العصمة من الناس مجسمةً للعیان .. فقد کمَّمَ الله تعالى أفواه قریش عن المعارضة، وفتح أفواههم للموافقة، فقالوا جمیعاً: نشهد أنک بلغت عن ربک .. وأنک نعم الرسول .. سمعنا وأطعنا .. وتهافتوا مع المهنئین الى خیمة علی .. وکبروا مع المکبرین عندما نزلت آیة ( الیوم أکملت لکم دینکم ) !

ثم أصغوا جمیعاً الى قصیدة حسان بن ثابت فی وصف نداء النبی صلى الله علیه وآله ، وإبلاغه عن ربه ولایة علی علیه السلام من بعده.

واستمرت التهنئة من بعد صلاة العصر الى ماشاء الله .. ومن بعد صلاة المغرب والعشاء تتابع عدد من المهنئین فی العتمة، حتى طلع قمر لیلة التاسع عشر من ذی الحجة .. فقد بات النبی صلى الله علیه وآله فی غدیر الإمامة، وتحرک الى المدینة بعد صلاة فجره .. وقیل بقی فیه یومان!





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۴

أما کیف سلب الله تعالى قریشاً القدرة على تخریب مراسم الغدیر .. وکیف کف ألسنتها .. وهی السلیطةُ بالإعتراض .. الجریئةُ على الأنبیاء؟!

وکیف جعلها تفکر بأن تمرر هذا الیوم لمحمد صلى الله علیه وآله یفعل لبنی هاشم وعلیٍّ ما یشاء؟! فذلک من عمله عز وجل، وقدرته المطلقة .. المطلقة!

هذا هو الأسلوب الأول الذی عصم الله به رسوله من ارتداد قریش، ولا بد أن ما خفی عنا من ألطافه تعالى أعظم.

أما الأسلوب الثانی فکان لغة العذاب السماوی، التی تفهمها قریش جیداً، کما کان یفهمها الیهود فی زمان أنبیائهم! !




أحجار من السماء للناطقین باسم قریش



ورد فی أحادیث السنة والشیعة أسماءٌ عدیدةٌ لأشخاصٍ اعترضوا على إعلان النبی صلى الله علیه وآله ولایة علی علیه السلام فی غدیر خم.

ویفهم منها أن عدداً منها تصحیفات لاسم شخص واحد، ولکن عدداً آخر لایمکن أن یکون تصحیفاً، بل یدل على تعدد الحادثة، خاصة أن العقاب السماوی فی بعضها مختلف عن الآخر .. وهم:

جابر بن النضر بن الحارث بن کلدة العبدری ..

والحارث بن النعمان الفهری ..

والحرث بن النعمان الفهری

وعمرو بن عتبة المخزومی ..

والنضر بن الحارث الفهری ..

والحارث بن عمرو الفهری

والنعمان بن الحارث الیهودی

والنعمان بن المنذر الفهری





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۵

وعمرو بن الحارث الفهری

ورجل من بنی تیم

ورجل أعرابی .. .

ورجل أعرابی من أهل نجد من ولد جعفر بن کلاب بن ربیعة.

وکل هؤلاء قرشیون إلا الربیعی والیهودی إذا صحت روایتهما! ولیس فیهم أنصاری واحد، إذ لم یعهد من الأنصار اعتراضٌ على الإمتیازات التی أعطاها الله تعالى لعترة رسوله صلى الله علیه وآله ! وإن عهد منهم عدم الوفاء لهم بعد وفاة الرسول صلى الله علیه وآله

وخلاصة الحادثة: أن أحد هؤلاء الأشخاص ـ أو أکثر من واحد ـ اعترض على النبی صلى الله علیه وآله واتهمه بأن إعلانه علیاً علیه السلام ولیاً على الأمة، کان عملاً من عنده ولیس بأمر الله تعالى! ولم یقتنع بتأکید النبی صلى الله علیه وآله له، بأنه ما فعل ذلک إلا بأمر ربه!

وذهب المعترض من عند النبی صلى الله علیه وآله مغاضباً وهو یدعو الله تعالى أن یمطر الله علیه حجارة من السماء إن کان هذا الأمر من عنده .. فرماه الله بحجرٍ من سجیلٍ فأهلکه! أو أنزل علیه ناراً من السماء فأحرقته!

وهذه الحادثة تعنی أن الله تعالى استعمل التخویف مع قریش أیضاً، لیعصم رسوله صلى الله علیه وآله من تکالیف حرکة الردة التی قد تُقْدِم علیها .. وبذلک تعزز عند زعماء قریش الإتجاه القائل بفشل المواجهة العسکریة مع النبی صلى الله علیه وآله ، وضرورة الصبر حتى یتوفاه الله تعالى!




وفی هذا الحدیث النبوی، والحادثة الربانیة، مسائل وبحوث عدیدةٌ أهمها:




المسألة الأولى: فی أن مصادر السنیین روت هذا الحدیث



لم تختص بروایته مصادرنا الشیعیة بل روته مصادر السنیین أیضاً، وأقدم من رواه من أئمتهم: أبو عبید الهروی فی کتابه: غریب القرآن.





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۶

ـ قال فی مناقب آل أبی طالب ۲|۲۴۰:

أبو عبید، والثعلبی، والنقاش، وسفیان بن عینیه، والرازی، والقزوینی، والنیسابوری، والطبرسی، والطوسی فی تفاسیرهم، أنه لما بلَّغَ رسول صلى الله علیه وآله بغدیر خم ما بلَّغ، وشاع ذلک فی البلاد، أتى الحارث بن النعمان الفهری وفی روایة أبی عبید: جابر بن النضر بن الحارث بن کلدة العبدری فقال:

یا محمد! أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إلَه إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبالصلاة، والصوم، والحج، والزکاة، فقبلنا منک، ثم لم ترض بذلک حتى رفعت بضبع ابن عمک ففضلته علینا وقلت: من کنت مولاه فعلی مولاه! فهذا شیء منک أم من الله؟! فقال رسول الله صلى الله علیه وآله: والذی لا إلَه إلا هو إن هذا من الله.

فولى جابر یرید راحلته وهو یقول: اللهم إن کان ما یقول محمد حقاً فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم. فما وصل الیها حتى رماه الله بحجر، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع .. الآیة. انتهى.

وقد أحصى علماؤنا کصاحب العبقات، وصاحب الغدیر، وصاحب إحقاق الحق، وصاحب نفحات الأزهار، وغیرهم .. عدداً من أئمة السنیین وعلمائهم الذین أوردوا هذا الحدیث فی مصنفاتهم، فزادت على الثلاثین .. نذکر منهم اثنی عشر:

۱ ـ الحافظ أبو عبید الهروی المتوفى بمکة ۲۲۳، فی تفسیره ( غریب القرآن )

۲ ـ أبو بکر النقاش الموصلی البغدادی المتوفى ۳۵۱، فی تفسیره.

۳ ـ أبو إسحاق الثعلبی النیسابوری المتوفى ۴۲۷، فی تفسیره ( الکشف والبیان )

۴ ـ الحاکم أبو القاسم الحسکانی فی کتاب ( أداء حق الموالاة )

۵ ـ أبو بکر یحیى القرطبی المتوفى ۵۶۷، فی تفسیره

۶ ـ شمس الدین أبو المظفر سبط ابن الجوزی الحنفی المتوفى ۶۵۴ فی تذکرته

۷ ـ شیخ الإسلام الحموینی المتوفى ۷۲۲، روى فی فرائد السمطین فی الباب




--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۷

الثالث عشر قال: أخبرنی الشیخ عماد الدین الحافظ بن بدران بمدینة نابلس، فیما أجاز لی أن أرویه عنه إجازة، عن القاضی جمال الدین عبد القاسم بن عبد الصمد الأنصاری إجازة، عن عبد الجبار بن محمد الحواری البیهقی إجازة، عن الإمام ابی الحسن علی بن أحمد الواحدی قال: قرأت على شیخنا الأستاذ أبی إسحاق الثعلبی فی تفسیره: أن سفیان بن عیینة سئل عن قوله عز وجل: سأل سائل بعذاب واقع فیمن نزلت فقال .. ..

۸ ـ أبو السعود العمادی المتوفى ۹۸۲، قال فی تفسیره ۸|۲۹۲: قیل هو الحرث بن النعمان الفهری، وذلک أنه لما بلغه قول رسول الله علیه السلام فی علی رضی الله عنه : من کنت مولاه فعلی مولاه، قال .. ..

۹ ـ شمس الدین الشربینی القاهری الشافعی المتوفى ۹۷۷، قال: فی تفسیره السراج المنیر: ۴|۳۶۴: اختلف فی هذا الداعی فقال ابن عباس: هو النضر بن الحرث، وقیل: هو الحرث بن النعمان .. ..

۱۰ ـ الشیخ برهان الدین علی الحلبی الشافعی المتوفى ۱۰۴۴، روى فی السیرة الحلبیة: ۳|۳۰۲ وقال: لما شاع قوله صلى الله علیه وسلم: من کنت مولاه فعلی مولاه فی سایر الأمصار وطار فی جمیع الأقطار، بلغ الحرث بن النعمان الفهری .. .. الى آخر لفظ سبط ابن الجوزی.

۱۱ ـ شمس الدین الحفنی الشافعی المتوفى ۱۱۸۱، قال فی شرح الجامع الصغیر للسیوطی: ۲|۳۸۷ فی شرح قوله صلى الله علیه وآله : من کنت مولاه فعلی مولاه.

۱۲ ـ أبوعبد الله الزرقانی المالکی المتوفى ۱۱۲۲، فی شرح المواهب اللدنیة، | ۱۳. انتهى. وسیأتی ذکر بقیة مصادر الحدیث فی بحث أسانیده.




المسألة الثانیة: هل أن سورة المعارج مکیة أو مدنیة



یلاحظ القارىَ أن الجو العام للسورة الشریفة الى آیة ۳۶، أقرب الى جو السور




--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۸

المدنیة وتشریعات سورة النور والمؤمنین، وأن جو الآیات ۳۶ الى آخر السورة أقرب الى جو السور المکیة، التی تؤکد على مسائل العقیدة والآخرة.

ولذلک لا یمکن معرفة مکان نزول السورة من آیاتها، حسب ما ذکروه من خصائص للسور المکیة والمدنیة، وضوابط للتمییز بینها .. على أن هذه الخصائص والضوابط غیر دقیقة ولا علمیة!

وإذا صح لنا أن نکتفی بها، فلا بد أن نقول إن القسم الأخیر من السورة من قوله تعالى ( فما للذین کفروا قبلک مهطعین ) الى آخرها، نزلت أولاً فی مکة، ثم نزل القسم الأول منها فی المدینة، ووضع فی أولها! !

ولکن ذلک لیس أکثر من ظن! والطریق الصحیح لتعیین مکیتها أو مدنیتها هو النص، والنص هنا متعارضٌ سواءً فی مصادرنا أو مصادر السنیین، ولکن المفسرین السنیین رجحوا مکیتها وعدوها فی المکی.

ولا یبعد أن ذلک هو المرحج حسب نصوص مصادرنا أیضاً.

ـ فقد روى القاضی النعمان فی شرح الأخبار ۱|۲۴۱

عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: نزلت والله بمکة للکافرین بولایة علی علیه السلام . انتهى.

والظاهر أن مقصوده علیه السلام : أنها نزلت فی مکة وکان مقدراً أن یأتی تأویلها فی المدینة عند اعتراضهم على إعلان النبی صلى الله علیه وآله ولایة علی علیه السلام .

ـ وقال الکلینی فی الکافی ۵|۴۵۰:

قال: سأل أبو حنیفة أبا جعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق، فقال له: یا أبا جعفر ما تقول فی المتعة، أتزعم أنها حلال؟

قال: نعم.

قال: فما یمنعک أن تأمر نساءک أن یستمتعن ویکتسبن علیک؟

فقال له أبو جعفر: لیس کل الصناعات یرغب فیها، وإن کانت حلالاً، وللناس أقدار ومراتب یرفعون أقدارهم. ولکن ما تقول یا أبا حنیفة فی النبیذ، أتزعم أنه حلال؟





--------------------------------------------------------------------------------

۲۹۹

فقال: نعم.

قال: فما یمنعک أن تقعد نساءک فی الحوانیت نباذات فیکتسبن علیک؟

فقال أبو حنیفة: واحدةٌ بواحدة، وسهمک أنفذ.

ثم قال له: یا أبا جعفر إن الآیة التی فی سأل سائل، تنطق بتحریم المتعة والروایة عن النبی صلى الله علیه وآله قد جاءت بنسخها؟

فقال له أبو جعفر: یا أبا حنیفة إن سورة سأل سائل مکیة، وآیة المتعة مدنیة، وروایتک شاذة ردیة.

فقال له أبوحنیفة: وآیة المیراث أیضاً تنطق بنسخ المتعة؟

فقال أبو جعفر: قد ثبت النکاح بغیر میراث.

قال أبو حنیفة: من أین قلت ذاک؟

فقال أبو جعفر: لو أن رجلاً من المسلمین تزوج امرأة من أهل الکتاب، ثم توفی عنها ما تقول فیها؟

قال: لا ترث منه.

قال: فقد ثبت النکاح بغیر میراث. ثم افترقا. انتهى.

وقول أبی حنیفة إن سورة سأل سائل تنطق بتحریم المتعة، یقصد به قوله تعالى فی السورة ( والذین هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملکت أیمانهم ) .

فأجابه مؤمن الطاق بأن السورة مکیة وآیة ( فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) مدنیة، فکیف ینسخ المتقدم المتأخر؟

ولکن الجواب الأصح: أن المتمتع بها زوجةٌ شرعیة، فهی مشمولةٌ لقوله تعالى ( إلا على أزواجهم ) وقد أفتى عدد من علماء السنیین بأنه یجوز للرجل أن یتزوج امرأة حتى لو کان ناویاً أن یطلقها غداً، وهو نفس المتعة التی یشنعون بها علینا.

بل أفتى أبو حنیفة نفسه بأن الرجل لو استأجر امرأة لخدمته وکنْس منزله وغسل ثیابه، فقد جاز له مقاربتها بدون عقد زواج، لا دائمٍ ولا منقطع! ! بحجة أن عقد




--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۰

الإجارة یشمل ذلک! وهذا أوسع من المتعة التی یقول بها الفقه الشیعی، لأن عقد الزواج شرطٌ فیها، وإلا کانت زنا.

والنتیجة أن المرجح أن تکون سورة المعارج مکیة، ولکن ذلک لا یؤثر على صحة الحدیث القائل بأن العذاب الواقع هو العذاب النازل على المعترض على النبی صلى الله علیه وآله عندما أعلن ولایة علی علیه السلام ، لأن ذلک یکون تأویلاً لها، وإخباراً من جبرئیل علیه السلام بأن هذه الحادثة هی من العذاب الواقع الموعود.

فقد تقدمت روایة شرح الأخبار فی ذلک، وستأتی منه روایة فیها ( فأصابته الصاعقة فأحرقته النار، فهبط جبرئیل وهو یقول: إقرأ یا محمد: سأل سائلٌ بعذاب واقع للکافرین لیس له دافع ) . وهی کالنص فی أن جبرئیل علیه السلام نزل على النبی صلى الله علیه وآله بتطبیق الآیة أو تأویلها.

بل یظهر من أحادیثنا أن ما حل بالعبدری والفهری ما هو جزءٌ صغیرٌ من ( العذاب الواقع ) الموعود، وأن أکثره سینزل تمهیداً لظهور الإمام المهدی علیه السلام أو نصرةً له ..

ـ وقد أوردنا فی معجم أحادیث الإمام المهدی علیه السلام : ۵|۴۵۸ عدة أحادیث عن الإمام الباقر والإمام الصادق علیهما السلام فی تفسیر العذاب الواقع بأحداثٍ تکون عند ظهور الإمام المهدی علیه السلام .

ـ منها ما رواه علی بن ابراهیم القمی فی تفسیره: ۲|۳۸۵ قال:

سأل سائلٌ بعذاب واقع، قال: سئل أبو جعفر علیه السلام عن معنى هذا، فقال: نارٌ تخرج من المغرب، وملکٌ یسوقها من خلفها حتى تأتی دار بنی سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع داراً لبنی أمیة إلا أحرقتها وأهلها، ولا تدع داراً فیها وترٌ لآل محمدٍ إلا أحرقتها، وذلک المهدی علیه السلام .

ـ ومنها مارواه النعمانی فی کتاب الغیبة|۲۷۲ قال:

حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالک قال: حدثنا محمد بن الحسین بن أبی الخطاب، عن الحسن بن علی، عن صالح بن سهل، عن أبی عبد




--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۱

الله جعفر بن محمد علیهما السلام فی قوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع، قال: تأویلها فیما یأتی عذابٌ یقع فی الثویة یعنی ناراً حتى تنتهی الى الکناسة کناسة بنی أسد، حتى تمر بثقیف لا تدع وتراً لآل محمد إلا أحرقته، وذلک قبل خروج القائم علیه السلام . انتهى.

والأمکنة التی ذکرتها الروایتان، من أمکنة الکوفة التی ثبت أن الإمام المهدی علیه السلام سیتخذها عاصمةً له.

وقول الإمام الصادق علیه السلام ( تأویلها فیما یأتی ) یدل على أن مذهب أهل البیت علیهم السلام أن العذاب الواقع فی الآیة وعیدٌ مفتوحٌ منه ما وقع فیما مضى على المشرکین والمنافقین، ومنه ما یقع فیما یأتی على بقیتهم .. وهو المناسب مع إطلاق التهدید فی الآیة، ومع سنة الله تعالى وانتصاره لدینه وأولیائه.




المسألة الثالثة: هل العذاب فی سورة المعارج دنیوی أم أخروی



المتأمل فی السورة نفسها بقطع النظر عن الأحادیث والتفاسیر .. یلاحظ أن موضوعها ومحور کل آیاتها هو العذاب الأخروی ولیس الدنیوی.

کما أن آیاتها لا تنص على ذم السائل عن ذلک العذاب، فقد یکون مجرد مستفهمٍ لا ذنب له، وقد یکون السائل بالعذاب هنا بمعنى الداعی به، وقد رأیت أن القرطبی ذکر قولاً بأن السائل بالعذاب نبی الله نوح علیه السلام ، وقولاً آخر بأنه نبینا صلى الله علیه وآله !

ولذلک یرد فی الذهن سؤال: من أین أطبق المفسرون الشیعة والسنة على أنها تشمل العذاب الدنیوی، وأن ذلک السائل بالعذاب سأل متحدیاً ومکذباً؟!

والجواب: أن سر ذلک یکمن فی ( باء ) العذاب، وأن ( سأل به ) تعنی التساؤل عن الشیىء المدعى وطلبه، استنکاراً وتحدیاً!

فکلمة: سأل به، تدل على أن السائل سمع بهذا العذاب، لأن النبی صلى الله علیه وآله کان ینذرهم بالعذاب الدنیوی والأخروی معاً .. فتساءل عنه، وأنکره، وتحدى أن یقع!

وقد أجابه الله تعالى بالسورة، ولم ینف سبحانه العذاب الدنیوی لأعدائه، وإن کان رکز على العذاب الأخروی وأوصافه، لأنه الأساس والأکثر أهمیةً واستمراراً،




--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۲

ولأن صفته الجزائیة أکثر وضوحاً.

فکأن السورة تقول: أیها المستهزؤون بالعذاب الذی ینذرکم به رسولنا .. إن کل ما أنذرکم به من عذاب دنیوی أو أخروی سوف یقع، ولا دافع له عن الکفار .. فآمنوا بالله لیدفعه عنکم، بحسب قوانینه تعالى فی دفع عذابه عن المؤمنین.

فقوله تعالى ( للکافرین لیس له دافع ) ینفی إمکان دفعه عن الکافرین، فهو ثابت لمن یستحقه منهم، وهو أیضاً ثابتٌ لمن یستحقه من الذین قالوا آمنا، لکن دافعٌ هو التوبة والإستغفار مثلاً.

کما أن ( الکافرین ) فی الآیة لا یبعد أن تکون بالمعنى اللغوی، فتشمل الکافرین ببعض آیات الله تعالى، أو بنعمه، ولو کانوا مسلمین.

وعندما نشک فی أن کلمة استعملت بمعناها اللغوی أو الإصطلاحی، فلا بد أن نرجح المعنى اللغوی، لأنه الأصل، والإصطلاحی یحتاج الى قرینة.

وقد وقع المفسرون السنیون فی تهافتٍ فی تفسیر السورة، لأنهم جعلوا ( العذاب الواقع ) عذاباً أخرویاً أو لغیر المسلمین، وفی نفس الوقت فسروه بعذاب النضر بن الحارث العبدری بقتله یوم بدر، فصار بذلک شاملاً للعذاب الدنیوی!

ویلاحظ الباحث فی التفاسیر السنیة أنه یوجد منهجٌ فیها، یحاول أصحابه دائماً أن یفسروا آیات العذاب الواردة فی القرآن الکریم ـ خاصة التی نزلت فی قریش ـ بالعذاب الأخروی، أو یرموها على أهل الکتاب، ویبعدوها عن المسلمین، حتى المنافقین منهم! وقد أوجب علیهم هذا المنهج فی تبرئة قریش، أن یتهموا النبی صلى الله علیه وآله بأنه دعا ربه بالعذاب على قومه، فلم یستجب له! بل وبخه الله تعالى بقوله: لیس لک من الأمر شیء .. الخ..

وهکذا رکزت الدولة القرشیة مقولة اختیار الله لقریش، وعدم سماحه بعذابها، وجعلتها أحادیث نبویة، ولو کان فیها تحطئةٌ وإهانةٌ للنبی صلى الله علیه وآله ، وأدخلتها فی مصادر التفسیر والحدیث.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۳

أما عندما یضطرون الى الإعتراف بوقوع العذاب الدنیوی لأحد فراعنة قریش، فیقولون إنه خاصٌ بحالة معینة، مثل حالة النضر بن الحارث، وقد وقعت فی بدر وانتهى الأمر!

ـ فقد اختار الفخر الرازی فی تفسیره: ۳۰|۱۲۲

أن العذاب المذکور فی مطلع السورة هو العذاب الأخروی، وأن الدنیوی مخصوص بالنضر بن الحارث، قال: ( لأن العذاب نازل للکافرین فی الآخرة لا یدفعه عنهم أحد، وقد وقع بالنضر لأنه قتل یوم بدر ) ثم وصف هذا الرأی بأنه سدید .. وهو بذلک یتبع جمهور المفسرین السنیین، مع أن السورة لا تشیر الى انتهاء أی نوع من العذاب الموعود! !

على أن منهج المفسرین فی إبعاد العذاب عن قریش، أقل تشدداً من منهج المحدثین الرسمیین، فهولاء لایقبلون ( العذاب الواقع ) لأحدٍ من قریش، حتى للنضر بن الحارث، وحتى لأبی جهل! بل هم الذین فتحوا باب تهمة النبی صلى الله علیه وآله بأنه دعا على قومه، فخطَّأَهُ الله تعالى ووبخه! !

ـ فقد روى البخاری فی صحیحه: ۵|۱۹۹

عن أنس بن مالک قال: قال أبو جهل: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم، فنزلت: وما کان الله لیعذبهم وأنت فیهم وما کان الله معذبهم وهم یستغفرون. ورواه البخاری فی عدة أماکن أخرى، ورواه مسلم فی: ۸|۱۲۹ ..

وإذا أردت أن تقرأ ما لا تکاد تصدقه عیناک، فاقرأ ما رووه فی تفسیر قوله تعالى ( لیس لک من الأمر شیء ) فهی آیةٌ تنفی عن النبی صلى الله علیه وآله کل أنواع الألوهیة والشراکة لله تعالى، ولکنها فی نفس الوقت لا تسلب عنه شیئاً من مقامه النبوی وخلقه العظیم وحکمته، وحرصه على هدایة قومه .. ولکن انظر کیف صور المحدثون النبی صلى الله علیه وآله فی تفسیرها بأنه ضیق الصدر، مبغضٌ لقریش، یرید الإعتداء علیها وظلمها .. !!





--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۴

فنزل الوحی مدافعاً عن هذه القبائل المقدسة، ورد عدوانیة نبیها! !

ولا یتسع المجال للإفاضة فی هذا الموضوع، ولکن القارىَ السنی یجد نفسه متحیراً بین ولاء المفسرین لقریش کمجاهد الذی یسمح بکون قتل بعض فراعنتها کالنضر عذاباً لها، وبین ولاء المحدثین لقریش کالبخاری الذی یقول إن قتل النضر وأبی جهل لیس هو العذاب الإلَهی، فهؤلاء قومٌ برزوا الى مضاجعهم، فقد رفع الله عذابه عن قریش، ووبخ رسوله، لأنه دعا علیها! !




وأخیراً یمکن للباحث أن یستدل لنصرة رأی المفسرین القائل بأن العذاب السورة یشمل العذاب الدنیوی، بما رواه ابن سعد فی الطبقات، من قصة اختلاف طلحة والزبیر وابنیهما على إمامة الصلاة فی معسکر عائشة فی حرب الجمل، قال:

ولما قدموا البصرة أخذوا بیت المال، وختماه جمیعاً طلحة والزبیر، وحضرت الصلاة فتدافع طلحة والزبیر حتى کادت الصلاة تفوت، ثم اصطلحا على أن یصلی عبد الله بن الزبیر صلاةً ومحمد بن طلحة صلاةً، فذهب ابن الزبیر یتقدم فأخره محمد بن طلحة، وذهب محمد بن طلحة یتقدم فأخره عبد الله بن الزبیر عن أول صلاة! ! فاقترعا فقرعه محمد بن طلحة، فتقدم فقرأ: سأل سائل بعذاب واقع! ! انتهى. فقد فهم محمد بن طلحة القرشی التیمی من السورة أنها تهدیدٌ بعذاب دنیوی ولذلک هدد بها ابن الزبیر. وهو دلیلٌ على أن الإرتکاز الذهنی عند الصحابة المعاصرین للنزول، أن العذاب فی السورة یشمل العذاب الدنیوی أیضاً.




المسألة الرابعة: موقف السنیین من الحدیث



ولکن الذین ذکروا الحدیث من السنیین لیس موقفهم منه واحداً، فمنهم من قبله ورجحه على غیره کأبی عبید والثعلبی والحموینی، ومنهم من نقله بصیغة: روی أو قیل. ومنهم من رجح غیره علیه، ولکن أحداً منهم لم یطعن فیه .. وأقل موقفهم منه أنه حدیثٌ موجودٌ، قد یکون سنده صحیحاً، ولکن غیره أرجح منه، کما سترى.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۵

إن العالم السنی یرى نفسه ملزماً باحترام هذا الحدیث، بل یرى أنه بإمکانه أن یطمئن الیه ویأخذ به، لأن الذین قبلوه من أئمة العلم والدین قد یکتفی العلماء بمجرد نقل أحدهم للحدیث وقبوله له، کأبی عبید وسفیان بن عیینة ..

وقد رأینا المحدث الألبانی الذی یعتبره الکثیرون المجتهد الأول فی التصحیح والتضعیف فی عصرنا، ربما یکتفی فی سلسلته أحادیثه الصحیحة للحکم بصحة الحدیث بتصحیح عالمین أو ثلاثة من قبیل: ابن تیمیة والذهبی وابن قیم.

مضافاً الى أن المحدثین السنة ذکروا له طرقاً أخرى، عن حذیفة، وعن أبی هریرة وغیرهما.

وتجد ترجمات هؤلاء الأئمة مفصلةً فی مصادر الجرح والتعدیل السنیة، وفی عبقات الأنوار، والغدیر، ونفحات الأزهار، من مصادرنا.




نماذج من تفسیرات السنیین لآیة: سأل سائل


ـ قال الشوکانی فی فتح القدیر: ۵|۳۵۲:

وهذا السائل هو النضر بن الحارث حین قال: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجار من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم. وهو ممن قتل یوم بدر صبراً.

وقیل: هو أبو جهل. وقیل: هو الحارث بن النعمان الفهری. والأول أولى لما سیأتی. انتهى.

وقصده بما یأتی ما ذکره فی ص ۳۵۶، من روایاتهم التی تثبت أن السورة مکیة وأن صاحب العذاب الواقع هو النضر، ولیس ابنه جابراً، ولا الحارث الفهری قال: وقد أخرج الفریابی وعبد بن حمید والنسائی وابن أبی حاتم والحاکم وصححه وابن مردویة عن ابن عباس فی قوله: سأل سائل، قال: هو النضر بن الحارث قال: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجار من السماء. انتهى.

ولم یذکر الشوکانی الحدیث المروی فی جابر والحارث، ومن رووه، ولماذا رجح علیه حدیث النضر؟ هل بسبب السند أو الدلالة .. . الخ.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۶

ولو أنه اقتصر على ذکر ما اختاره فی سبب نزولها لکان له وجهٌ، ولکنه ذکر القولین، وذکر روایة أحدهما دون الآخر، وبذلک ابتعد عن إنصاف العالم الباحث.

لکن شمس الدین الشربینی القاهری الشافعی المتوفى سنة ۹۷۷، صاحب التفسیر المعروف، کان أکثر إنصافاً من الشوکانی، فقد ذکر السببین معاً، فقال کما نقل عنه صاحب عبقات الأنوار: ۷|۳۹۸:

سأل سائل بعذاب واقع: اختلف فی هذا الداعی، فقال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. وقیل: هو الحارث بن النعمان، وذلک أنه لما بلغه قول النبی صلى الله علیه وآله من کنت مولاه فعلی مولاه، رکب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته فی الأبطح ثم قال: یا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إلَه إلا الله وأنک رسول الله فقبلناه منک .. .الخ.. انتهى.

أما أبو عبید المتوفى سنة ۲۲۳، فقد جعل الحدیث سبباً لنزول الآیة على نحو الجزم، لأنه ثبت عنده، ولعله لم یثبت عنده غیره حتى یذکره، فقال کما فی نفحات الأزهار: ۷|۲۹۱

لما بلَّغَ رسول الله صلى الله علیه وسلم غدیر خم ما بلَّغَ، وشاع ذلک فی البلاد، أتى جابر بن النضر بن الحارث بن کلدة العبدری فقال:

یا محمد! أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إلَه إلاالله وأنک رسول الله، وبالصلاة، والصوم والحج، والزکاة، فقبلنا منک .. ثم لم ترض بذلک حتى رفعت بضبع ابن عمک ففضلته علینا وقلت: من کنت مولاه فعلی مولاه! فهذا شیء منک أم من الله؟!

فقال رسول الله: والله الذی لا إلَه إلا هو إنَّ هذا من الله.

فولى جابر یرید راحلته وهو یقول: اللهم إن کان ما یقول محمد حقاً فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم، فما وصل إلیها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع .. الآیة. انتهى.

ـ وقال القرطبی فی تفسیره: ۱۸|۲۷۸

أی سأل سائل عذاباً واقعاً. للکافرین: أی على الکافرین. وهو النضر بن الحارث




--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۷

حیث قال: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم، فنزل سؤاله. وقتل یوم بدر صبراً هو وعقبة بن أبی معیط، لم یقتل صبراً غیرهما، قاله ابن عباس ومجاهد.

وقیل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهری، وذلک أنه لما بلغه قول النبی صلى الله علیه وسلم فی علی رضی الله عنه ( من کنت مولاه فعلی مولاه ) رکب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح .. الى آخره، بنحو روایة أبی عبید. ثم قال:

وقیل: إن السائل هنا أبو جهل، وهو القائل لذلک، قاله الربیع.

وقیل: إنه قول جماعةٍ من کفار قریش.

وقیل: هو نوح علیه السلام سأل العذاب على الکافرین.

وقیل: هو رسول الله صلی الله علیه وسلم أی دعا علیه السلام بالعقاب، وطلب أن یوقعه الله بالکفار، وهو واقع بهم لا محالة، وامتد الکلام الى قوله تعالى: فاصبر صبراً جمیلاً أی: لا تستعجل فإنه قریب. انتهى.

وبذلک نلاحظ أن المفسرین السنیین وإن کانوا یرجحون تفسیر الآیة بالنضر بن الحارث العبدری، ویرحجون أن العذاب الموعود فیها هو قتله فی بدر .. ولکنهم فی نفس الوقت یذکرون تفسیرها بوقوع العذاب على من اعترض على النبی صلى الله علیه وآله لإعلانه ولایة علی علیه السلام من بعده فی غدیر خم.

ومجرد ورود هذا التفسیر فی مصادرهم بصفته قولاً محترماً فی تفسیر الآیة، ولو رجحوا علیه غیره، یدل على وجود إعلان نبوی رسمی بحق علی، ووجود اعتراضٍ علیه! فالمسلم لا یحتاج الى أکثر من اعتراف المفسرین بذلک، سواءً وقعت الصاعقة على المعترض أم لم تقع، وسواء نزلت سورة المعارج عند هذه الحادثة أو لم تنزل! ! فلا بد للشیعی من توجیه الشکر لهم، وإن ناقشهم فی الوجه الآخر الذی رجحوه. وأهم االإشکالات التی ترد علیه: أن روایته لیست مرفوعة الى النبی صلى الله علیه وآله ، بینما تفسیر الشیعة مرفوع.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۸

وروایة تفسیرهم عن ابن عباس ومجاهد لا تحل المشکلة، خاصةً إذا کانت من راویه عکرمة المجروح عندنا وعندهم.

ویرد على تفسیرهم أیضاً: أن من المتفق علیه عندهم تقریباً أن السؤال فی الآیة حقیقی ولیس مجازیاً، فقد حدث أن سأل النضر بن الحارث بالعذاب، وطلب نزوله فقال: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم. فعذبه الله فی بدرٍ بالقتل.

مع أن آیة مطر الحجارة من سورة الأنفال التی نزلت مع أحکام الأنفال، بعد بدر وبعد قتل النضر .. ومن البعید أن یکون جواب قول النضر نزل فی سورة مکیة قبل الهجرة، ونفس قوله نزل فی سورة مدنیة، بعد هلاکه.

ویرد علیه أیضاً : أن قولهم ( اللهم إن کان هذا هوالحق من عندک فأنزل علینا حجارة من السماء ) أکثر تناسباً وانطباقاً على تفسیرنا، وأصعب انطباقاً على تفسیرهم .. لأن معناه على تفسیرهم: اللهم إن کان هذا الدین منزلاً من عندک فأمطر علینا حجارة. ومعناه على تفسیرنا: اللهم إن الحکم لآل محمد صلى الله علیه وآله من بعده منزلاً من عندک، فأمطر علینا حجارة .. وهذا أکثر تناسباً، لأن الدعاء بحجارة من السماء لا یقوله قائله إلا فی حالة الیأس من التعایش مع وضع سیاسی جدید، یتحدى وضعه القبلی المتجذر فی صمیمه! !

ویرد علیه أیضاً : أنه لو صح، فهو لا یمنع من تفسیرنا، فلا وجه لافتراضهم التعارض بینهما .. فأی تعارض بین أن یکون العذاب الواقع هوالعذاب الذی وقع على النضر بن الحارث فی بدر، ثم وقع على ولده جابر بن النضر، کما فی روایة أبی عبید، ثم وقع ویقع لى آخرین من مستحقیه!

وینبغی أن نشیر هنا الى قاعدة مهمة فی تفسیر القرآن والنصوص عامة، وهی: ضرورة المحافظة على إطلاقات النص ما أمکن وعدم تضییقها وتقییدها .. فالآیة الکریمة تقول إن أحدهم تحدى وتساءل عن العذاب الموعود، الذی أنذر به




--------------------------------------------------------------------------------

۳۰۹

النبی صلى الله علیه وآله ، فأجابه الله تعالى إنه واقعٌ بالکفار لا محالة کما أنذرکم به رسولنا صلى الله علیه وآله حرفیاً، فی الدنیا والآخرة، وأنه جارٍ فی الکفار وفی من آمن، حسب القوانین الخاصة التی وضعها له الله تعالى.

وعلیه فیکون عذاب الله تعالى لقریش فی بدر والخندق من ذلک العذاب الواقع الموعود، وعذابهم بالجوع والقحط منه أیضاً، وعذابهم بفتح مکة وتسلیمهم وخلعهم سلاحهم منه أیضاً .. ویکون عذاب المعترضین على النبی صلى الله علیه وآله لإعلانه ولایة عترته من بعده منه أیضاً!

فلا موجب لحصر الآیة بالنضر وحده، ولا لتضییق العذاب المنذر به بقتل شخص، ولو کان من الفراعنة، ولا حصره فی عصر دون العصور الآتیة، الى أن یرث الله الأرض ومن علیها ..

وکم تجد عند المفسرین السنیین من هذه التضییقات فی آیات العذاب والرحمة حیث یحصرون أنفسهم فیها بلا موجب، ویحصرون فیها کلام الله المطلق، بلا دلیل!




المسألة الخامسة: موقف النواصب من حدیث حجر السجیل



أما النواصب المبعضون لأهل بیت النبی صلى الله علیه وآله فلم نعثر على أحدٍ منهم رد هذا الحدیث وکذبه قبل ابن تیمیة، فقد هاجمه بعنف وتخبط فی رده! وتبعه على ذلک من المتأخرین الشیخ محمد رشید رضا فی کتابه تفسیر المنار .. ومن الملاحظ أن هذا الشخص متأثرٌ بابن تیمیة وتلمیذه ابن قیم المدرسة الجوزیة، بل مقلدٌ لهما فی کثیر من أفکارهما، وقد أدخلها فی تفسیره، واستفاد لذلک من اسم أستاذه الشیخ محمد عبده رحمه الله وادعى أنه میز بین أفکاره وأفکار أستاذه!

ومن یقرأ تفسیر المنار یلمس الفرق بین الجزءین الأولین اللذین کتبهما فی حیاة الشیخ محمد عبده، واستفاد مما سجله من دروسه، وفیهما من عقلانیته رحمه الله واعتقاده بولایة أهل البیت علیهم السلام .. وبین الأجزاء التی أخرجها الشیخ رشید رضا بعد




--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۰

وفاة الشیخ محمد عبده، أو أعاد طباعتها، وفیها الکثیر من الأفکار الجامدة والناصبة لأهل البیت علیهم السلام.

وقد نقل صاحب تفسیر المنار فی ۶ |۴۶۴ وما بعدها عن تفسیر الثعلبی:

أن هذا القول من النبی صلى الله علیه وآله فی موالاة علی شاع وطار فى البلاد، فبلغ الحارث بن النعمان الفهری فأتى النبی صلى الله علیه وآله على ناقة وکان بالابطح فنزل وعقل ناقته وقال للنبی صلى الله علیه وآله وهو فی ملأ من أصحابه: یا محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إلَه إلا الله وأنک رسول الله فقبلنا منک .. . ثم ذکر سائر أرکان الإسلام .. . ثم لم ترض بهذا حتى مددت بضبعی ابن عمک وفضلته علینا وقلت: من کنت مولاه فعلی مولاه! فهذا منک أم من الله! فقال صلى الله علیه وآله : والله الذی لا إلَه إلا هو هو أمر الله.

فولى الحارث یرید راحلته وهو یقول: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجاره من السماء أو ائتنا بعذاب الیم! فما وصل الى راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین لیس له دافع الحدیث .. .

وهذه الروایة موضوعةٌ، وسورة المعارج هذه مکیة، وما حکاه الله من قول بعض کفار قریش: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک کان تذکیراً بقول قالوه قبل الهجره وهذا التذکیر فی سورة الأنفال، وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنین، وظاهر الروایة أن الحارث بن النعمان هذا کان مسلماً فارتد، ولم یعرف فی الصحابة، والأبطح بمکة والنبی صلى الله علیه وآله لم یرجع من غدیر خم الى مکة، بل نزل فیه منصرفه من حجة الوداع الى المدینة. انتهى.

وکأن رشید رضا اغتاظ من هذا الحدیث، وحاول تکذیبه من ناحیة سنده فلم یجد ما یشفی غلیله، ولما وجد تکذیب ابن تیمیة له بنقد متنه فرح به وتبناه، ولکنه لم ینسبه الیه!

وعمدة ما قاله ابن تیمیة وصاحب المنار: أن مکان الروایة الأبطح، وهو مکان فیمکة، والنبی صلى الله علیه وآله لم یرجع بعد الغدیر الى مکة.. وقد جهلا أو تجاهلا أبطح المدینة المشهور!

ثم قالا: إن الروایة تدعی أن الآیة نزلت فی المدینة، مع أن سورة المعارج مکیة.. وقد تجاهلا أن جوَّ السورة الى الآیة ۳۶ على الأقل مدنی، وأن هذا الحدیث دلیل على مدنیتها.

ثم لو صح کونها مکیة، فقد یتکرر نزول الآیة لبیان تفسیرها أو تأویلها، فتکون الحادثة تأویلاً لها. وقد روى المفسرون نزول آیة ( إنا أعطیناک الکوثر ) فی عدة مواضع تسلیةً لقلب الرسول صلى الله علیه وآله .

فما المانع أن یکون تأویلها قد تحقق فی ( عشیرة العذاب الواقع ) فتحقق فی الأب النضز بن الحارث عندما قتله النبی صلى الله علیه وآله فی بدر، ثم تحقق فی الإبن جابر عندما قتله الله بحجر من السماء فی أبطح المدینة، وأن یکون جبرئیل علیه السلام أکد الآیة کلما تحقق تأویلها.

ثم من حق الباحث أن یقول لهما: لو سلمنا أن ذکر نزول الآیة فی الحادثة خطأ، أو زیادة، فما ذنب بقیة الحدیث! ولماذا یردونه کله ولا یقتصرون على رد زیادته وهو نزول الآیة بمناسبته؟!

ـ وقد ناقش صاحب تفسیر المیزان ۶|۵۴ تضعیف صاحب المنار للحدیث فقال:

وأنت ترى ما فی کلامه من التحکم. أما قوله إن الروایة موضوعة وسورة المعارج هذه مکیة، فیعول فی ذلک على ما فی بعض الروایات عن ابن عباس وابن الزبیر أن سورة المعارج نزلت بمکة، ولیت شعری ما هو المرجح لهذه الروایة على تلک الروایة، والجمیع آحاد.

سلمنا أن سورة المعارج مکیة کما ربما تؤیده مضامین معظم آیاتها، فما هو الدلیل على أن جمیع آیاتها مکیة؟ فلتکن السورة مکیة والآیتان خاصة غیر مکیتین.

کما أن سورتنا هذه أعنی سورة المائدة مدنیة نازلة فی آخر عهد رسول الله صلى الله علیه وآله وقد




--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۲

وضعت فیها الآیة المبحوث عنها، أعنی قوله تعالى: یاأیها الرسول بلغ ما أنزل الیک من ربک، الآیة، وهو کغیره من المفسرین مصرون على أنها نزلت بمکة فی أول البعثة! ...

وأما قوله وما حکاه الله من قول بعض کفار قریش الى آخره، فهو فی التحکم کسابقه، فهب أن سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنین، فهل یمنع ذلک أن یوضع عند التألیف بعض الآیات النازلة بعدها فیها، کما وضعت آیات الربا وآیة: واتقوا یوماً ترجعون فیه الى الله: البقرة ـ ۲۸۱، وهی آخر ما نزل على النبی صلى الله علیه وآله عندهم، فی سورة البقرة النازلة فی أوائل الهجرة، وقد نزلت قبلها ببضع سنین؟

ثم قوله إن آیة: وإذا قالوا اللهم إن کان هذا هو الحق، الآیة، تذکیرٌ لما قالوه قبل الهجرة، تحکمٌ آخر من غیر حجة، لو لم یکن سیاق الآیه حجة على خلافه، فإن العارف بأسالیب الکلام لا یکاد یرتاب فی أن هذا أعنی قوله: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم، لاشتماله على قوله: إن کان هذا هو الحق من عندک بما فیه من اسم الاشاره وضمیر الفصل والحق المحلى باللام، وقوله من عندک، لیس کلام وثنی مشرک یستهزىء بالحق ویسخر منه، إنما هو کلام من أذعن بمقام الربوبیة، ویرى أن الأمور الحقة تتعین من لدنه وأن الشرائع مثلاً تنزل من عنده، ثم إنه یتوقف فی أمر منسوب الى الله تعالى یدعی مدع أنه الحق لا غیره، وهو لا یتحمل ذلک ویتحرج منه، فیدعو على نفسه دعاء منزجر ملول سئم الحیاة.

وأما قوله: وظاهر الروایة أن الحارث بن النعمان هذا کان مسلماً فارتد، ولم یعرف فی الصحابة، تحکمٌ آخر، فهل یسع أحداً أن یدعی أنهم ضبطوا أسماء کل من رأى النبی صلى الله علیه وآله ، وآمن به، أو آمن به فارتد!

وإن یکن شیء من ذلک فلیکن هذا الخبر من ذلک القبیل.

وأما قوله والأبطح بمکة والنبی صلى الله علیه وآله لم یرجع من غدیر خم الى مکة، فهو یشهد




--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۳

على أنه أخذ لفظ الأبطح اسماً للمکان الخاص بمکة، ولم یحمله على معناه العام وهو کل مکان ذی رمل.. ولا دلیل على ما حمله علیه، بل الدلیل على خلافه وهو القصة المسرودة فى الروایة وغیرها...

قال فی مراصد الاطلاع: أبطح بالفتح ثم السکون وفتح الطاء والحاء المهملة: کل مسیل فیه رقاق الحصى فهو أبطح....

على أن الروایة بعینها رواها غیر الثعلبی، ولیس فیه ذکر من الأبطح، وهی ما یأتی من روایة المجمع من طریق الجمهور وغیرها.

وبعد هذا کله، فالروایة من الآحاد ولیست من المتواترات، ولا مما قامت على صحتها قرینة قطعیة، وقد عرفت من أبحاثنا المتقدمه أنا لا نعول على الآحاد فی غیر الأحکام الفرعیة، على طبق المیزان العام العقلائی، الذی علیه بناء الإنسان فی حیاته، وإنما المراد بالبحث الآنف بیان فساد ما استظهر به من الوجوه التی استنتج منها أنها موضوعة. انتهى.




وکلام صاحب المیزان فی رد تضعیف رشید رضا للحدیث کلامٌ قوی، لکن لیته بدل أن یضعِّفه هو بدعوى أنه من أخبار الآحاد، اطلع على مصادره ورواته.. وعلى بحث الأمینی حوله فی المجلد الأول من الغدیر، وبحث السید النقوی الهندی فی عبقات الأنوار: ۷ و ۸، وغیرهما.

ـ ونورد فیما یلی خلاصةً لما کتبه صاحب الغدیر رحمه الله فی: ۱|۲۳۹، قال:

ومن الآیات النازلة بعد نص الغدیر، قوله تعالى من سورة المعارج: سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین لیس له دافع من الله ذی المعارج.

وقد أذعنت به الشیعة وجاء مثبتاً فی کتب التفسیر والحدیث لمن لا یستهان بهم من علماء أهل السنة، ودونک نصوصها.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۴

ثم أورد صاحب الغدیر نصوص ثلاثین مؤلفاً رووا الحدیث بعدة طرق، وفیهم محدثان أقدم من الثعلبی کما تقدم..ثم أفاض فی رد الوجوه التی ذکرها ابن تیمیة فی کتابه منهاج السنة: ۴|۱۳، وأجاب عنها، ونورد فیما یلی خلاصتها، قال:

الوجه الأول: إن قصة الغدیر کانت فی مرتجع رسول الله صلى الله علیه وسلم حجة الوداع، وقد أجمع الناس على هذا، وفی الحدیث: أنها لما شاعت فی البلاد جاءه الحارث، وهو بالأبطح بمکة، وطبع الحال یقتضی أن یکون ذلک بالمدینة، فالمفتعل للروایة کان یجهل تاریخ قصة الغدیر.

الجواب: أولاً ما سلف فی روایة الحلبی فی السیرة، وسبط ابن الجوزی فی التذکرة، والشیخ محمد صدر العالم فی معارج العلى، من أن مجئ السائل کان فی المسجد ـ إن أرید منه مسجد المدینة ـ ونص الحلبی على أنه کان بالمدینة، لکن ابن تیمیة عزب عن ذلک کله، فطفق یهملج فی تفنید الروایة بصورة جزمیة.... فحسب اختصاص الأبطح بحوالی مکة، ولو کان یراجع کتب الحدیث ومعاجم اللغة والبلدان والأدب لوجد فیها نصوص أربابها بأن الأبطح کل مسیل فیه دقاق الحصى

ـ روى البخاری فی صحیحه: ۱|۱۸۱، ومسلم فی صحیحه: ۱|۳۸۲

عن عبد الله ابن عمر: أن رسول الله صلى الله علیه وسلم أناخ بالبطحاء بذی الحلیفة فصلى بها.

الوجه الثانی: أن سورة المعارج مکیة باتفاق أهل العلم، فیکون نزولها قبل واقعة الغدیر بعشر سنین أو أکثر من ذلک.

الجواب: أن المتیقن من معقد الإجماع المذکور هو نزول مجموع السورة مکیاً، لا جمیع آیاتها، فیمکن أن یکون خصوص هذه الآیة مدنیاً، کما فی کثیر من السور.

ولا یرد علیه أن المتیقن من کون السورة مکیة أو مدنیة، هو کون مفاتیحها کذلک أو الآیة التی انتزع منها اسم السورة، لما قدمناه من أن هذا الترتیب هو ما اقتضاه التوقیف، لا ترتیب النزول، فمن الممکن نزول هذه الآیة أخیراً، وتقدمها




--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۵

على النازلات قبلها بالتوقیف، وإن کنا جهلنا الحکمة فی ذلک، کما جهلناها فی أکثر موارد الترتیب فی الذکر الحکیم، وکم لها من نظیر ومن ذلک:

۱ ـ سورة العنکبوت، فإنها مکیة إلا من أولها عشرة آیات، کما رواه الطبری فی تفسیره فی الجزء العشرین|۸۶، والقرطبی فی تفسیره ۱۳|۳۲۳

. ۲ ـ سورة الکهف، فإنها مکیة إلا من أولها سبع آیات، فهی مدنیة...کما فی تفسیر القرطبی ۱۰|۳۴۶، وإتقان السیوطی ۱|۱۶...

ثم عدد الأمینی سبع عشرة سورة مکیة فیها آیات مدنیة، وسوراً مدنیة فیها آیات مکیة..

الوجه الثالث: أن قوله تعالى: وإذ قالوا اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء، نزلت عقیب بدر بالإتفاق قبل یوم الغدیر بسنین.

الجواب: کأن هذا الرجل یحسب أن من یروی تلک الأحادیث المتعاضدة یرى نزول ما لهج به الحارث بن النعمان الکافر من الآیة الکریمة... فی الیوم المذکور.

والقارئ لهاتیک الأخبار جد علیم بمینه فی هذا الحسبان، أو أنه یرى حجراً على الآیات السابق نزولها أن ینطق بها أحدٌ، فهل فی هذه الروایة غیر أن الرجل المرتد الحارث أو جابر تفوه بهذه الکلمات؟ وأین هو من وقت نزولها، فدعها یکن نزولها فی بدر أو أحد، فالرجل أبدى کفره بها کما أبدى الکفار قبله إلحادهم بها!

لکن ابن تیمیة یرید تکثیر الوجوه فی إبطال الحق الثابت.

الوجه الرابع: أنها نزلت بسبب ما قاله المشرکون بمکة، ولم ینزل علیهم العذاب هناک لوجود النبی صلى الله علیه وآله ، لقوله تعالى: وما کان الله لیعذبهم وأنت فیهم، وما کان الله معذبهم وهم یستغفرون.

الجواب: لا ملازمة بین عدم نزول العذاب فی مکة على المشرکین، وبین عدم نزوله هاهنا على الرجل، فإن أفعال المولى سبحانه تختلف باختلاف وجوه الحکمة.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۶

ثم أورد الأمینی عدداً من الذین دعا علیهم النبی صلى الله علیه وآله فعذبهم الله تعالى، ثم قال: ولو کان وجود الرسول صلى الله علیه وآله مانعاً عن جمیع أقسام العذاب بالجملة، لما صح ذلک التهدید، ولما أصیب النفر الذین ذکرناهم بدعوته، ولما قتل أحد فی مغازیه بعضبه الرهیف، فإن کل هذه من أقسام العذاب، أعاذنا الله منها.

الوجه الخامس: أنه لو صح ذلک لکان آیةً کآیة أصحاب الفیل، ومثلها تتوفر الدواعی لنقله، ولما وجدنا المصنفین فی العلم من أرباب المسانید والصحاح والفضایل والتفسیر والسیر ونحوها، قد أهملوه رأساً فلا یروى إلا بهذا الإسناد المنکر، فعلم أنه کذب باطل.

الجواب: إن قیاس هذه التی هی حادثة فردیة، لا تحدث فی المجتمع فراغاً کبیراً یؤبه له، وورائها أغراض مستهدفة تحاول إسدال ستور الإنساء علیها کما أسدلوها على نص الغدیر نفسه... مجازفةٌ ظاهرةٌ، فإن من حکم الضرورة أن الدواعی فی الأولى دونها فی الثانیة....

وأما ما ادعاه ابن تیمیة من إهمال طبقات المصنفین لها، فهو مجازفة أخرى، لما أسلفناه من روایة المصنفین لها من أئمة العلم، وحملة التفسیر، وحفاظ الحدیث، ونقلة التاریخ....

لم نعرف المشار إلیه فی قوله: بهذا الإسناد المنکر! فإنه لا ینتهی إلا الى حذیفة بن الیمان الصحابی العظیم، وسفیان بن عیینة المعروف بإمامته فی العلم والحدیث والتفسیر، وثقته فی الروایة.

وأما الإسناد إلیهما، فقد عرفه الحفاظ والمحدثون والمفسرون المنقبون فی هذا الشأن، فوجدوه حریاً بالذکر والإعتماد، وفسروا به آیات من الذکر الحکیم، من دون أی نکیر، ولم یکونوا بالذین یفسرون الکتاب بالتافهات.

نعم: هکذا سبق العلماء وفعلوا، لکن ابن تیمیة استنکر السند، وناقش فی المتن لأن شیئاً من ذلک لا یلائم دعارة خطته.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۷

الوجه السادس: أن المعلوم من هذا الحدیث أن حارثاً المذکور کان مسلماً باعترافه بالمبادئ الخمسة الإسلامیة، ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمین لم یصبه عذاب على العهد النبوی.

الجواب: إن الحدیث کما أثبت إسلام الحارث، فکذلک أثبت ردته برده قول النبی صلى الله علیه وآله وتشکیکه فیما أخبر به عن الله تعالى، والعذاب لم یأته حین إسلامه، وإنما جاءه بعد الکفر والإرتداد... على أن فی المسلمین من شملته العقوبة لما تجرؤوا على قدس صاحب الرسالة... ثم ذکر الأمینی عدداً من الذین دعا علیهم النبی صلى الله علیه وآله من المسلمین، منهم من ذکره مسلم فی صحیحه عن سلمة بن الأکوع: أن رجلاً أکل عند النبی صلى الله علیه وآله بشماله، فقال: کل بیمینک. قال: لا أستطیع، قال: لا استطعت! قال: فما رفعها الى فیه بعد.. الخ.!

الوجه السابع: أن الحارث بن النعمان غیر معروف فی الصحابة، ولم یذکره ابن عبد البر فی الإستیعاب وابن مندة وأبو نعیم الإصبهانی وأبو موسى فی تآلیف ألفوها فی أسماء الصحابة، فلم نتحقق وجوده.

الجواب: إن معاجم الصحابة غیر کافلةٍ لاستیفاء أسمائهم، فکل مؤلف من أربابها جمع ما وسعته حیطته وأحاط به إطلاعه، ثم جاء المتأخر عنه فاستدرک على من قبله بما أوقفه السیر فی غضون الکتب وتضاعیف الآثار، وأوفى ما وجدناه من ذلک کتاب الإصابة بتمییز الصحابة لابن حجر العسقلانی، ومع ذلک فهو یقول فی مستهل کتابه: ومع ذلک فلم یحصل لنا من ذلک جمیعاً الوقوف على العشر من أسامی الصحابة بالنسبة الى ما جاء عن أبی زرعة الرازی قال: توفی النبی صلى الله علیه وسلم ومن رآه وسمع منه زیادة على مائة ألف إنسان، من رجل وامرأة، کلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤیة....

وبعد هذا کله فالنافی لشخصٍ لم یجد اسمه فی کتب هذا شأنها خارجٌ عن میزان النصفة، ومتحاید عن نوامیس البحث، على أن من المحتمل قریباً أن مؤلفی معاجم الصحابة أهملوا ذکره لردته الأخیرة. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۸

ونضیف الى ما ذکره صاحب الغدیر رحمه الله وما تقدم:

أولاً : أن من الأدلة القویة على صحة هذا الحدیث أنه لایمکن أن ینشأ من فراغ، وأن احتمال وضعه من قبل رواة الخلافة القرشیة غیر معقول، لأنهم لا یقدمون على وضع حدیث یثبت أن ولایة علی علیه السلام نزلت من السماء قبل بیعة أبی بکر فی السقیفة وأن الله تعالى عاقب من اعترض علیها بحجر من السماء، کما عاقب أصحاب الفیل الکفار!

کما أن القول بتسرب الحدیث من مصادر الشیعة الى مصادر السنة بابٌ خطیرٌ علیهم.. فلو قبلوا بفتحه لانهار بناء صحاحهم کلها، ثم انهارت الخلافة القرشیة وسقیفتها! وذلک لأن رواة هذه الأحادیث ( الشیعیة ) هم رواة أصول عقیدة الخلافة القرشیة وبناة قواعدها.. فهم مجبورون على توثیقهم وقبول روایاتهم، ومنها هذه الروایات التی تضر أصول مبانیهم!

ثانیاً : أن المتفق علیه فی مصادر الشیعة والسنة أقوى من المختلف فیه.. لأنک عندما ترى أن مذاهب المسلمین کلها تروی حدیثاً، یقوى عندک احتمال أن یکون صدر عن النبی صلى الله علیه وآله ، وعندما یرویه بعضها ویرده بعضها تنزل عندک درجة الإحتمال ومما یزید فی درجة احتمال الصحة: أن یکون الطرف الراوی للحدیث متضرراً منه ضرراً مؤکداً، ومتحیراً فی کیفیة التخلص منه!

وحدیثنا من هذا النوع، فهو حدیثٌ یتضرر منه أتباع خلافة قریش من المسلمین ویبغضه عَبَدَةُ قبیلة قریش من النواصب.

أما أتباع أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله فیحتجون به، وتخبت له قلوبهم.

ثالثاً : أن الإختلاف فی اسم الشخص الذی نزل علیه حجر السجیل، لا یضر فی صحة الحدیث، إذا تمت بقیة شروطه.. خاصةً أن اسمه صار سوأةً على أقاربه وعشیرته، ولا بد أنهم عملوا على إخفائه ونسیان أمره، حتى لا یعیرهم به المسلمون، کما قال الامینی.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۱۹

على أن للباحث أن یرجح أن اسم المعترض هو: جابر بن النضر بن الحارث بن کلدة العبدری، ولیس الحارث بن النعمان الفهری.. بدلیل أن الحافظ أبی عبید الهروی المتوفى سنة ۲۲۳، ضبطه فی تفسیره بهذا الإسم، وکل العلماء السنیین یحترمون علم أبی عبید، وخبرته بالأحادیث، وقدم عصره.

وجابر بن النضر شخصیةٌ قرشیة معروفة، لأنه ابن زعیم بنی عبد الدار، حامل لواء قریش یوم بدر.. فلا یبقى لابن تیمیة والنواصب حجةٌ فی رد الحدیث!

على أن الباقین الذین وردت أسماؤهم فی روایات الحدیث، کالحارث الفهری وغیره، ترجم لهم المترجمون للصحابة أیضاً، أو ترجموا لمن یصلحوا أن یکونوا أقارب لهم.




المسألة السادسة: طرق وأسانید حدیث حجر الغدیر


أولاً: طرق وأسانید المصادر السنیة

الطریق الأول: حدیث أبی عبید الهروی فی کتابه: غریب القرآن، وقد تقدم، وهو بمقاییس أهل الجرح والتعدیل السنیین بقوة المسند المقبول.

الطریق الثانی: حدیث الثعلبی عن سفیان بن عیینة.. وله أسانید کثیرة، وأکثر الذین ذکرهم صاحب الغدیر، رووه عن الثعلبی بأسانیدهم الیه، أو نقلوه من کتابه.

ـ وذکر السید المرعشی عدداً منهم فی إحقاق الحق: ۶|۳۵۸، قال:

ـ العلامة الثعلبی فی تفسیره ( مخطوط ) : روى بسنده عن سفیان بن عیینة رحمه الله سئل عن قوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع، فیمن نزلت؟ فقال للسائل: لقد سألتنی عن مسألة لم یسألنی عنها أحد قبلک، حدثنی أبی، عن جعفر بن محمد عن آبائه رضی الله عنهم، أن رسول الله صلى الله علیه وسلم لما کان بغدیر خم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بید علی رضی الله عنه وقال: من کنت مولاه فعلی مولاه، فشاع ذلک فطار فی البلاد، وبلغ ذلک الحارث ( خ. الحرث ) بن النعمان الفهری، فأتی رسول الله




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۰

صلى الله علیه وسلم على ناقة له، فأناخ راحلته ونزل عنها، وقال: یا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد أن لا إلَه إلا الله وأنک رسول الله فقبلنا منک، وأمرتنا أن نصلی خمساً فقبلنا منک، وأمرتنا بالزکاة فقبلنا منک، وأمرتنا أن نصوم رمضان وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعی ابن عمک تفضله علینا فقلت من کنت مولاه فعلی مولاه! فهذا شیء منک أم من الله عز وجل؟!

فقال النبی صلى الله علیه وسلم: والذی لا إلَه إلا هو إن هذا من الله عز وجل.

فولى الحارث بن النعمان یرید راحلته وهو یقول: اللهم إن کان ما یقول محمد حقا فأمطر علینا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم، فما وصل الى راحلته حتى رماه الله عز وجل بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله عز وجل ( سئل سائل بعذاب واقع للکافرین لیس له دافع من الله ذی المعارج ).

ـ ومنهم العلامة الحموینی فی فرائد السمطین ( المخطوط ) قال:

أخبرنی الشیخ عماد الدین عبد الحافظ بن بدران بن شبل المقدسی بمدینة نابلس فیما أجازنی أن أرویه عنه، عن القاضی جمال الدین عبد القاسم بن عبد الصمد بن محمد الأنصاری إجازة، عن عبدالجبار بن محمد الخوارزمی البیهقی إجازة، عن الإمام أبی الحسن علی بن أحمد الواحدی رحمه الله قال: قرأت على شیخنا الأستاد أبی إسحاق الثعلبی رحمه الله فی تفسیره أن سفیان بن عیینة.. فذکر الحدیث بعین ما تقدم عن تفسیر الثعلبی.

ـ ومنهم العلامة الزرندی فی نظم درر السمطین|۹۳ ط. مطبعة القضاء:

روى الحدیث بعین ما تقدم عن تفسیر الثعلبی.

ـ ومنهم العلامة ابن الصباغ المالکی فی الفصول المهمة|۲۴ ط. الغری

روى الحدیث نقلاً عن الثعلبی بعین ماتقدم عن تفسیره بلا واسطة.

ـ ومنهم العلامة عبد الرحمن الصفوری فی نزهة المجالس ۲|۲۰۹ ط. القاهرة:

روى الحدیث نقلاً عن تفسیر القرطبی بعین ما تقدم عن تفسیر الثعلبی.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۱

ـ ومنهم العلامة السید جمال الدین عطاء الله الشیرازی الهروی فی الأربعین حدیثاً

( مخطوط ) روى الحدیث بعین ما تقدم عن تفسیر الثعلبی، لکنه زاد بعد قوله: من کنت مولاه فعلی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله: وأدر الحق معه حیث کان، وفی روایة اللهم أعنه وأعن به وارحمه وارحم به، وانصره وانصر به.

ـ ومنهم العلامة عبدالله الشافعی فی المناقب|۲۰۵ مخطوط

روى الحدیث بعین ما تقدم عن تفسیر الثعلبی.

ـ ومنهم العلامة القندوزی فی ینابیع المودة|۲۷۴ ط. اسلامبول

روى الحدیث عن الثعلبی بعین ما تقدم عنه فی تفسیره.

ـ ومنهم العلامة الأمرتسری فی أرجح المطالب|۵۶۸ ط. لاهور

روى الحدیث من طریق شهاب الدین الدولت آبادی، والسید السمهودی فی جواهر العقدین، وجمال الدین المحدث صاحب روضة الأحباب فی أربعینه

ـ وعبد الرؤوف المناوی فی فیض القدیر

ـ ومحمد بن محمد القادری فی الصراط السوی

ـ والحلبی فی إنسان العیون

ـ وأحمد بن الفضل بن محمد باکثیر فی وسیلة الامال

ـ ومحمد بن إسماعیل الامیر فی الروضة الندیة

ـ والحافظ محمد بن یوسف الکنجی فی کفایة الطالب بعین ما تقدم عن تفسیر الثعلبی. انتهى.




سندا القاضی الحسکانی الى ابن عیینة


ـ قال فی شواهد التنزیل: ۲|۳۸۲

۱۰۳۰ ـ أخبرنا أبو عبد الله الشیرازی أخبرنا أبو بکر الجرجرائی، حدثنا أبو أحمد البصری قال: حدثنی محمد بن سهل حدثنا زید بن إسماعیل مولى الأنصاری،




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۲

حدثنا محمد بن أیوب الواسطی، عن سفیان بن عینیة، عن جعفر بن محمد، عن أبیه: عن علی قال: لما نصب رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم علیاً یوم غدیر خم فقال: من کنت مولاه فعلی مولاه. طار ذلک فی البلاد، فقدم على رسول الله النعمان بن الحرث الفهری فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إلَه إلا الله وأنک رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحج والصلاة والزکاة والصوم فقبلناها منک، ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت: من کنت مولاه معلی مولاه، فهذا شیء منک أو أمر من عند الله؟!!

فقال: أمرٌ من عند الله.

قال: الله الذی لا إلَه إلا هو إن هذا من الله؟

قال: الله الذی لا إلَه إلا هو إن هذا من الله.

قال: فولى النعمان وهو یقول ( اللهم ) إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم. فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، فأنزل الله تعالى ( سأل سائل ) .

۱۰۳۱ ـ حدثونا عن أبی بکر السبیعی، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر أبو جعفرالضبعی، قال: حدثنی زید بن إسماعیل بن سنان، حدثنا شریح بن النعمان حدثنا سفیان بن عیینة، عن جعفر عن أبیه، عن علی بن الحسین قال: نصب رسول الله صلى الله علیه وآله علیاً یوم غدیر خم ( و ) قال: من کنت مولاه فعلی مولاه. فطار ذلک فی البلاد. الحدیث به، سواء معنى.




الطریق الثالث: للقاضی الحسکانی عن جابر الجعفی


ـ قال فی شواهد التنزیل: ۲|۳۸۲

۱۰۳۲ ـ و ( رواه أیضاً ) فی ( التفسیر ) العتیق ( قال ) : حدثنا إبراهیم بن محمد الکوفی قال: حدثنی نصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفی، عن محمد بن علی قال: أقبل الحارث بن عمرو الفهری الى النبی صلى الله علیه وآله وسلم فقال: إنک أتیتنا




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۳

بخبر السماء فصدقناک وقبلنا منک. فذکر مثله الى قوله: فارتحل الحارث، فلما صار ببطحاء ( مکة ) أتته جندلة من السماء فشدخت رأسه، فأنزل الله ( سأل سائل بعذاب واقع للکافرین ) بولایة علی علیه السلام .

وفی الباب عن حذیفة، وسعد بن أبی وقاص، وأبی هریرة، وابن عباس.




الطریق الرابع: للقاضی الحسکانی عن حذیفة بن الیمان


ـ قال فی شواهد التنزیل: ۲|۳۸۳

۱۰۳۳ ـ حدثنی أبو الحسن الفارسی، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسماعیل الحسنی، حدثنا عبد الرحمان بن الحسن الأسدی، حدثنا إبراهیم.

وأخبرنا أبو بکر محمد بن محمد البغدا دی، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الشیبانی، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن الأسدی، حدثنا إبراهیم بن الحسن الکسائی، حدثنا الفضل بن دکین، حدثنا سفیان بن سعید، حدثنا منصور، عن ربعی، عن حذیفة بن الیمان قال: لما قال رسول الله صلى الله علیه وآله لعلی: من کنت مولاه فهذا مولاه. قام النعمان بن المنذر الفهری ( کذا ) فقال: هذا شیء قلته من عندک أو شیء أمرک به ربک.

قال: لا، بل أمرنی به ربی.

فقال: اللهم أنزل علینا حجارة من السماء. فما بلغ رحله حتى جاءه حجرٌ فأدماه فخر میتاً، فأنزل الله تعالى ( سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین لیس له دافع ) و ( الطریقان ) لفظهما واحد.




الطریق الخامس: للقاضی الحسکانی عن أبی هریرة


ـ قال فی شواهد التنزیل: ۲|۳۸۳

۱۰۳۴ ـ وأخبرنا عثمان أخبرنا فرات بن إبراهیم الکوفی قال: حدثنا الحسین بن محمد بن مصعب البحلی قال: حدثنا أبو عمارة محمد بن أحمد المهدی، حدثنا




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۴

محمد بن أبی معشر المدنی، عن سعید بن أبی سعید المقبری، عن أبی هریرة قال: أخذ رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم بعضد علی بن أبی طالب یوم غدیر خم، ثم قا ل: من کنت مولاه فهذا مولاه. فقام إلیه أعرابی فقال: دعوتنا أن نشهد أن لا إلَه إلا الله وأنک رسول الله فصدقناک، وأمرتنا بالصلاة والصیام فصلینا وصمنا، وبالزکاة فأدینا، فلم یقعنک إلا أن تفعل هذا! فهذا عن الله أم عنک؟

قال: عن الله، لا عنی.

قال: الله الذی لا إلَه إلا هو لهذا عن الله لا عنک؟!

قال: نعم، ثلاثاً، فقام الأعرابی مسرعاً الى بعیره، وهو یقول: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک، الآیة، فما استتم الکلمات حتى نزلت نارٌ من السماء فأحرقته، وأنزل الله فی عقب ذلک: سأل سائل، الى قوله دافع. انتهى.

وقد ذکر الحسکانی کما رأیت طریقین آخرین الى سعد بن أبی وقاص، وابن عباس، ولم یذکر سندهما.. ولعلهما الطریقان الموجودان فی تفسیر فرات الکوفی.






ثانیاً: طرق وأسانید مصادرنا الى سفیان بن عیینة



أسانید فرات بن ابراهیم الکوفی الى سفیان بن عیینة


ـ تفسیر فرات الکوفی ص ۵۰۵

۳ ـ فرات قال: حدثنی محمد بن أحمد ظبیان معنعناً: عن الحسین بن محمد الخارفی قال: سألت سفیان بن عیینة عن: سأل سائل، فیمن نزلت: قال: یا ابن أخی سألتنی عن شیء ما سألنی عنه أحد قبلک، لقد سألت جعفر بن محمد علیهما السلام عن مثل الذی سألتنی عنه، فقال: أخبرنی أبی عن جدی عن أبیه عن ابن عباس رضی الله عنه قال: لما کان یوم غدیر خم، قام رسول الله صلى الله علیه وآله خطیباً فأوجز فی خطبته، ثم دعا علی بن أبی طالب علیه السلام فأخذ بضبعه ثم رفع بیده حتى رئی بیاض إبطیهما وقال: ألم أبلغکم




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۵

الرسالة؟ ألم أنصح لکم؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: من کنت مولاه فعلی مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. ففشت فی الناس فبلغ ذلک الحارث بن النعمان الفهری، فرحل راحلته ثم استوى علیها ـ ورسول الله صلى الله علیه وآله إذ ذاک بمکة ـ حتى انتهى الى الأبطح، فأناخ ناقته ثم عقلها ثم جاء الى النبی صلى الله علیه وآله فسلم فرد علیه النبی صلى الله علیه وآله فقال:

یا محمد إنک دعوتنا أن نقول لا إلَه إلا الله فقلنا! ثم دعوتنا أن نقول إنک رسول الله فقلنا، وفی القلب ما فیه، ثم قلت صلوا فصلینا، ثم قلت صوموا فصمنا فأظمأنا نهارنا وأتعبنا أبداننا، ثم قلت حجوا فحججنا، ثم قلت إذا رزق أحدکم مأتی درهم فلیتصدق بخمسة کل سنة، ففعلنا.

ثم انک أقمت ابن عمک فجعلته علماً وقلت: من کنت مولاه فعلی مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، أفعنک أم عن الله؟! قال: بل عن الله ـ قال فقالها ثلاثاً ـ قال: فنهض، وإنه لمغضب وإنه لیقول: اللهم إن کان ما قال محمد حقا فأمطر علینا حجارة من السماء، تکون نقمة فی أولنا وآیة فی آخرنا، وإن کان ما قال محمد کذباً فأنزل به نقمتک.

ثم أثار ناقته فحل عقالها ثم استوى علیها، فلما خرج من الأبطح رماه الله تعالى بحجر من السماء فسقط على رأسه وخرج من دبره، وسقط میتاً فأنزل الله فیه: سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین لیس له دافع، من الله ذی المعارج. انتهى.




أسانید محمد بن العباس الى سفیان بن عیینة


ـ تأویل الآیات: ۲|۷۲۲

قال محمد بن العباس رحمه الله: حدثنا علی بن محمد بن مخلد، عن الحسن بن القاسم، عن عمر بن الأحسن، عن آدم بن حماد، عن حسین بن محمد قال: سألت سفیان بن عیینة عن قول الله عز وجل: سأل سائل، فیمن نزلت؟ فقال... بنحو روایة فرات الأخیرة.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۶




سند الشریف المرتضى الى سفیان بن عیینة


ـ مدینة المعاجز: ۱|۴۰۷

۲۷۰ ـ السید المرتضى فی عیون المعجزات: قال: حدث أبو عبد الله محمد بن أحمد قال: حدثنا أبی قال: حدثنی علی بن فروخ السمان قال: حدثنی یحیى بن زکریاء المنقری قال: حدثنا سفیان بن عیینة قال: حدثنی عمر بن أبی سلیم العیسى، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبیه علیهما السلام قال: لما نصب رسول الله صلى الله علیه وآله علیاً یوم غدیر خم وقال: من کنت مولاه فعلی مولاه...

قلت: قد ذکرت فی معنى هذا الحدیث روایة المفضل بن عمر الجعفی، عن الصادق علیه السلام فی کتاب البرهان فی تفسیر القرآن بالروایة عن أهل البیت فی قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة من سورة الأنعام.

وفی سورة المعارج فی قوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع، روایة اخرى.




سند منتجب الدین الرازی الى سفیان بن عیینة


ـ الأربعون حدیثاً لمنتجب الدین الرازی ص ۸۲

الحکایة الخامسة: أنا أبو العلاء زید بن علی بن منصور الأدیب والسید أبوتراب المرتضى بن الداعی بن القاسم الحسنی قال: أنا الشیخ المفید عبد الرحمن بن أحمد الواعظ الحافظ املاءً: أنامحمد بن زید بن علی الطبری أبو طالب بن أبی شجاع البریدی بآمل بقراءتی علیه، أنا أبو الحسین زید بن إسماعیل الحسنی، أنا السید أبوالعباس أحمد بن إبراهیم الحسنی، أنا عبدالرحمن بن الحسن الخاقانی، أناعباس بن عیسى، نا الحسن بن عبد الواحد الخزاز، عن الحسن بن علی النخعی، عن رومی بن حماد المخارقی قال: قلت لسفیان بن عیینة: أخبرنی عن ( سأل سائل ) فیمن أنزلت ط قال: لقد سألتنی عن مسألة ماسألنی عنها أحد قبلک، سألت عنها جعفر بن محمد الصادق علیهما السلام فقال: لقد سألتنی عن مسألة ما سألنی عنها أحد قبلک، حدثنی أبی عن آبائه علیهم السلام قال: لما حج النبی صلى الله علیه وآله حجة الوداع فنزل بغدیر خم، نادى فی




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۷

الناس فاجتمعوا فقال: یاأیها الناس ألم أبلغکم الرسالة؟ قالوا: اللهم بلى. قال: أفلم أنصح لکم؟ قالوا: اللهم بلى. قال: فأخذ بضبع علی علیه السلام فرفعه حتى رؤی بیاض إبطیهما، ثم قال: أیها الناس من کنت مولاه فهذا علیٌّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

قال: فشاع ذلک، فبلغ الحارث بن النعمان الفهری، فأقبل یسیر على ناقة له حتى نزل بالأبطح فأناخ راحلته وشد عقالها، ثم أتى النبی صلى الله علیه وآله وهو فی ملأ من أصحابه فقال: یا رسول الله والله الذی لا إلَه إلا هو إنک أمرتنا أن نشهد أن لا إلَه إلا الله فشهدنا، ثم أمرتنا أن نشهد أنک رسوله فشهدنا، ثم أمرتنا أن نصلی خمساً فصلینا، ثم أمرتنا أن نصوم شهر رمضان فصمنا، ثم أمرتنا أن نزکی فزکینا، ثم أمرتنا أن نحج فحججنا، ثم لم ترض حتى نصبت ابن عمک علینا، فقلت: من کنت مولاه فهذا علی مولاه. هذا عنک أو عن الله تعالى؟!

قال النبی صلى الله علیه وآله : لا بل عن الله.

قال: فقام الحارث بن النعمان مغضباً وهو یقول: اللهم إن کان ما قال محمد حقاً فأنزل بی نقمة عاجلة.

قال: ثم أتى الأبطح فحل عقال ناقته واستوى علیها، فلما توسط الأبطح رماه الله بحجر فوقع وسط دماغه وخرج من دبره، فخر میتاً، فأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین لیس له دافع. وقد أورد أبو إسحاق الثعلبی إمام أصحاب الحدیث فی تفسیره هذه الحکایة بغیر إسناد.




سند الطبرسی الى سفیان بن عیینة


ـ تفسیر المیزان: ۶|۵۸

وفی المجمع أخبرنا السید أبو الحمد قال: حدثنا الحاکم أبو القاسم الحسکانی قال: أخبرنا أبو عبد الله الشیرازی قال: أخبرنا أبو بکر الجرجانى قال: أخبرنا أبو أحمد البصرى قال: حدثنا محمد بن سهل قال: حدثنا زید بن إسماعیل مولى




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۸

الأنصار قال: حدثنا محمد بن أیوب الواسطی قال: حدثنا سفیان بن عیینه، عن جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه قال: لما نصب رسول الله صلى الله علیه وآله علیاً یوم غدیر خم قال من کنت مولاه فهذا على مولاه....





ثالثاً: طرق وأسانید من مصادرنا من غیر طریق سفیان بن عیینة



أسانید محمد بن یعقوب الکلینی

ـ الکافی: ۱|۴۲۲

۴۷ ـ علی بن إبراهیم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سلیمان، عن أبیه، عن أبی بصیر، عن أبی عبد الله علیه السلام فی قول الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین ( بولایة علی ) لیس له دافع.

ثم قال: هکذا والله نزل بها جبرئیل علیه السلام على محمد صلى الله علیه وآله . انتهى.

ومعنى قوله علیه السلام ( هکذا والله نزل بها جبرئیل علیه السلام على محمد صلى الله علیه وآله : أنه نزل بتأویلها، وهذا مثل قول ابن مسعود المتقدم فی آیة التبلیغ أنهم کانوا یقرؤون على عهد النبی صلى الله علیه وآله ( بلغ ما أنزل الیک ـ فی علی ) وما ورد عن ابن عباس فی آیات الخندق أنه کان یقرأ ( وکفى الله المؤمنین القتال ـ بعلی ) فهذه لیست قراءات، لأنه لا یجوز إضافة أی حرفٍ الى نص کتاب الله تعالى، بل کلها تفاسیر من الصحابة، أو تفسیرٌ نزل به جبرئیل علیه السلام فبلغهم إیاها النبی صلى الله علیه وآله فکانوا یقرؤونها کالذی یشرح آیةً، أو کتبوها فی تفاسیرهم کالهامش.

ـ وفی الکافی: ۸|۵۷

۱۸ ـ عدة من أصحابنا، عن سهل بن زیاد، عن محمد بن سلیمان، عن أبیه، عن أبی بصیر قال: بینا رسول الله صلى الله علیه وآله ذات یوم جالساً إذ أقبل أمیر المؤمنین علیه السلام فقال له رسول الله صلى الله علیه وآله : إن فیک شبهاً من عیسى بن مریم، ولو لا أن تقول فیک طوائف من




--------------------------------------------------------------------------------

۳۲۹

أمتی ما قالت النصارى فی عیسى بن مریم، لقلت فیک قولاً لا تمر بملأٍ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدمیک، یلتمسون بذلک البرکة.

قال: فغضب أعرابیان والمغیرة بن شعبة وعدةٌ من قریش معهم، فقالوا: ما رضی أن یضرب لابن عمه مثلاً إلا عیسى ابن مریم، فأنزل الله على نبیه صلى الله علیه وآله فقال: ولما ضرب ابن مریم مثلاً إذا قومک منه یصدون، وقالوا ءآلهتنا خیرٌ أم هو ما ضربوه لک إلا جدلاً بل هم قوم خصمون، إن هو إلا عبد أنعمنا علیه وجعلناه مثلاً لبنی إسرائیل. ولو نشاء لجعلنا منکم ـ یعنی من بنی هاشم ـ ملائکة فی الأرض یخلفون. قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهری فقال: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک أن بنی هاشم یتوارثون هرقلاً بعد هرقل، فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذا ب ألیم ....الى آخره، ولعل فی متنه اضطراباً، وفیه:

ثم قال له: یا بن عمرو إما تبت وإما رحلت.

فقال: یا محمد، بل تجعل لسائر قریش شیئاً مما فی یدیک، فقد ذهبت بنو هاشم بمکرمة العرب والعجم!

فقال له النبی صلى الله علیه وآله : لیس ذلک إلی، ذلک إلى الله تبارک وتعالى.

فقال: یا محمد قلبی ما یتابعنی على التوبة، ولکن أرحل عنک، فدعا براحلته فرکبها فلما صار بظهر المدینة، أتته جندلةٌ فرضخت هامته، ثم أتى الوحی الى النبی صلى الله علیه وآله فقال: سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین ـ بولایة علی ـ لیس له دافع، من الله ذی المعارج.




أسانید فرات بن ابراهیم الکوفی


ـ تفسیر فرات الکوفی ص ۵۰۳

۱ـ قال: حدثنا الحسین بن محمد بن مصعب البجلی قال: حدثنا أبو عمارة محمد بن أحمد المهتدی قال: حدثنا محمد بن معشر المدنی، عن سعید بن أبی سعید المقبری، عن أبی هریرة قال: طرحت الأقتاب لرسول الله صلى الله علیه وآله وسلم یوم غدیر خم




--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۰

قال فعلا علیها فحمد الله وأثنى علیه، ثم أخذ بعضد علی بن أبی طالب علیه السلام فاستلها فرفعها، ثم قال: اللهم من کنت مولاه فعلی فهذا علی مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

فقام إلیه أعرابی من أوسط الناس فقال: یا رسول الله دعوتنا أن نشهد أن لا إلَه إلا الله فشهدنا وأنک رسول الله فصدقنا، وأمرتنا بالصلاة فصلینا، وبالصیام فصمنا، وبالجهاد فجاهدنا، وبالزکاة فأدینا، قال: ولم یقنعک إلا أن أخذت بید هذا الغلام على رؤس الأشهاد، فقلت: اللهم من کنت مولاه فهذا علی مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله! فهذا عن الله أم عنک؟!

قال: هذا عن الله، لا عنی.

قال: الله الذی لا إلَه إلا هو لهذا عن الله لا عنک؟!

قال: الله الذی لا إلَه إلا هو لهذا عن الله لا عنی.

ثم قال ثالثة: الله الذی لا إلَه إلا هو لهذا عن ربک لا عنک؟

قال: الله الذی لا إلَه إلا هو لهذا عن ربی لا عنی.

قال: فقام الأعرابی مسرعاً الى بعیره وهو یقول: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم.

قال: فما استتم الأعرابی الکلمات حتى نزلت علیه نارٌ من السماء فأحرقته، وأنزل الله فی عقب ذلک: سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین لیس له دافع، من الله ذی المعارج.

۲ ـ قال فرات: حدثنی جعفر بن محمد بن بشرویة القطان معنعناً، عن الأوزاعی، عن صعصعة بن صوحان والأحنف بن قیس قالا جمیعاً: سمعنا ابن عباس رضی الله عنه قال: کنت مع رسول الله صلى الله علیه وآله إذ دخل علینا عمرو بن الحارث الفهری قال: یا أحمد أمرتنا بالصلاة والزکاة أفمنک هذا أم من ربک یا محمد؟ قال: الفریضة من ربی وأداء الرسالة منی، حتى أقول: ما أدیت إلیکم إلا ما أمرنی ربی.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۱

قال: فأمرتنا بحب علی بن أبی طالب، زعمت أنه منک کهارون من موسى، وشیعته على نوق غر محجلةٍ یرفلون فی عرصة القیامة، حتى یأتی الکوثر فیشرب ویسقی هذه الأمة، ویکون زمرة فی عرصة القیامة، أبهذا الحب سبق من السماء أم کان منک یا محمد؟

قال: بلى سبق من السماء ثم کان منی. لقد خلقنا الله نوراً تحت العرش!

فقال عمرو بن الحارث: الآن علمت أنک ساحر کذاب! یا محمد ألستما من ولد آدم؟

قال: بلى، ولکن خلقنی الله نوراً تحت العرش قبل أن یخلق الله آدم باثنی عشر ألف سنة، فلما أن خلق الله آدم ألقى النور فی صلب آدم، فأقبل ینتقل ذلک النور من صلب الى صلب، حتى تفرقنا فی صلب عبد الله بن عبد المطلب وأبی طالب، فخلقنا ربی من ذلک النور، لکنه لکن لا نبی بعدی.

قال: فوثب عمرو بن الحارث الفهری مع اثنی عشر رجلاً من الکفار، وهم ینفضون أردیتهم فیقولون: اللهم إن کان محمد صادقاً فی مقالته فارم عمراً وأصحابه بشواظٍ من نار.

قال فرمی عمرو وأصحابه بصاعقة من السماء، فأنزل الله هذه الآیة: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین لیس له دافع من الله ذی المعارج. فالسائل عمرو وأصحابه.

۴ ـ فرات قال: حدثنا أبو أحمد یحیى بن عبید بن القاسم القزوینی معنعناً، عن سعد بن أبی وقاص، قال: صلى بنا النبی صلى الله علیه وآله صلاة الفجر یوم الجمعة، ثم أقبل علینا بوجهه الکریم الحسن وأثنى على الله تبارک وتعالى، فقال: أخرج یوم القیمة وعلی بن أبی طالب أمامی، وبیده لواء الحمد، وهو یومئذ من شقتین شقة من السندس وشقة من الإستبرق، فوثب إلیه رجل أعرابی من أهل نجد من ولد جعفر بن کلاب بن ربیعة، فقال: قد أرسلونی إلیک لأسألک، فقال: قل یا أخا البادیة.

قال: ما تقول فی علی بن أبی طالب، فقد کثر الإختلاف فیه؟





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۲

فتبسم رسول الله صلى الله علیه وآله ضاحکاً فقال: یا أعرابی، ولم یکثر الإختلاف فیه؟ علیٌّ منی کرأسی من بدنی، وزری من قمیصی.

فوثب الأعرابی مغضباً ثم قال: یا محمد إنی أشد من علی بطشاً، فهل یستطیع علی أن یحمل لواء الحمد؟

فقال النبی صلى الله علیه وآله : مهلاً یا أعرابی، فقد أعطی علی یوم القیامة خصالاً شتى: حسن یوسف، وزهد یحیى، وصبر أیوب، وطول آدم، وقوة جبرئیل. وبیده لواء الحمد وکل الخلائق تحت اللواء، یحف به الأئمة والمؤذنون بتلاوة القرآن والأذان، وهم الذین لا یتبددون فی قبورهم.

فوثب الأعرابی مغضباً وقال: اللهم إن یکن ما قال محمد فیه حقاً فأنزل علی حجراً. فأنزل الله فیه: سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین لیس له دافع من الله ذی المعارج.




سندا محمد بن العباس


ـ تأویل الآیات: ۲|۷۲۲

ـ وقال أیضاً: حدثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمد السیاری، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سلیمان، عن أبیه، عن أبی بصیر، عن أبی عبد الله علیه السلام أنه تلا: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین ـ بولایة علی ـ لیس له دافع، ثم قال: هکذا هی فی مصحف فاطمة علیها السلام .

ـ ویؤیده: ما رواه محمد البرقی، عن محمد بن سلیمان، عن أبیه، عن أبی بصیر، عن أبی عبد الله علیه السلام فی قوله عز وجل: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین ـ بولایة علی ـ لیس له دافع، ثم قال: هکذا والله نزل بها جبرئیل على النبی صلى الله علیه وآله . انتهى.

وقد تقدم أن عبارة ( بولایة علی علیه السلام ) تفسیرٌ للآیة، وکانوا یکتبون ذلک فی هامش مصاحفهم، کما ورد عن مصحف ابن عباس أنه کان فیه: وکفى الله المؤمنین القتال، بعلی علیه السلام .



سند جامع الأخبار


ـ بحار الأنوار: ۳۳|۱۶۵

۴۲ ـ جامع الأخبار: أخبرنا علی بن عبد الله الزیادی، عن جعفر بن محمد الدوریستی، عن أبیه، عن الصدوق، عن أبیه، عن سعد، عن محمد بن الحسین بن أبی الخطاب، عن أبیه، عن محمد بن سنان، عن زرارة قال: سمعت الصادق علیه السلام قال: لما خرج رسول الله صلى الله علیه وآله الى مکة فی حجة الوداع فلما انصرف منها ـ وفی خبر آخر: وقد شیعه من مکة اثنا عشر ألف رجل من الیمن وخمسة آلاف رجل من المدینة ـ جاءه جبرئیل فی الطریق فقال له:

یا رسول الله إن الله تعالى یقرؤک السلام، وقرأ هذه الآیة: یا أیها الرسول بلغ ما انزل إلیک من ربک .. فقال له رسول الله صلى الله علیه وآله : یا جبرئیل إن الناس حدیثو عهد بالإسلام فأخشى أن یضطربوا ولا یطیعوا.....

فقال له: یا جبرئیل أخشى من أصحابی أن یخالفونی، فعرج جبرئیل ونزل علیه فی الیوم الثالث وکان رسول الله صلى الله علیه وآله بموضع یقال له غدیر خم، وقال له: یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیک من ربک، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله یعصمک من الناس.

فلما سمع رسول الله هذه المقالة قال للناس: أنیخوا ناقتی فوالله ما أبرح من هذا المکان حتى أبلغ رسالة ربی، وأمر أن ینصب له منبر من أقتاب الإبل وصعدها وأخرج معه علیاً علیه السلام وقام قائماً وخطب خطبة بلیغة، وعظ فیها وزجر، ثم قال فی آخر کلامه: یا أیها الناس ألست أولى بکم منکم؟

فقالوا: بلى یا رسول الله....

فلما کان بعد ثلاثةٍ، وجلس النبی صلى الله علیه وآله مجلسه أتاه رجل من بنی مخزوم یسمى عمر بن عتبة ـ وفی خبر آخر حارث بن النعمان الفهری، فقال:

یا محمد أسألک عن ثلاث مسائل.

فقال: سل عما بدالک.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۴

فقال: أخبرنی عن شهادة أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله، أمنک أم من ربک؟

قال النبی صلى الله علیه وآله : أُوحِیَ إلی من الله، والسفیر جبرئیل، والمؤذن أنا، وما أذنت إلا من أمر ربی.

قال: فأخبرنی عن الصلاة والزکاة والحج والجهاد، أمنک أم من ربک؟

قال النبی صلى الله علیه وآله مثل ذلک.

قال: فأخبرنی عن هذا الرجل ـ یعنی علی بن أبی طالب علیه السلام ـ وقولک فیه: من کنت مولاه فهذا علی مولاه .. الى آخره، أمنک أم من ربک؟

قال النبی صلى الله علیه وآله : الوحی إلیَّ من الله، والسفیر جبرئیل، والمؤذن أنا، وما أذنت إلا ما أمرنی.

فرفع المخزومی رأسه الى السماء فقال: اللهم إن کان محمد صادقاً فیما یقول فأرسل علی شواظاً من نار، وفی خبر آخر فی التفسیر فقال: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء، وولى، فوالله ما سار غیر بعید حتى أظلته سحابة سوداء، فأرعدت وأبرقت فأصعقت، فأصابته الصاعقة فأحرقته النار! فهبط جبرئیل وهو یقول: إقرأ یا محمد: سأل سائل بعذاب واقع، للکافرین لیس له دافع.

فقال النبی صلى الله علیه وآله لأصحابه: رأیتم؟ !

قالوا: نعم.

قال: وسمعتم؟

قالوا: نعم.

قال: طوبى لمن والاه والویل لمن عاداه، کأنی أنظر الى علی وشیعته یوم القیامة یزفون على نوقٍ من ریاض الجنة، شبابٌ متوجون مکحلون لا خوفٌ علیهم ولا هم یحزنون، قد أیدوا برضوان من الله أکبر، ذلک هو الفوز العظیم، حتى سکنوا حظیرة القدس من جوار رب العالمین، لهم فیها ما تشتهی الأنفس وتلذ الأعین وهم فیها خالدون، ویقول لهم الملائکة: سلامٌ علیکم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۵




سند مدینة المعاجز للبحرانی


ـ مدینة المعاجز: ۲|۲۶۷

العلامة الحلی فی الکشکول: عن محمد بن أحمد بن عبد الرحمان الباوردی....

فقال النضر بن الحارث الفهری: إذا کان غداً اجتمعوا عند رسول الله صلى الله علیه وآله حتى أقبل أنا وأتقاضاه ما وعدنا به فی بدء الإسلام، وانظر ما یقول، ثم نحتج، فلما أصبحوا فعلوا ذلک فأقبل النضر بن الحارث فسلم على النبی صلى الله علیه وآله فقال:

یا رسول الله إذا کنت أنت سید ولد آدم، وأخوک سید العرب، وابنتک فاطمة سیدة نساء العالمین، وابناک الحسن والحسین سیدی شباب أهل الجنة، وعمک حمزة سید الشهداء، وابن عمک ذو الجناحین یطیر بهما فی الجنة حیث یشاء. وعمک جلدة بین عینیک وصنو أبیک، وشیبة له السدانة، فما لسائر قومک من قریش وسائر العرب؟ !

فقد أعلمتنا فی بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول لنا مالک وعلینا ما علیک.

فأطرق رسول الله صلى الله علیه وآله طویلاً ثم رفع رأسه فقال:

أما أنا والله ما فعلت بهم هذا، بل الله فعل بهم هذا فما ذنبی؟ !

فولى النضر بن الحارث وهو یقول: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب ألیم.

یعنی الذی یقول محمد فیه وفی أهل بیته، فأنزل الله تعالى: وإذ قالوا إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب ألیم .. الى قوله: وهم یستغفرون.

فبعث رسول الله صلى الله علیه وآله الى النضر بن الحارث الفهری وتلا علیه الآیة فقال: یا رسول الله إنی قد سررت ذلک جمیعه أنا ومن لم تجعل له ما جعلته لک ولأهل بیتک من الشرف والفضل فی الدنیا والآخرة، فقد أظهر الله ما أسررنا به.

أما أنا فأسألک أن تأذن لی أن أخرج من المدینة، فإنی لا أطیق المقام بها! فوعظه النبی صلى الله علیه وآله إن ربک کریم، فإن أنت صبرت وتصابرت لم یخلک من مواهبه، فارض




--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۶

وسلم، فإن الله یمتحن خلقه بضروب من المکاره، ویخفف عمن یشاء، وله الخلق والأمر، مواهبه عظیمة، وإحسانه واسع.

فأبى الحارث، وسأله الإذن فأذن له رسول الله صلى الله علیه وآله فأقبل الى بیته وشد على راحلته ورکبها مغضباً، وهو یقول: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألیم.

فلما صار بظهر المدینة وإذا بطیرٍ فی مخلبه حجرٌ، فأرسله إلیه فوقع على هامته، ثم دخلت فی دماغه وخرج من جوفه ووقع على ظهر راحلته وخرج من بطنها، فاضطربت الراحلة وسقطت وسقط النضر بن الحارث من علیها میتین، فأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین ـ بعلی وفاطمة والحسن والحسین وآل محمد ـ لیس له دافع من الله ذی المعارج. انتهى.

وقال فی هامشه: لم نجد کتاب الکشکول للعلامة الحلی رحمه الله بل هو للمحدث الجلیل العلامة السید حیدر بن علی الحسینی الآملی من علماء القرن الثامن الهجری أوله: أما البدایة فلیس بخفی من علمک ولا یستتر عن فهمک وآخره: والحمد لله رب العالمین والعاقبة للمتقین. انتهى.




روایة المناقب لابن شهر آشوب


ـ بحار الأنوار: ۳۱|۳۲۰

۱۷ ـ قب: أبو بصیر عن الصادق علیه السلام لما قال النبی صلى الله علیه وآله : یا علی لولا أننی أخاف أن یقول فیک ما قالت النصارى فی المسیح لقلت الیوم فیک مقالة لا تمر بملأ من المسلمین إلا أخذوا التراب من تحت قدمک. الخبر.

قال الحارث بن عمرو الفهری لقوم من أصحابه: ما وجد محمد لابن عمه مثلاً إلا عیسى بن مریم یوشک أن یجعله نبیاً من بعده. والله إن آلهتنا التی کنا نعبد خیرٌ منه! فأنزل الله تعالى: ولما ضرب بن مریم مثلاً الى قوله: وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقیم.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۷

وفی روایة: أنه نزل أیضاً: إن هو إلا عبد أنعمنا علیه الآیة. فقال النبی صلى الله علیه وآله :

یا حارث اتق الله وارجع عما قلت من العداوة لعلی بن أبی طالب.

فقال: إذا کنت رسول الله وعلی وصیک من بعدک وفاطمة بنتک سیدة نساء العالمین والحسن والحسین ابناک سیدا شباب أهل الجنة، وحمزة عمک سید الشهداء، وجعفر الطیار ابن عمک یطیر مع الملائکة فی الجنة، والسقایة للعباس عمک، فما ترکت لسائر قریش وهم ولد أبیک!

فقال رسول الله صلى الله علیه وآله : ویلک یا حارث ما فعلت ذلک ببنی عبد المطلب، لکن الله فعله بهم!

فقال: إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء الآیة.

فأنزل الله تعالى: وما کان الله لیعذبهم وأنت فیهم، ودعا رسول الله صلى الله علیه وآله الحارث فقال: إما أن تتوب أو ترحل عنا.

قال: فإن قلبی لا یطاوعنی الى التوبة، لکنی أرحل عنک!

فرکب راحلته فلما أصحر، أنزل الله علیه طیراً من السماء فی منقاره حصاة مثل العدسة فأنزلها على هامته وخرجت من دبره الى الأرض، ففحص برجله وأنزل الله تعالى على رسوله: سأل سائل بعذاب واقع للکافرین ـ بولایة علی.




روایة علی بن ابراهیم القمی


ـ تفسیر القمی: ۲|۳۸۵

أخبرنا أحمد بن إدریس، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن علی، عن علی بن حسان، عن عبد الرحمن بن کثیر، عن أبی الحسن علیه السلام فی قوله: سأل سائل بعذاب واقع قال: سأل رجل عن الأوصیاء وعن شأن لیلة القدر، وما یلهمون فیها؟ فقال النبی صلى الله علیه وآله : سألت عن عذابٍ واقع، ثم کفرٍ بأن ذلک لا یکون، فإذا وقع فلیس له من دافع.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۸

وهناک أسانید أخرى، یصعب استقصاؤها فراجع شرح الأخبار للقاضی النعمان المغربی، وکنز الحقائق للکراجکی، والفضائل لشاذان بن جبرئیل، وتفسیر القمی، والمناقب لابن شهراشوب، وغایة المرام للبحرانی .. وغیرها.




النتیجة صحة أصل الحدیث، وتعدد العقاب الإلَهی


المتأمل فی روایات العقاب الإلَهی العاجل لمن اعترض على ولایة علی علیه السلام یصل الى نتیجتین:

الأولى: أن أصل الحدیث مستوفٍ لشروط الصحة .. فمهما کان الباحث بطیء التصدیق، میالاً للتشکیک، وأجاز لنفسه القول إن الشیعة وضعوا هذا الحدیث ودونوه فی مصادرهم .. فلا یمکنه أن یفسر وجوده فی مصادر السنة بذلک، لأن عدداً من أئمتهم المحدثین قد رووه وتبنوه، کما رأیت.

نعم قد یعترض متعصبٌ بأن هؤلاء الأئمة السنیین، قد رووا ذلک عن أئمة أهل البیت علیهم السلام .

وجوابه أولاً، أن مقام أهل البیت علیهم السلام عند السنة لا یقل عن مقام کبار أئمتهم، خاصةً مثل الإمامین الباقر والصادق علیهما السلام اللذین یروی عنهما مباشرةً أو بالواسطة عددٌ من کبار أئمتهم، مثل أبی عبید والسفیانین والزهری ومالک وأحمد .. وغیرهم.

والحساسیة التی قد تراها عند السنیین من أحادیث أهل البیت علیهم السلام إنما هی مما نرویه نحن الشیعة، أما ما یرویه عنهم أئمتهم، فقد قبلوه ودونوا عدداً منه فی صحاحهم.

وجوابه ثانیاً، أن طرق الحدیث لیست محصورةً بأهل البیت علیهم السلام فقد تقدم طریق الحاکم الحسکانی عن حذیفة، وأبی هریرة، وغیرهما أیضاً.

والنتیجة الثانیة: أن الحادثة التی وردت فی الأحادیث المتقدمة وغیرها لا یمکن أن تکون حادثة واحدة، بل هی متعددة .. وذلک بسبب تعدد الأسماء، ونوع العقوبة والأمکنة، والأزمنة، والملابسات المذکورة فی روایات الحدیث.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۳۹

فروایة أبی عبید والثعلبی وغیرها تقول إن الحادثة کانت فی المدینة أو قربها، وأن العذاب کان بحجرٍ من سجیل .. وروایة أبی هریرة وغیرها تقول إن الإعتراض کان فی نفس غدیر خم بعد خطبة النبی صلى الله علیه وآله ، وأن العقوبة کانت بنارٍ نزلت من السماء .. وبعضها یقول إنها کانت بصاعقة ..

والأسماء الواردة متعددة أیضاً، والتصحیف یصح فی بعضها، لکن لا یصح فی جمیعها.




المسألة السابعة: عشیرة سأل سائل بعذاب واقع



بقیت عدة مسائل وبحوث، تتعلق بموضوعنا:

منها، عدد المعترضین على النبی صلى الله علیه وآله بعد الغدیر، وهویاتهم .. ونوع العقوبة الالَهیة، التی وقعت علیهم ..

ومنها، ما أحدثه الإعلان النبوی عن ولایة العترة من تأثیرٍ على المسلمین عامة، وعلى قریشٍ خاصة .. وما یتصل به من الجو العام فی الشهرین الأخیرین من حیاة النبی صلى الله علیه وآله ، والآیات التی نزلت، والأحداث التی وقعت .. ومن أهمها تشاور الأنصار وعرضهم على النبی صلى الله علیه وآله أن یخصصوا له ولعترته ثلث أموالهم لمصارفهم، ونزول آیة ( قل لاأسألکم علیه أجراً إلا المودة فی القربى ) وزیادة حساسیة قریش بسبب ذلک.

ومن أهمها أیضاً، أن النبی صلى الله علیه وآله قرر أن یرسل کل شخصیات قریش المؤثرین فی جیشٍ الى مؤتة، وأمَّر علیهم شاباً أسود البشرة من أصل إفریقی عمره تسع عشرة سنة، هو أسامة بن زید! وهدفه من ذلک أن یوجه نظر الأمة الى الجبهة الخارجیة، ویفرغ المدینة من المخالفین لعترته، حتى إذا توفی صلى الله علیه وآله لم یکن فیها إلا علی والأنصار .. الى آخر الأحداث والأوضاع التی کانت فی هذه الفترة الحاسمة ..





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۰

ومنها، بحث محاولتی اغتیال النبی صلى الله علیه وآله بعد إعلان الغدیر، فی طریق رجوعه فی عقبة هرشى، وفی قصة لده وإعطائه الدواء عندما أغمی علیه من الحمى فی مرضه رغم أنه کان نهاهم عنه!

ومنها، قصة الصحیفة الملعونة الثالثة، التی ورد فی مصادرنا أن المعارضین لإعلان ولایة علی علیه السلام کتبوها فی المدینة، وتعاهدوا ضد آل النبی صلى الله علیه وآله !

ومن البحوث المفیدة أیضاً، بحث فضل یوم الغدیر، وما ورد فی مصادر الفریقین من استحباب صومه، والشکر وإظهار السرور فیه .. الخ.

ومع أنها جمیعاً بحوث مفیدة، ترتبط بموضوعنا .. لکن فضلنا عدم الإطالة بها، واقتصرنا على أولها، وهو عشیرة بنی عبد الدار القرشیة، التی ورد عند الفریقین أن آیة ( سأل سائل بعذاب واقع ) نزلت فی رئیسها النضر بن الحارث، وفی ابنه جابر بن النضر .. وغرضنا من هذا البحث أیضاً أن یکون مکملاً للتصور الصحیح عن قبائل قریش، وحسدها الشدید للنبی وأهل بیته الطاهرین، صلى الله علیه وعلیهم.




الحسد القدیم وحلف لعقة الدم



کانت الجزیرة العربیة مجتمعاتٍ قبلیة، ومعظم مناطقها تحکمها القبائل ولیس فیها حکومةٌ مرکزیة.

وکانت الصراعات والحروب، والتحالفات القبلیة أمراً شائعاً بین قبائلها، ومنها قبائل قریش.

ومن أهم الأحلاف القرشیة التی سجلتها مصادر التاریخ، حلف الفضول الذی دعا الیه عبد المطلب جد النبی صلى الله علیه وآله .. وسمی حلف المطیبین، لأنهم أکدوا تحالفهم بغمس أیدیهم فی جفنة طیبٍ صنعتها لهم بنت عبد المطلب.

وکانت أهم بنود هذا الحلف: أن یحموا الکعبة الشریفة ممن یرید بها شراً، ویمنعوا الظلم فیها، وینصروا المظلوم حتى یصل الى حقه.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۱

وهو الحلف الذی شارک فیه النبی صلى الله علیه وآله ، وکان عمره الشریف نحو عشرین سنة .. بل تدل بعض الأحادیث على أنه صلى الله علیه وآله أمضاه بعد بعثته، کما فی مسند أحمد: ۱| ۱۹۰ قال: شهدت حلف المطیبین مع عمومتی وأنا غلامٌ، فما أحب أن لی حمر النعم... وصححه الحاکم: ۲|۲۲۰

وکان هذاالحلف جواباً لحلف مضادٍ، دعا الیه بنو عبد الدار، فأجابتهم بعض قبائل قریش، وعرف حلفهم باسم ( لعقة الدم ) لأنهم ذبحوا بقرة، وأکدوا تحالفهم بأن یلعق ممثل القبیلة لعقةً من دمها!

وقد اختلفت النصوص فی سبب الحلفین ووقتهما، فذکر بعضها أنه عند بناء الکعبة بسبب اختلافهم على القبیلة التی تفوز بشرف وضع الحجر الأسود فی موضعه.

وذکر بعضها أنه کان بسبب شکایة بائع مظلوم، اشترى منه قرشی بضاعة، وأراد أن یأکل علیه ثمنها ..

والأرجح ما ذکره ابن واضح الیعقوبی من أن بنی عبد الدار حسدوا عبد المطلب ، فدعوا الى حلف لعقة الدم، فدعا عبد المطلب فی مقابلهم الى حلف المطیبین.

ـ قال الیعقوبی فی تاریخه: ۱|۲۴۸

ولما رأت قریش أن عبد المطلب قد حاز الفخر، طلبت أن یحالف بعضها بعضاً لیعزُّوا، وکان أول من طلب ذلک بنو عبد الدار لما رأت حال عبد المطلب، فمشت بنو عبد الدار الى بنی سهم فقالوا: إمنعونا من بنی عبد مناف.... فتطیب بنو عبد مناف، وأسد، وزهرة، وبنو تیم، وبنو الحارث بن فهر، فسموا حلف المطیبین.

فلما سمعت بذلک بنو سهم ذبحوا بقرةً وقالوا: من أدخل یده فی دمها ولعق منه، فهو منا! فأدخلت أیدیها بنو سهم، وبنو عبد الدار، وبنو جمح، وبنو عدی، وبنو مخزوم، فسموا اللعقة.

وکان تحالف المطیبین ألا یتخاذلوا، ولا یسلم بعضهم بعضاً.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۲

وقالت اللعقة: قد أعتدنا لکل قبیلةٍ قبیلة. انتهى.

ـ وقال الیعقوبی: ۲|۱۷

حضر رسول الله صلى الله علیه وآله حلف الفضول وقد جاوز العشرین، وقال بعدما بعثه الله: حضرت فی دار عبد الله بن جدعان حلفاً، ما یسرنی به حمر النعم، ولو دعیت الیه الیوم لأجبت.

وکان سبب حلف الفضول أن قریشاً تحالفت أحلافاً کثیرة على الحمیة والمنعة، فتحالف المطیبون وهم بنو عبد مناف، وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تیم، وبنو الحارث بن فهر، على أن لا یسلموا الکعبة ما أقام حراء وثبیر، وما بلَّ بحرٌ صوفة.

وصنعت عاتکة بنت عبد المطلب طیباً فغمسوا أیدیهم فیه...

فتذممت قریش فقاموا فتحالفوا ألا یظلم غریبٌ ولا غیره، وأن یؤخذ للمظلوم من الظالم، واجتمعوا فی دار عبد الله بن جدعان التیمی.

وکانت الأحلاف هاشم، وأسد، وزهرة، وتیم، والحارث بن فهر، فقالت قریش:

هذا فضول من الحلف، فسمی حلف الفضول. انتهى.

ـ وفی سیرة ابن هشام: ۱|۸۵

فکان بنو أسد بن عبد العزى بن قصی، وبنو زهرة بن کلاب، وبنو تیم بن مرة بن کعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالک بن النضر، مع بنی عبد مناف.

وکان بنو مخزوم بن یقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصیص بن کعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصیص بن کعب، وبنو عدی بن کعب، مع بنی عبد الدار.

ویفهم من هذه النصوص وغیرها أن حرکة التحالف بدأها بنو عبد الدار حسداً لعبد المطلب، فسعوا للتحالف ضده، فبادر عبد المطلب ومؤیدوه الى عقد حلف المطیبین قبلهم، ثم عقد بنو عبد الدار ومؤیدوهم حلف لعقة الدم.

ویفهم منها، أن أهداف حلف عبد المطلب حمایة الکعبة ونصرة المظلوم، بینما هدف حلف بنی عبد الدار مواجهة المطیبین!





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۳




بنو عبد الدار أصحاب لواء قریش



وذکر المؤرخون أن بنی عبد الدار ورثوا من جدهم قصی دار الندوة التی کانت شبیهةً بمرکز لمجلس شیوخ قریش، تبحث فیها الأمور المهمة، وتتخذ فیها القرارات، کما ورثوا لواء الحرب، فکانوا هم أصحاب لواء قریش فی حروبها ..

ـ قال البلاذری فی فتوح البلدان ۶۰

فلم تزل دار الندوة لبنی عبد الدار بن قصی، حتى باعها عکرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصی، من معاویة بن أبی سفیان، فجعلها داراً للإمارة. انتهى.

وقد قتل علی علیه السلام من بنی عبد الدار کل من رفع لواء قریش فی وجه رسول صلى الله علیه وآله ، فبلغوا بضعة عشر، وروی أن بعضهم قتلهم عمه حمزة بن عبد المطلب!

ـ قال ابن هشام فی: ۳|۵۸۷: واصفاً تحمیس أبی سفیان وزوجته لبنی عبد الدار فی أحد:

قال أبو سفیان لأصحاب اللواء من بنی عبد الدار یحرضهم بذلک على القتال: یا بنی عبد الدار إنکم قد ولیتم لواءنا یوم بدر، فأصابنا ما قد رأیتم، وإنما یؤتى الناس من قبل رایاتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تکفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بیننا وبینه فنکفیکموه!

فهمُّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم الیک لواءنا؟ !! ستعلم غداً إذا التقینا کیف نصنع! وذلک أراد أبو سفیان.

فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة فی النسوة اللاتی معها، وأخذن الدفوف یضربن بها خلف الرجال ویحرضنهم، فقالت هند فیما تقول:


ویهاً بنی عبد الدار * ویهاً حماة الأدبار

ضرباً بکل بتار





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۴

ـ وفی سیرة ابن هشام: ۳|۶۵۵

قال ابن هشام: أنشدنی أبو عبیدة للحجاج بن علاط السلمی یمدح أبا الحسن أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب، ویذکر قتله طلحة بن أبی طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، صاحب لواء المشرکین یوم أحد:



لله أیُّ مـذبـبٍ عـن حـرمةٍ * أعنی ابن فاطمةَ المـُعِـمَّ المُخولا

سبقت یداک لـه بعاجلِ طعـنةٍ * ترکت طلیحة للجـبـین مـجـدلا

وشددت شدةَ باسـلٍ فکشفتهـم * بالجر إذ یهوون أخول أخولا.انتهى.



وقد تتابع على حمل لواء المشرکین یوم أحد تسعة من بنی عبد الدار، وقیل أکثر ورکزوا حملاتهم على قتل النبی صلى الله علیه وآله بعد أن ترکه المسلمون وهربوا صعوداً فی الجبل، وثبت الرسول صلى الله علیه وآله ومعه علی علیه السلام فی وجه حملات قریش، التی تواصلت الى ما بعد الظهر!

وکان النبی صلى الله علیه وآله یقاتل فی مرکزه، وعلی علیه السلام یحمل علیهم، یضرب مقدمتهم، ثم یغوص فیهم یضرب یمیناً وشمالاً، حتى یصل الى العبدری حامل لوائهم فیحصد رأسه، فتنکفئ الحملة ..

ثم یتحمس عبدریٌّ آخر فیحمل لواء الشرک، ویهجمون باتجاه الرسول صلى الله علیه وآله فیتلقاهم علی علیه السلام وهو راجلٌ وهم فرسان .. حتى قتل من فرسان قریش عشرات، ومن العبدریین أصحاب ألویتهم تسعة! فیئسوا وانسحبوا، ونادى منادیهم کذباً: قتل محمد!

وقد أصابته صلى الله علیه وآله بضع جراحات، وأصابت علیاً علیه السلام بضع وسبعون جراحة! منها جراحاتٌ بلیغة، روی أن النبی صلى الله علیه وآله مسح علیها بریقه فبرأت.




بنو عبد الدار علموا قریشاً فناً فی الدفاع



ومن طریف ما ذکره المؤرخون عن بنی عبد الدار الشجعان، أنهم أول من علم قریشاً أسلوباً فی الدفاع عن نفسها فی الحرب أمام بنی هاشم، فقد ابتکروا طریقة للإستفادة فی الحرب من ترفع بنی هاشم وسموهم الأخلاقی!





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۵

ـ روى ابن کثیر فی السیرة: ۳|۳۹، ناقلاً عن ابن هشام:

لما اشتد القتال یوم أحد، جلس رسول الله صلى الله علیه وسلم تحت رایة الأنصار، وأرسل الى علی: أن قدم الرایة، فقدم علی وهو یقول: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبی طلحة، وهو صاحب لواء المشرکین: هل لک یاأبا القصم فی البراز من حاجة؟ قال: نعم.

فبرزا بین الصفین، فاختلفا ضربتین، فضربه علی فصرعه، ثم انصرف ولم یجهز علیه!

فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت علیه؟

فقال: إنه استقبلنی بعورته فعطفتنی علیه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله.

وقد فعل ذلک علی رضی الله عنه یوم صفین مع بسر بن أبی أرطاة، لما حمل علیه لیقتله أبدى له عورته، فرجع عنه.

وکذلک فعل عمرو بن العاص حین حمل علیه علی فی بعض أیام صفین، أبدى عن عورته، فرجع علی أیضاً. ففی ذلک یقول الحارث بن النضر:



أفی کل یوم فارسٌ غیر منتهٍ * وعورته وسْطَ العجاجةِ بـادیءهْ

یـکـفُّ لها عنه علیٌّ سنانه * ویضحک منها فی الخلاء معاویة





النضر بن الحارث رئیس بنی عبد الدار



ـ قال ابن هشام: ۱|۱۹۵

وکان النضر بن الحارث من شیاطین قریش، وممن کان یؤذی رسول الله صلى الله علیه وسلم وینصب له العدواة، وکان قدم الحیرة وتعلم بها أحادیث ملوک الفرس وأحادیث رستم واسفندیار، فکان إذا جلس رسول الله صلى الله علیه وسلم مجلساً فذکر فیه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه فی مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله یا معشر قریش أحسن حدیثاً منه، فهلم الی فأنا




--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۶

أحدثکم أحسن من حدیثه، ثم یحدثهم عن ملوک فارس ورستم واسبندیار، ثم یقول: بماذا محمد أحسن حدیثاً منی؟ !

قال ابن هشام: وهو الذی قال فیما بلغنی: سأنزل مثل ما أنزل الله.

قال ابن اسحاق: وکان ابن عباس رضی الله عنهما یقول فیما بلغنی: نزل فیه ثمان آیات من القرآن، قول الله عز وجل: إذا تتلى علیه آیاتنا قال أساطیر الأولین.

وکل ما ذکر فیه الأساطیر من القرآن. انتهى.

وذکر ابن هشام ۱|۲۳۹ قول النضر عن النبی صلى الله علیه وآله ( وما حدیثه إلا أساطیر الأولین اکتبتها کما اکتتبتها! ! ) .

ـ وقال السیوطی فی الدر المنثور: ۳|۱۸۱

وأخرج ابن جریر عن عطاء قال: نزلت فی النضر: وإذ قالوا اللهم إن کان هذا هو

الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل یوم الحساب، ولقد جئتمونا فرادى کما خلقناکم أول مرة، وسأل سائل بعذاب واقع!

قال عطاء رضی الله عنه: لقد نزل فیه بضع عشرة آیة من کتاب الله. انتهى.

ـ وروى نحوه فی: ۵|۲۹۷، عن عبد بن حمید.

ـ وقال عنه فی تفسیر الجلالین ۵۴۰

وهو النضر بن الحارث، کان یأتی الحیرة یتجر فیشتری کتب أخبار الأعاجم ویحدث بها أهل مکة ویقول: إن محمداً یحدثکم أحادیث عادٍ وثمود، وأنا أحدثکم أحادیث فارس والروم، فیستملحون حدیثه ویترکون استماع القرآن! انتهى.

وقد عرفت أن مصادرنا وعدداً من مصادر السنیین ذکرت أن السائل بالعذاب الواقع هو جابر بن النضر بن الحارث، أو الحارث الفهری. وأن أکثر مصادر السنیین رجحت أنه أبوه النضر بن الحارث، اعتماداً على روایات عن ابن جبیر وابن عباس غیر مرفوعة. فقد روى الحاکم فی المستدرک: ۲|۵۰۲ : عن سعید بن جبیر، سأل سائل





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۷

بعذاب واقع، قال: هو النضر بن الحارث بن کلدة، قال: اللهم إن کان هذا هو الحق من عندک فأمطر علینا حجارة من السماء.

ـ وقال السیوطی فی الدر المنثور: ۶|۲۶۳: أخرج الفریابی، وعبد بن حمید، والنسائی، وابن أبی حاتم، والحاکم وصححه، وابن مردویة، عن ابن عباس... الخ.

ولم أجد فی مصادر السیرة والتراجم عن الإبن غیر قصة هلاکه بحجر من السماء، لکفره وبغضه لأهل بیت النبی صلى الله علیه وآله ، ولعله کان شاباً، أو أنهم عتَّموا على ذکره حسداً لأهل البیت علیهم السلام . ویدل الموجود فی مصادر السیرة على أن الأب أسوأ من الإبن بکثیرٍ، لأنه من کبار الفراعنة الذین واجهوا النبی صلى الله علیه وآله ، ولعل ابنه لو عاش لفاق أباه فی کفراً وعتواً! !




وکان النضر عضو مجلس الفراعنة المتآمرین على النبی صلى الله علیه وآله



ـ قال ابن هشام: ۱|۱۹۱

قال ابن اسحاق: ثم إن الإسلام جعل یفشو بمکة فی قبائل قریش فی الرجال والنساء، وقریش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمین.

ثم إن أشراف قریش من کل قبیلة.... اجتمع عتبة بن ربیعة، وشیبة بن ربیعة، وأبو سفیان بن حرب، والنضر بن الحارث أخو بنی عبد الدار، وأبو البختری بن هشام، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والولید بن المغیرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبی أمیة، والعاص بن وائل، ونبیه ومنبه ابنا الحجاج السهمیان، وأمیة بن خلف، أو من اجتمع منهم...

قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الکعبة، قال بعضهم لبعض: إبعثوا الى محمد فکلموه وخاصموه حتى تعذروا فیه، فبعثوا الیه: إن أشراف قومک قد اجتمعوا لک لیکلموک فأتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله علیه وسلم... فقالوا له:





--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۸

یا محمد، إنا قد بعثنا الیک لنکلمک، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومک، لقد شتمت الآباء وعبت الدین وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقی أمرٌ قبیحٌ إلا قد جئته فیما بیننا وبینک ـ أو کما قالوا ـ فان کنت إنما جئت بهذا الحدیت تطلب به مالاً جمعنا لک من أموالنا حتى تکون أکثرنا مالاً، وإن کنت إنما تطلب به الشرف فینا فنحن نسودک علینا، وإن کنت ترید به ملکاً ملکناک علینا، وإن کان هذا الذى یأتیک رئیاً تراه قد غلب علیک ـ وکانوا یسمون التابع من الجن رئیاً ـ فربما کان ذلک بذلنا لک أموالنا فی طلب الطب لک حتى نبرئک منه، أو نعذر فیک! فقال لهم رسول الله صلى الله علیه وسلم:

مابی ما تقولون، ما جئت بما جئتکم به أطلب أموالکم، ولا الشرف فیکم، ولا الملک علیکم، ولکن الله بعثنی الیکم رسولاً، وأنزل علی کتاباً، وأمرنی أن أکون لکم بشیراً ونذیراً، فبلغتکم رسالات ربی ونصحت لکم، فإن تقبلوا منی ما جئتکم به فهو حظکم فی الدنیا والآخرة، وإن تردوه علیَّ أصبر لأمر الله، حتى یحکم الله بینی وبینکم... الى آخر مناظرتهم.

ـ وقال ابن هشام: ۲|۳۳۱

عن عبد الله بن عباس رضی الله عنهما قال: لما أجمعوا لذلک واتعدوا أن یدخلوا دار الندوة لیتشاوروا فیها فی أمر رسول الله صلى الله علیه وسلم، غدوا فی الیوم الذی اتعدوا له وکان ذلک الیوم یسمى یوم الزحمة... وقد اجتمع فیها أشراف قریش: من بنی عبد شمس: عتبة بن ربیعة، وشیبة بن ربیعة، وأبوسفیان بن حرب. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: طعیمة بن عدى، وجبیر ابن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بنى عبد الدار بن قصی: النضر ابن الحارث بن کلدة... الخ.

فقال أبوجهل بن هشام: والله إن لی فیه رأیاً ما أراکم وقعتم علیه بعد.

قالوا: وما هو یا أبا الحکم؟

قال: أرى أن نأخذ من کان قبیلة فتى شاباً جلیداً نسیباً وسیطاً فینا، ثم نعطی کل




--------------------------------------------------------------------------------

۳۴۹

فتى منهم سیفاً صارماً، ثم یعمدوا الیه فیضربوه بها ضربة رجل واحد فیقتلوه فنستریح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلک تفرق دمه فی القبائل جمیعها، فلم یقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جمیعاً، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. انتهى.

ورواه الطبری فی تاریخه: ۲|۹۸




وکان النضر رسول قریش الى الیهود



ـ جاء فی سیرة ابن هشام: ۱|۱۹۵

قام النضر بن کلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصی... فقال:

یا معشر قریش إنه والله قد نزل بکم أمرٌ ما أتیتم له بحیلة بعد، قد کان محمد فیکم غلاماً حدثاً، أرضاکم فیکم، وأصدقکم حدیثاً، وأعظمکم أمانة، حتى إذا رأیتم فی صدغیه الشیب، وجاءکم بما جاءکم به، قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأینا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم کاهن، لا والله ما هو بکاهن، قد رأینا الکهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأینا الشعر وسمعنا أصنافه کلها: هزجه ورجزه. وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأینا الجنون فما هو بخنقة، ولا وسوسته، ولا تخلیطه.

یا معشر قریش فانظروا فی شأنکم، فإنه والله لقد نزل بکم أمر عظیم....

فلما قال لهم ذلک النضر بن الحارث بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبی معیط الى أحبار یهود بالمدینة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الکتاب الأول، وعندهم علمٌ لیس عندنا من علم الأنبیاء.

فخرجا حتى قدما المدینة، فسألا أحبار یهود عن رسول الله صلى الله علیه وسلم ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم: إنکم أهل التوراة، وقد جئناکم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؟ .

فقالت لهما أحبار یهود: سلوه عن ثلاثٍ نأمرکم بهن، فإن أخبرکم بهن فهو نبی مرسل، وان لم یفعل فالرجل متقول، فَرَوْا فیه رأیکم.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۰

سلوه عن فتیة ذهبوا فی الدهر الأول: ما کان أمرهم، فإنه قد کان لهم حدیث عجیب؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما کان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هی؟

فإذا أخبرکم بذلک فاتبعوه فإنه نبی، وإن لم یفعل فهو رجلٌ متقول، فاصنعوا فی أمره

ما بدا لکم... الى آخر القصة. ورواها فی عیون الأثر: ۱|۱۴۲




کاتب الصحیفة الملعونة الأولى ضد بنی هاشم



ـ قال ابن هشام: ۱|۲۳۴

اجتمعوا بینهم أن یکتبوا کتاباً یتعاقدون فیه على بنی هاشم، وبنی المطلب، على أن لا ینکحوا الیهم ولا ینکحوهم، ولا یبیعوهم شیئاً ولا یبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلک کتبوه فی صحیفة، تعاهدوا وتواثقوا على ذلک، ثم علقوا الصحیفة فی جوف الکعبة توکیداً على أنفسهم، وکان کاتب الصحیفة منصور بن عکرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصی. قال ابن هشام: ویقال النضر بن الحارث، فدعا علیه رسول الله صلى الله علیه وسلم، فشل بعض أصابعه.

ـ وقال ابن واضح الیعقوبی فی تاریخه: ۲|۳۱

وهمت قریش بقتل رسول الله، وأجمع ملأها على ذلک، وبلغ أبا طالب فقال:



والله لـن یصلوا الیک بجمعهم * حتى أغیَّبَ فی التراب دفینا

ودعوتنی وزعمت أنک ناصح * ولقد صدقت وکنت ثَمَّ أمینا

وعرضـت دیناً قد علمت بأنه * من خیر أدیان البـریة دینا



فلما علمت قریش أنهم لا یقدرون على قتل رسول الله صلى الله علیه وآله وأن أبا طالب لا یسلمه، وسمعت بهذا من قول أبی طالب، کتبت الصحیفة القاطعة الظالمة ألا یبایعوا أحداً من بنی هاشم، ولا ینا کحوهم، ولا یعاملوهم، حتى یدفعوا الیهم محمداً فیقتلوه. وتعاقدوا على ذلک وتعاهدوا، وختموا على الصحیفة بثمانین





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۱

خاتماً، وکان الذی کتبها منصور بن عکرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار، فشلت یده.

ثم حصرت قریش رسول الله وأهل بیته من بنی هاشم وبنی المطلب ابن عبد مناف فی الشعب الذی یقال له شعب أبی طالب ست سنین من مبعثه.

فأقام ومعه جمیع بنی هاشم وبنی المطلب فی الشعب ثلاث سنین، حتى أنفق رسول الله ماله، وأنفق أبو طالب ماله، وأنفقت خدیجة بنت خویلد مالها، وصاروا الى حد الضر والفاقة.

ثم نزل جبریل على رسول الله فقال: إن الله بعث الأرضة على صحیفة قریش فأکلت کل ما فیها من قطیعة وظلم، إلا المواضع التی فیها ذکر الله!

فخبَّر رسول الله أبا طالب بذلک، ثم خرج أبو طالب ومعه رسول الله وأهل بیته حتى صار الى الکعبة فجلس بفنائها، وأقبلت قریش من کل أوب فقالوا: قد آن لک یا أبا طالب أن تذکر العهد وأن تشتاق الى قومک، وتدع اللجاج فی ابن أخیک.

فقال لهم: یا قوم أحضروا صحیفتکم فلعلنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترک القطیعة، وأحضروها وهی بخواتیمهم.

فقال: هذه صحیفتکم على العهد لم تنکروها؟

قالوا: نعم.

قال: فهل أحدثتم فیها حدثاً؟

قالوا: اللهم لا.

قال: فإن محمداً أعلمنی عن ربه أنه بعث الأرضة فأکلت کل ما فیها إلا ذکر الله، أفرأیتم إن کان صادقاً ماذا تصنعون؟

قالوا: نکف ونمسک.

قال: فإن کان کاذباً دفعته الیکم تقتلونه.

قالوا: قد أنصفت وأجملت.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۲

وفضت الصحیفة فإذا الأرضة قد أکلت کل ما فیها إلا مواضع بسم الله عز وجل.

فقالوا: ما هذا إلا سحر، وما کنا قطُّ أجدَّ فی تکذیبه منا ساعتنا هذه! !

وأسلم یومئذ خلق من الناس عظیم، وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو المطلب فلم یرجعوا الیه. انتهى.

وقد وردت روایة شعر أبی طالب ( ودعوتنی وعلمت أنک ناصح ) وهو الأنسب لجو القصیدة، وإیمان أبی طالب رحمه الله، وقد بحثنا افتراءات قریش علیه فی المجلد الثالث من العقائد الإسلامیة.




وکان النضر من المطعمین جیش قریش فی بدر



وقد تقدم فی البحث الخامس أن النضر أحد الرهط الذین کانوا یطعمون جیش قریش فی حرب بدر، وقد عده النبی صلى الله علیه وآله من أفلاذ أکباد مکة، عاصمة قریش! ( ابن هشام: ۲|۴۸۸، وتاریخ الطبری: ۲ |۱۴۲ )




نهایة الأول من فراعنة سأل سائل



ـ سیرة ابن هشام: ۲|۲۰۶ ـ ۲۰۷

ثم أقبل رسول الله صلى الله علیه وسلم قافلاً الى المدینة، ومعه الأسارى من المشرکین، وفیهم عقبة بن أبی معیط، والنضر بن الحارث.... قال ابن اسحاق: حتى إذا کان رسول الله صلى الله علیه وسلم بالصفراء، قتل النضر بن الحارث، قتله علی بن أبی طالب، کما خبرنی بعض أهل العلم من أهل مکة.

قال ابن اسحاق: ثم خرج حتى إذا کان بعرق الظبیة، قتل عقبة ابن أبی معیط.

( راجع أیضا سیرة ابن هشام: ۲|۲۸۶ و ۵۲۷، وتاریخ الطبری: ۲|۱۵۷ و ۲۸۶ ).

ـ وفی معجم البلدان: ۱|۹۴

الأثیل: تصغیر الأثل موضعٌ قرب المدینة، وهناک عین ماء لآل جعفر بن أبی طالب، بین بدر ووادی الصفراء، ویقال له ذو أثیل.... وکان النبی صلى الله علیه




--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۳

وسلم، قتل عنده النضر بن الحارث بن کلدة، عند منصرفه من بدر، فقالت قتیلة بنت النضر ترثی أباها، وتمدح رسول الله صلى الله علیه وسلم:



یـا راکـبـاً إن الأثـیـل مظنةٌ * مـن صبحِ خامسةٍ ، وأنت موفقُ

بـلـغ بـه میـتـاً، فإن تحـیةً * مـا إن تـزال بها الرکائب تخفق

مـنـی الـیـه، وعبرةً مسفوحةً * جادت لمائحها وأخــرى تـخنق

فـلیسمعن النضر ، إن نـادیتـه * إن کان یسمع میت أو یـنـطـق

ظلـت سیـوف بنی أبـیه تنوشه * لله أرحـام هـنـاک تـشـقـق!

أمـحـمـد! ولإنت ضنء نجیبة * فی قومها، والفحل فحل مـعـرق

لـو کنت قابل فـدیـة ، فلنأتیـ * ن بأعـز مـا یغـلو لدیک وینفق

ما کان ضرک لو مننت وربـمـا * منَّ الفتى ، وهو المـغیظ المحنق

والنضر أقرب من أصبت وسیلةً * وأحـقـهـم ، إن کان عتق یعتق



فلما سمع النبی صلى الله علیه وسلم شعرها رق لها، وقال: لو سمعت شعرها قبل قتله لوهبته لها. انتهى.

ومن الثابت عن النبی صلى الله علیه وآله أنه کان أکره الناس للقتل، وأنه لم یقتل أحداً إلا عند اللزوم والضرورة .. وحسبک أن جمیع القتلى فی جمیع حروبه صلى الله علیه وآله ومن أقام علیهم الحد الشرعی لا یبلغون سبع مئة شخص، وبذلک کانت حرکته العظیمة صلى الله علیه وآله أعظم حرکة فی نتائجها، وأقل حرکة فی کلفتها!

لهذا لا یبعد أن یکون قتله للنضر تم بأمر الله تعالى، لأنه جرثومة شرٍ وفساد! وکذلک صدیق النضر وشریکه فی الشر، عقبة بن معیط الأموی، وکان صاحب خمارة ومبغى فی مکة، وکان معروفاً بإلحاده.

وإذا صح ما قاله صلى الله علیه وآله لبنت النضر الشاعرة، فلا ینافی أن قتله لأبیها کان بأمر الله تعالى، لأن معناها أنه صلى الله علیه وآله لو سمع هذا الشعر منها وما فیه من قیم واستعطاف، قبل أن یقتله، لطلب من ربه عز وجل أن یأذن له بأن یهب هذا الفرعون لابنته، ویکفی المسلمین شره، کما أمکنهم منه فأسروه.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۴




النضیر بن الحارث أخ النضر ووارثه



ذکرت مصادر السیرة والتاریخ أن لواء قریش بعد النضر کان بید آخرین من بنی عبد الدار، ولم تذکر أن أخاه النضیر کان فارساً مثله، ویظهر أنه صار بعد أخیه النضر رئیس بنی عبد الدار، وإن لم یکن شجاعاً صاحب اللواء، فقد وصفه رواة قریش وأصحاب السیر بالحلم، إشارة الى أنه کان سیاسیاً محباً للدعة .. وعدُّوه من رؤساء قریش والمؤلفة قلوبهم، الذین أعطى النبی ۹ کل واحد منهم مئة بعیرٍ من غنائم حنین.

ـ قال الطبری فی تاریخه: ۲|۳۵۸

فأعطى أبا سفیان بن حرب مائة بعیر، وأعطى ابنه معاویة مائة بعیر، وأعطى حکیم بن حزام مائة بعیر، وأعطى النضیر بن الحارث بن کلدة بن علقمة أخا بنی عبد الدار مائة بعیر، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفی حلیف بنی زهرة مائة بعیر، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعیر، وأعطى صفوان بن أمیة مائة بعیر، وأعطى سهیل بن عمرو مائة بعیر، وأعطى حویطب بن عبد العزى بن أبی قیس مائة بعیر...

ونحوه فی سیرة ابن هشام: ۴|۹۲۹، وابن کثیر: ۳|۶۸۲ وتاریخ الیعقوبی

وقد تقدم ذکره فی البحث الخامس، واعترافه بأنه خطط مع زعماء قریش لقتل النبی صلى الله علیه وآله فی حنین، ولم یتمکنوا من ذلک!

وقد اختلط اسم النضیر عند بعضهم باسم أخیه النضر، قال الرازی فی الجرح والتعدیل: ۸|۴۷۳:

النضر بن الحارث بن کلدة العبدری من مسلمة الفتح، ویقال نضیر ولیست له روایة، سمعت أبی یقول ذلک.

وقال فی هامشه: وهذا هو الصواب إن شاء الله، لأن النضر بن الحارث قتل کافراً إجماعاً، وإنما هذا أخوه، واحتمال أن یکون مسمى باسمه أیضا بعید، وأثبت ماجاء فی الروایات أن هذا هو ( النضیر ) راجع الإصابة الترجمتین. انتهى.





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۵




رواة قریش یجعلون النضیر مسلماً مهاجراً شهیداً!



وعلى عادة رواة قریش، فقد جعلوا من الحارث أو النضیر شخصیةً اسلامیة، وعدوه فی المهاجرین وشهداء الیرموک .. ویظهر أنهم جعلوا کل الذین کانوا فی الشام من القرشیین وماتوا فی طاعون عمواس، مثل سهیل بن عمرو والعبدریین، جعلوهم شهداء، وعدوهم فی شهداء الیرموک!

ـ قال السمعانی المحب لقریش وبنی أمیة، فی أنسابه: ۳|۱۱۰

الرهینی: بفتح الراء وکسر الهاء بعدهما الیاء الساکنة آخر الحروف وفی آخرها النون، هذه النسبة الى رهین، وهو لقب الحارث بن علقمة ویلقب بالرهین، ومن ولده محمد بن المرتفع بن النضیر بن الحارث بن علقمة بن کلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصی الرهینی، یروی عن عبد الله بن الزبیر، روى عنه سفیان بن عیینة.

فأما جده النضیر بن الحارث فکان من المهاجرین، وکان یعد من حلماء قریش، قتل یوم الیرموک شهیداً، وهو أخو النضر بن الحارث الذی قتله علی بن أبی طالب بالصفراء صبراً یوم بدر، وکان شدید العداوة لرسول الله صلى الله علیه وسلم وفیه نزلت سورة ( سأل سائل بعذاب واقع ) وقالت بنته أبیاتاً من الشعر...

وتبعه فی إکمال الکمال: ۱|۳۲۷، وغیره.




هل اعترض النضیر على النبی صلى الله علیه وآله مثل أخیه وابن أخیه؟



روت مصادرنا مناقشة غریبة لأحدهم مع النبی صلى الله علیه وآله فی المدینة، وسمته النضر بن الحارث الفهری، ویحتمل أن تکون کلمة الفهری تصحیف العبدری، نسبةً الى بنی عبد الدار، والنضر تصحیف النضیر ..

وإذا صحت نسبتها الیه، فتکون صدرت منه فی المدینة بعد حجة الوداع.

ـ وقد تقدمت من کتاب مدینة المعاجز للبحرانی: ۲|۲۶۷، وفیها:

أقبل النضر بن الحارث فسلم على النبی صلى الله علیه وآله فقال:





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۶

یا رسول الله إذا کنت أنت سید ولد آدم، وأخوک سید العرب، وابنتک فاطمة سیدة نساء العالمین، وابناک الحسن والحسین سیدی شباب أهل الجنة، وعمک حمزة سید الشهداء، وابن عمک ذو الجناحین یطیر بهما فی الجنة حیث یشاء، وعمک جلدة بین عینیک وصنو أبیک، وشیبة له السدانة .. فما لسائر قومک من قریش وسائر العرب؟ !

فقد أعلمتنا فی بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول لنا مالک وعلینا ما علیک.

فأطرق رسول الله صلى الله علیه وآله طویلاً، ثم رفع رأسه فقال:

أما أنا والله ما فعلت بهم هذا، بل الله فعل بهم هذا، فما ذنبی؟ ! ....

فوعظه النبی صلى الله علیه وآله وقال له: إن ربک کریم، فإن أنت صبرت وتصابرت، لم یخلک من مواهبه، فارض وسلم، فإن الله یمتحن خلقه بضروب من المکاره، ویخفف عمن یشاء، وله الخلق والأمر، مواهبه عظیمة، وإحسانه واسع. فأبى الحارث. انتهى.

ـ وقد نص ابن هشام: ۲|۴۸۸، على أن النضیر هذا یسمى الحارث أیضاً باسم أبیه، وسماه الیعقوبی فی تاریخه: ۲|۶۳ ( الحارث بن الحارث بن کلدة ) وهو أمر یوجب الشک، لأنه یستغرب أن یکون لشخصٍ اسمان معاً، خاصةً إذا کان أحدهما باسم أبیه، لأن العوائل المالکة فی القبائل تحترم اسم الأب ولا تغیره الى اسمٍ آخر، ولا تضیف معه اسماً آخر، لأنه یضعفه!

وهذا یفتح باب الإحتمال أن یکون الحارث أخاهم الثالث، وأن یکون هو الذی ورد اسمه فی بعض الروایات أنه اعترض على النبی صلى الله علیه وآله لإعلانه ولایة علی والحسنین من بعده علیهم السلام فرماه الله بصاعقةٍ أو حجرٍ من سجیل!

وبذلک یکون العذاب الواقع نزل بثلاثة أشخاص من هذه الأسرة: الأب فی بدر، وولده جابر الذی نص علیه أبو عبید، والحارث هذا .. ویکون اسم عشیرة العذاب الواقع مثلث الإنطباق على هذه القبیلة! !

کما یحتمل أن یکون صاحبنا النضیر بن الحارث، أو الحارث بن الحارث




--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۷

العبدری، هو الحارث المعترض، لکن لم تنزل علیه العقوبة، لأنهم ذکروا وفاته فی الشام، ولیس بالعذاب الواقع.

ومهما یکن، فإن من المؤکد أنه یوجد حارثٌ غیره اعترض على النبی صلى الله علیه وآله حیث ورد ذکره فی تفسیر الثعلبی، وعدد من مصادرنا باسم الحارث بن النعمان الفهری، وأنه هو صاحب حجر السجیل، کما تقدم.

وکذلک تقدم اسم الحارث بن عمرو الفهری، فی روایة الحاکم الحسکانی، وروایة الکافی والمناقب.

ومما یؤید أنه حارثٌ آخر، أنهم ترجموا لشخصٍ وأولاده قد ینطبق علیه، ولم یذکروا عنه شرحاً، ولا ذکروا سبب موته! قال ابن کثیر فی سیرته: ۲|۴۹۹:

عامر بن الحارث الفهری، کذا ذکره سلمة عن ابن اسحاق وابن عائذ. وقال موسى بن عقبة وزیاد عن ابن اسحاق: عمرو بن الحارث.

وقال فی ص ۵۰۲: عمرو بن عامر بن الحارث الفهری، ذکره موسى بن عقبة. انتهى.

ـ وذکر نحوه فی عیون الأثر: ۱|۳۵۸

وعلیه، یکون الحارث صاحب حجر السجیل فهریاً، ولیس عبدریاً.

ویکون جابر بن النضر العبدری الذی ورد فی روایة أبی عبید، صاحب حجر سجیلٍ آخر .. والله العالم.




الأفجران من قریش أو... الأفجرون؟



ورد فی مصادر الحدیث أن أسوأ قبائل قریش، وأشدها على النبی صلى الله علیه وآله هم بنو أمیة، وبنو المغیرة، وهم فرع أبی جهل من مخزوم، وورد وصفهم بالأفجریْن ..

ولا بد أن نضیف الیهم بنی عبد الدار فیکونون الأفجرون بالجمع .. وإن کان الإنسان بعد أن یستثنی بنی هاشم والقلة الذین معهم من قریش، یشک فی من هو الأحسن والأفجر من الباقین! !





--------------------------------------------------------------------------------

۳۵۸

ـ قال السیوطی فی الدر المنثور: ۴|۸۵

وأخرج البخاری فی تاریخه، وابن جریر، وابن المنذر، وابن مردویة، عن عمر بن الخطاب رضی الله عنه فی قوله: ألم تر الى الذین بدلوا نعمة الله کفراً، قال: هما الأفجران من قریش: بنو المغیرة وبنو أمیة، فأما بنو المغیرة فکفیتموهم یوم بدر، وأما بنو أمیة فمُتِّعُوا الى حین! . انتهى.

ویشبه أن یکون ذلک کلاماً نبویاً ردده عمر، وإذا صح ذلک عنه، یتوجه الیه السؤال: لماذا ولَّى معاویة الأموی على حکم الشام، وأطلق یده ولم یحاسبه أبداً، ثم رتب الخلافة من بعده فی شورى جعل فیها حق النقض لصهر عثمان الأموی، فأکمل بذلک تسلیم الدولة الإسلامیة لأحد الأفجریْن من قریش؟ !





تم، والحمد لله رب العالمین



ممکن است این مطالب هم برای شما مفید باشد:

نظرات

 

در صورتی که قصد ثبت سوال دارید، می توانید از طریق این صفحه اقدام به ثبت سوال نمایید. در غیر اینصورت با استفاده از فرم زیر نظر خود را برای ما ارسال نمایید.